الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

331

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

من قبيل الثاني فإن متعلق الوجوب وموضوعه في المثال المفروض هو مطلق الكون من حيث هو كون مطلق ومتعلق الحرمة وموضوعها هو خصوصية الكون وتشخصه وهما أمران يمكن الانفكاك بينهما وقد جمعهما المكلف بسوء اختياره غاية الأمر أن يكون أحد الموضوعين عارضيا للآخر فخصوصية الغصبية عارضة لمطلق الكون ومعروضها متعلق للوجوب والعارض المعروض متعلق للحرمة ولا يتصور فيه المانع المذكور أصلا إذ ليس ذلك من اتحاد المتعلق في شيء وأورد عليه بأن جعل متعلق الوجوب مطلق الكون خروج عن ظاهر كلام المصنف رحمه الله فإن الظاهر من عبارته كون متعلق الوجوب والتحريم هو الكون الخاص حيث إن الكون المفروض مأمورا به من حيث إن أحد أجزاء الصلاة ومنهي عنه باعتبار أنه بعينه الكون في الدار المغصوبة فالاتحاد المفروض في كلامه هو الاتحاد الشخصي لا الاتحاد الحاصل بين المطلق والمقيد وفيه أنه ليس في كلام المصنف رحمه الله ما يفيد كون متعلق الأمر بحسب الحقيقة هو الكون الخاص كيف والمفروض فيه تعلق الأمر بمطلق الصلاة فيكون الواجب هو مطلق الكون غير أن ذلك المطلق لما كان حاصلا في ضمن الفرد المفروض كان ذلك الفرد واجبا من حيث حصول الطبيعة في ضمنه وانطباقها منه وكان بعينه محرما من جهة الخصوصية ولا بعد في حمل العبارة على ذلك بوجه من الوجوه مع موافقة لما هو الواقع أو الحال في المقام على الوجه المذكور وحينئذ يرد عليه بعد التأمل في حقيقة الحال ما ذكره المورد من أن وجوب الفرد من حيث حصول الطبيعة به إنما هو لقيام الوجوب بالطبيعة وتحريمه لأجل الخصوصية إنما هو لقيام الجزئية الخصوصية وهما موضوعان متعددان بحسب الواقع حسب ما ذكره ولو سلم عدم انطباق العبارة عليه ولا يقضي ذلك بدفع الإيراد المذكور بل غاية الأمر حينئذ منع ما ادعاه من تعلق الأمر والنهي بشيء واحد عند التحقيق أعني خصوص الكون المفروض وإنما يتعلق الأمر بالكون المتعلق والنهي بالخصوصية حسبما قررناه ثم إنه قد يقال مع الغض عما ذكر وتسليم تعلق الأمر والنهي بالكون الخاص في الجملة إلا أنه لا شك في اختلاف جهتي الأمر والنهي فإن ذلك الفرد إنما يكون مأمورا به من حيث كونه جزءا من الصلاة ومنهيا عنه من حيث كونه غصبيا فهناك طبائع ثلاثة مشتركة كون وصلاة وغصب حاصلة بالكون المفروض وحينئذ فإما أن يقال بكون الفرد المذكور ملتئما من الماهيات الثلاث المفروضة حتى تكون تلك الماهيات متحدة بحسب الخارج في الشخص المفروض إذ يقال بأن هناك أفراد ثلاثة للطبائع الثلاث المفروضة متميزة بحسب الخارج غاية الأمر أن يكون بعضها عارضا للبعض بأن يقال مثلا لعروض الصلاة والغصب للكون الخاص المفروض فذلك الكون فيه من حيث كونه فردا من الكون معروض للأمرين المذكورين وهما شيئان متعددان بحسب الخارج عارضان له لا سبيل إلى الوجه الأول لما تقرر عندهم من استحالة التئام الطبيعة من جزءين يكون بينهما عموم من وجه كما أشرنا إليه فتعين الثاني وحينئذ فيكون معروض الوجوب والحرمة بالذات هو العارضان المذكوران ويتصف معروضها بالأمرين على سبيل التبعية ولا مانع منه لعدم كون الاتصاف حينئذ حقيقيا لكنك بعد التأمل فيما قررنا تعرف ضعف الإيراد المذكور حسبما مر تفصيل