الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
333
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بشق واحد لاختلاف المتعلقين بحسب الوجود غاية الأمر حصول اتحاد بينهما بالفرض على بعض الوجوه والمفروض انفكاك كل من الطبيعتين عن الأخرى وانتفاء الملازمة بينهما وكون الجمع بينهما من سوء اختيار المكلف فلا يلزم التكليف بالمحال أيضا والجواب إما عن التقرير الأول فيما عرفت من أن متعلق الأمر والنهي إنما هي الطبائع من حيث الوجود إذ لا يعقل طلب نفس الماهية من حيث هي مع قطع النظر عن الوجود فتغاير الماهيتين في حدود أنفسهما لا يفيد شيئا في المقام مع اتحادهما في الوجود الذي هو مناط التكليف ومتعلقه ومع الغض عنه فليس الوجوب والحرمة وأخواتهما إلا من عوارض الوجود ولا من عوارض الماهية فلا يتصف به الماهية من حيث وجودها في الخارج إما محققا أو مقدرا والمفروض اتحاد الماهيتين بها نظرا إلى الوجود الذي هو مناط الاتصاف فإن قلت إن المطلوب إنما هو وجود الماهية دون الخصوصية والمفروض رجحان وجود الماهية على عدمها وإن لم يكن الإتيان بالماهية الأخرى راجحا بل كان مرجوحا فالوجود المفروض إذا قيس إلى الماهية الراجحة كان راجحا على عدمه وإن قيس إلى الماهية الأخرى كان بالعكس فأي مانع حينئذ من اجتماع الراجحية والمرجوحية على الوجه المذكور في شيء واحد نظرا إلى اختلاف الجهتين قلت من البين امتناع اتصاف الوجود الواحد بالرجحان والمرجوحية بحسب الواقع وإن أمكن حصول الجهتين المذكورتين فيه فغاية الأمر رجحانه بالنظر إلى إحداهما ومرجوحيته بالنظر إلى الأخرى وهذا غير رجحان إيجاده على عدمه ومرجوحيته بحسب الواقع إذ لا بد حينئذ من ملاحظة النسبة بين الجهتين والأخذ بالراجح أو الحكم بالمساواة كيف ولو جاز حصول الوصفين في الواقع نظرا إلى اختلاف الجهتين فإما أن يتفرع عليها التكاليف بالإيجاد والترك معا فيلزم التكليف بالمحال أو يتعلق بأحدهما فلا اجتماع للحكمين فإن قلت إنا نقول بوجوب إيجاد الطبيعة المطلقة من غير أن يتعلق الوجوب لشيء من خصوصيات أفرادها إذ لا يتعلق الأمر بشيء منها على ما حقق في محله أقصى الأمر أنه لما توقف إيجاد الطبيعة على إيجاد واحد من الأفراد إذ لا يمكن إيجاد الكليات إلا بإيجاد أفرادها كان الإتيان بأحد الأفراد واجبا من باب المقدمة وهي تحصل في ضمن الحرام أيضا سواء قلنا بإمكان اجتماع الوجوب التوصلي مع الحرام أو قلنا بقيام الحرام مقام الواجب فيها فيكون الإتيان بالمحرم مسقطا للتكليف المتعلق بالمحلل بحصول التوصل بالحرام كما هو المختار حسبما مر القول فيه وحينئذ نقول بتحريم الفرد المفروض وحصول التوصل به إلى أداء الطبيعة الواجبة كذا يتخلص من كلام بعض الأفاضل في المقام قلت لا ريب أن الماهية متحدة مع الفرد بحسب الخارج وليس الإتيان بالفرد الخارج إلا عين الإتيان بالطبيعة وليس الامتياز بينهما إلا في تحليل العقل فكيف يعقل أن يكون مقدمة موصلة إليه بل ليس الإتيان بالفرد إلا عين الإتيان بالطبيعة فيكون ذلك أداء لنفس الواجب غاية الأمر أن عنوان الخصوصية إذا غير في نظر العقل من عنوان الطبيعة لم يحل بوجوبه لنفسه بل من حيث اتحاده مع الواجب في الخارج إذ توقف حصول الواجب في الخارج اتحاده معه وكون الشيء إلى بعض عناوينه مقدمة لعنوان الآخر في