الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
332
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
معها تلك الحيثيات ألا ترى أنه قال الماء طاهر والملاقي للنجاسة نجس لم يكن المقصود بذلك أن طبيعة الماء من حيث هي طاهرة وطبيعة الملاقي من حيث هي نجسة بل المقصود منه ثبوت الحكم لأفراد الماء وأفراد الملاقي حسبما عرفت وحينئذ فالمتصف بالطهارة والنجاسة ذات الماء من حيث كونه فردا من الماء فردا من الملاقي فلا يصح اتصافها بهما واقعا ولو مع تعدد الحيثيات والجهات المعتبرة في كل من الحكمين نعم يصح اتصافها بهما على سبيل الشأنية حسبما يعطيه ثبوت الحكم على سبيل القضية الطبيعية كما أشرنا إليه إلا أنه غير مقصود في هذه المقامات فيرجع الحال في هذه الصورة أيضا إلى الصورة الأولى وتكون الحيثية أيضا تعليلية بالملاحظة المذكورة وكأنه إلى ما قررنا نظر المحقق الداماد حيث قال قدس سره في السبع الشداد إن الوجوب والحرمة من الأمور المتضادة والحيثيات المتقابلة بالذات فلا يصح اجتماعهما في ذات فعل واحد بالشخص كهذا الكون في هذا المكان بحيثيتين تعليليتين لكونه جزءا من الصّلاة المأمور بها وكونه تصرفا عدوانيا في الدار المغصوبة بل لا بد من اختلاف حيثيتين تقييديتين يجعل أولا نفس ذات الكون الشخصي الموصوف بالوجوب والحرمة كونين ثم يعرض الوجوب والحرمة لهما من تلقاء الاستناد إلى تينك الحيثيتين التقييديتين انتهى كلامه رحمه الله قوله احتج المخالف بوجهين إلى آخره قد زاد عليه بعض المتأخرين وجها ثالثا وربما يستأنس له بوجوه أخر وسنشير إلى الجميع إن شاء اللّه قوله أن السيد إذا أمر عبده إلى آخره يمكن أن يقرر هذه الحجة تارة بإرجاعها إلى التمسك بحكم العرف فإنه إذا أمر السيد عبده بالخياطة ونهاه عن الكون في مكان خاص فأتى بها فيه عد مطيعا وعاصيا قطعا فيدل ذلك على خصوص الاجتماع فإن الإطاعة هنا بموافقة الأمر والعصيان بمخالفة النهي وأخرى بإرجاعها إلى التمسك بحكم العقل فإنه بعد ورود الأمر والنهي على الوجه المذكور بقطع العقل حينئذ بحصول الطاعة والعصيان بالخياطة المفروضة الكاشف عن تعلق الأمر والنهي به وكان هذا هو مقصود المستدل إذ الوجه الأول غير نافع في مقام إثبات الجواز عقلا كما هو المفروض في محل البحث إذ لا يتجه الاستناد فيه إلى حكم العرف لإمكان الغلط في شأنهم بالنسبة إلى الأمور العقلية نعم إنما يصح الرجوع إليهم في الدليل الوضعية والمفاهيم اللفظية فيصح الاستناد إلى الوجه المذكور بعد إثبات الجواز العقلي عند بيان عدم فهم التقييد عرفا وعدم الحاجة إلى حمل الإطلاقين على الآخر وتقييده به حسبما يأتي الكلام فيه إن شاء الله قوله أو إيجاد في المتعلقين إلى آخره قد يقال إن هذا مناف لما مر في تحرير محل النزاع لتقرير الخلاف هناك في تعلق الأمر والنهي لشيء واحد شخصي من جهتين فلا ذكر من عدم تعلق الأمر والنهي لشيء واحد في المقام يقضي بخروج ذلك عن محل الكلام ويدفعه ما عرفت من أن المراد من تعلق الأمر والنهي لشيء واحد من جهتين كون الأمر والنهي بحسب الحقيقة متعلقا بالجهتين ويكون اجتماعهما في الفرد لأجل حصول الجهتين فيه فحصول الاجتماع في محل واحد إنما هو تلك الملاحظة وهذا هو البحث في المقام ومورد النفي والإثبات والمستدل بالمنع يتخيل أن ذلك قاض باجتماع الحكمين حقيقة في الفرد المفروض والقائل بالجواز يتخيل عدم