القول فيه وسيجيء مزيد توضيح له إن شاء اللّه على أنه قد يقال بكون الجهتين في المقام تعليليتين أو تقييديتين وتوضيح ذلك في المثال المفروض أنه لا شك في أن الحاصل من المكلف في الخارج كون شخصي خاص حاصل في المكان المغصوب وليس الحاصل هناك كونان في الخارج كما يشهد ضرورة الوجدان وذلك الكون المفروض متحد مع الصلاة والغصب معا فهو بملاحظة وجوب الصلاة وكونه جزءا منها يكون واجبا وبملاحظة كون عين الغصب وجزئياته يكون محرّما فليس الواجب والحرام حينئذ بحسب الخارج إلا شيئا واحدا وعلى هذا فلا يكون الجهتان المذكورتان إلا تعليليتين بيان ذلك أن الحيثية المعتبرة في الموضوعات قد تكون مميزة لما اعتبرت فيه بحسب الخارج بأن يكون الحيث بإحدى الحيثيتين مغايرا في الوجود للحيث بالأخرى كما في ملاحظة الحيوان من حيث كونه ناطقا وملاحظة من حيث كونه ناهقا وضرب اليتيم من حيث كونه تأديبا ومن حيث كونه ظلما وحينئذ فلا مانع من اتصاف الحيث بالحيثيتين بالمتضادين من الجهتين المذكورتين لتغاير المتعلقتين وكون الوحدة الملحوظة في الموضوع من قبيل الوحدة النوعية وقد مر أنه لا إشكال في جواز اتصافه بالحكمين المذكورين وقد لا يكون مميزة لذات ما اعتبرت فيه من غيره بحسب الخارج بل الذات المحيثية بالحيثيتين أمر واحد في الخارج وحينئذ فإن ثبت الوصفان المتضادان نفس الجهتين فلا مانع أيضا كما تقول إن العلم صفة كمال والفسق صفة نقص ولا مانع من قيام الوضعين بموضع واحد كالعالم الفاسق فيثبت له الكمال بملاحظة الجهة الأولى والنقص بملاحظة الثانية على ما ذكر في الأحكام الثابتة للقضايا الطبيعية فإنها تسري إلى أفرادها على الوجه المذكور لا بملاحظة الواقع ولو أريد بملاحظة ثبوت الكمال للفرد بحسب الواقع وعدمه فلا بد من ملاحظة حال الصفتين فإن تساويتا في القوة فلا كمال في ذلك الفرد بحسب الواقع بعد ملاحظة جميع صفاته لتساقط الجهتين وإن كان الفرد تابعا للأقوى منهما ويجري ذلك بعينه فيما نحن فيه أيضا إذ لا مانع من القول بكون الكون المفروض واجبا من جهة كونه جزءا من الصلاة مع قطع النظر عن كونه غصبا وكونه محرما من حيث كونه غصبا مع قطع النظر عن كونه جزءا من الصلاة لكن لا يفيد شيء منهما حال الفرد المذكور بحسب الواقع فإن أريد ملاحظته على الوجه المذكور فلا بد من ملاحظة حال الجهتين في القوة والضعف فإن تساوت مصلحة الوجوب والتحريم في القوة كان الفعل مساويا للترك وحينئذ فلا أمر ولا نهي وإلا تعلق به ما يتفرع على الجهة الغالبة وإن أريد إثبات الوصفين المتضادين للمحيث تينك الحيثيتين بحسب الواقع نظرا إلى تعدد الجهتين كما هو الملحوظ في المقام فهو بين الفساد سواء جعل محل الصفتين خصوص متعلق الحيثيتين أو المحيث والحيثية معا أما الأول فواضح والحيثية حينئذ تكون تعليلية نظرا إلى كون الحيثية المذكورة علة لثبوت الحكم في المحيث بها وأما في الثاني فلقيام الضدين أيضا بالمحيث المفروض في الجملة ألا ترى أنه إذا كان الإتيان بالكون المفروض حيث كونه صلاة واجبا والإتيان به من حيث كونه غصبا حراما كان نفس الكون المحيث بالحيثيتين مشتركا بين الواجب والحرام بعضا من كل منهما فيكون واجبا محرما من حيث كونه محصلا للواجب والحرام على أن الكلام في الاتصاف بالصفات الخارجية وهي في الحقيقة عارضة لذوات الموضوعات إذا حصلت