لحاظ العقل لا يقضي بكون وجوب ذلك الشيء في الخارج من باب المقدمة حتى يمكن القول بصحته وسقوط الواجب بأدائه إذ قد يكون ذلك الشيء بعينه واجبا نفسيا بملاحظة صدق ذلك العنوان عليه ولا يمكن الحكم بتحريمه كما هو الحال بالنسبة إلى الطبيعة والخصوصية بل قد يكون الشيء بملاحظة بعض عناوينه مباحا أو مكروها مثلا ويكون بملاحظة عنوان آخر واجبا فحينئذ لا يصح القول بإباحته في الواقع لوضوح غلبة جهة الوجوب على جهة الإباحة فيتصف الفعل بالوجوب بحسب الواقع كما هو الحال في جميع الواجبات لعدم وجوبها بجميع العناوين الصادقة عليها وهو ظاهر والحاصل أنه لا مجال للقول بكون الإتيان بالفرد إتيانا بالمقدمة الموصلة إلى الواجب لا لأداء نفس الواجب بل ليس إلا إتيانا لعين الواجب لكن بملاحظة كونه الطبيعة المأمور به كيف ولولا ذلك لما كان الصادر عن المكلفين إلا المقدمات دون نفس الواجبات إذ ليس الحاصل منهم في الخارج إلا الأفراد وهو واضح الفساد وحينئذ فتسليم حرمة الفرد في المقام والحكم بعدم وجوبه مع الحكم بأداء الطبيعة الواجبة واتصافها بالوجوب كما ترى ومن العجب ما ذكره الفاضل المذكور في المقام حيث قال قلت كاشفا للحجاب من وجه المطلوب رافعا للنقاب عن سر المحجوب أنه لا استحالة في أن يقول الحكيم هذه الطبيعة مطلوبتي ولا أرضى إيجادها في ضمن هذا الفرد لكن لو عصيتني وأوجدتها فيه أعاقبك لما خالفتني في كيفية الإيجاد لا لأنك لم توجد مطلوبتي لأن ذلك الأمر المنهي عنه خارج عن العبادة فهذا معنى مطلوبة الطبيعة الحاصلة في ضمن هذا الفرد لأنها مطلوبة مع كونها في ضمن الفرد فقد أسفر الصبح وارتفع الظلام فإلى كم قلت قلت ومن ذلك يظهر الجواب عن الإشكال في نية التقرب لأن قصد التقرب إنما هو في الإتيان بالطبيعة لا بشرط الحاصل في ضمن هذا الفرد لا بإتيانه في ضمن هذا الفرد الخاص المنهي عنه انتهى كلامه رفع مقامه فإنه بعد تسليم كون إيجاد الطبيعة في ضمن الفرد المفروض عصيانا باعثا على استحقاق العقاب لا يعقل القول بكون الطبيعة الحاصلة في ضمنه مطلوبة للأمر مرادة له فإنه إن كان إيجاد تلك الطبيعة بأي إيجاد كان مطلوبا له لم يتصور معه القول بحرمة الإيجاد المفروض واقع منه وإن لم يكن إيجادها كذلك مأمورا به بل كان المطلوب إيجادها بغير الإيجاد المفروض لم يعقل القول بحصول الامتثال بالإيجاد المفروض ولو من جهة حصول الطبيعة به إذ ليس ذلك الإيجاد حينئذ إلا عصيانا محضا لا يشوبه شائبة الطاعة والانقياد فإن قلت ليس المقصود شيء من الوجهين المذكورين بل المدعى كون المطلوب إيجاد نفس الطبيعة لا بشرط العموم ولا التخصيص ولا شك في حصول اللا بشرط في ضمن الفرد المذكور فأي مانع من حرمة ذلك الإيجاد الخاص ومطلوبية مطلق إيجاد الطبيعة اللا بشرط فيكون الآتي بذلك الخاص مطيعا بالنظر إلى الإتيان بالطبيعة اللا بشرط عاصيا من جهة الخصوصية وقد أشار إلى هذا المعنى بقوله فهذا معنى مطلوبية الطبيعة الحاصلة في ضمن الفرد لا أنها مطلوبة مع كونها في ضمن الفرد وقوله أن قصد التقرب إنما هو في الإتيان بالطبيعة لا بشرط الحاصلة في ضمن هذا الفرد لا بإتيانه في ضمن هذا الفرد الخاص قلت إن ما ذكر خيال ظاهري لا يكاد يعقل حينئذ حقيقة بعد التأمل فيه فإنه إن أريد بذلك بقاء مطلوبية الطبيعة اللا بشرط على حالها مع فرض مطلوبية