اجتماع الحكمين في محل واحد في دقيق النظر غاية الأمر أن يترك الاجتماع في جليل النظر والامتناع الناشئ من حكم العقل إنما يتبع الحقيقة دون ظاهر الحال ولا اجتماع في المقام بحسب الحقيقة لقيام الحكمين حقيقة بنفس الجهتين وهما شيئان متعددان لا اتحاد بينهما بحسب الحقيقة كما مر الكلام فيه نعم لا يجري الدليل المذكور فيما إذا تعلق الأمر والنهي بنفس الفرد من الجهتين المفروضتين من غير أن يتعلق الأمر بنفس الجهتين فيكون كل من الجهتين المفروضتين واسطة في ثبوت الحكم المفروض لا في عروضه وقد مر البناء على التطبيق بين الوجهين المذكورين في تحرير محل النزاع يقتضي بإخراج ذلك عن محل البحث وقد يجعل الاستناد إلى الدليل المذكور شاهدا عليه كما أشرنا إليه ومما قررنا يظهر ضعف ما قد يتوهم في المقام من أن يلتزم اختلاف متعلق الأمر والنهي فيما يتخيل فيه الاجتماع قابل في الحقيقة بعدم جواز الاجتماع فلا خلاف به مع القائل بالمنع في أصل المسألة وإنما كلامه في خصوص الأمثلة وكذا يتخيل بعضهم على بعض من هؤلاء القائلين بمنع الاجتماع فليس المخالف في المسألة إلا من يقول بجواز الاجتماع في الواحد الشخصي من الجهتين ووهنه ظاهر بعد التأمل في كلماتهم كيف ومعظم المصرحين بجواز الاجتماع مصرحون بما ذكر من اختلاف المتعلق مستندون إليه ولو صح ما ذكر لارتفع الخلاف في المسألة بحسب المعنى ولكان البحث في خصوص الأمثلة بأن الحال من قبيل الاجتماع أولا وليس كذلك قطعا فالمناط في الاجتماع المأخوذ في مورد البحث هو ما ذكرنا دون الاجتماع الحقيقي وإنما يوجد ذلك وجودا وعدما دليلا على المنع والجواز فتأمل ثم إن هذا الوجه هو الأصل فيما ذهب إليه القائل بجواز الاجتماع وهو عمدة ما استندوا في المقام فلنفصل القول في بيانه وفي دفعه وأن يتعين الحال فيه مما قررناه في الاحتجاج على المختار فنقول توضيح الاستدلال أن المفروض في محل النزاع تعلق كل من الأمر والنهي بطبيعة غير ما تعلق به الآخر فهناك طبيعتان مختلفتان يتعلق الأمر بإحداهما والنهي بالأخرى غاية الأمر أن يكون المكلف أوجدهما في مصداق واحد وقارن بينهما في الوجود بسوء اختياره ولا مانع من ذلك لا من جهة قيام الضدين بأمر واحد إذ المفروض قيام الحكمين بالطبيعتين وهما أمران لا اتحاد بينهما في لحاظ الطبيعة الذي هو المناط في تعلق التكليف به فإن المكلف به هو الطبيعة المطلقة المأخوذة لا بشرط شيء حسبما قرر في محله وهما متغايران بهذا اللحاظ قطعا لا اتحاد بينهما أصلا ألا ترى في المثال المزبور أنه لا يصير طبيعة الصلاة غصبا ولا طبيعة الغصب صلاة غاية الأمر أنهما يتصادقان على مصداق واحد ومن ذلك يظهر أنه لا مانع من صدور الإرادتين من المكلف أيضا نظرا إلى اختلاف المرادين ولا من جهة لزوم إرادة القبيح من الحكيم لعدم تعلق الأمر بالطبيعة الراجحة الخالية عن الوجوه المقبحة ولا من جهة لزوم التكليف بالمحال ضرورة إمكان الانفكاك بين الأمرين وإنما جمع المكلف بينهما بسوء اختياره وقد يقرر الاحتجاج المذكور بوجه آخر قد مرت الإشارة إليه أيضا وهو أنه قد تقرر في محله أن الطبيعتين اللتين بينهما عموم من وجه لا يمكن اتحادهما بحسب الوجود لأن مصداق كل منهما يغاير مصداق الآخر عند التحقيق وإذا كان الحال في الطبيعتين المفروضتين في المقام على الوجه المذكور فلا اجتماع للأمر والنهي بحسب الحقيقة ليلزم قيام الوجوب والتحريم