الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

330

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ذلك مانعا من تعلق الأمر بنفس الطبيعة غاية الأمر حصول الجهتين في الفرد فيكون المكلف عند اختياره الفرد المذكور مطيعا عاصيا من جهتين إتيان الراجح والمرجوح كذلك فإن مكافئة مرجوحية الخصوصية لرجحان الطبيعة أو غلبتها لا يرفع رجحان أصل الطبيعة فالحيثيتان حاصلتان بحسب الواقع يكون إحداهما مصححة للأمر والأخرى للنهي فمصادفة جهة المرجوحية الحاصلة بسبب الخصوصية لرجحان الحاصل بنفس الطبيعة كمصادفة الإتيان بالمحرم لأداء الواجب مع تعدد الفعلين بحسب الخارج فكما لا يمتنع ذلك من تعلق الأمر والنهي بهما فكذا لا يمتنع هذا من تعلق الأمر والنهي بالجهتين إذا تفارقتا في الوجود بسوء اختيار المكلف قلت رجحان وجود الطبيعة بملاحظة ذاتها لا يستلزم رجحان وجود الطبيعة بحسب الخارج فإن الأول قضية طبيعة لا يقتضي إلا ثبوت الحكم المذكور في الاعتبار المفروض كما أن خيرية طبيعة الرجل من طبيعة المرأة لا يستلزم خيرية أفراد الرجل من أفراد المرأة بحسب الواقع غاية الأمر أن يقضي بخيرية جهة الرجولية من جهة الأنوثية فثبوت شيء لشيء باعتبار مخصوص لا يقتضي ثبوته له بحسب الواقع ألا ترى أن قولك الماء بارد بملاحظة ذاته وطبيعته لا ينافي كونه حارا بالعارض بمجاورة النار فظهر من ذلك أن قياس الفعل الواحد بين الفساد لوضوح الفرق بين الأمرين فتبين مما قررنا أن ثبوت الرجحان للطبيعة على الوجه المذكور لا يفيد إلا كون الرجحان من شأن الطبيعة الموجودة لا ثبوت الرجحان لها بحسب الواقع إذ قد يكون في الفرد ما ينافي ذلك ومن البين أن المعتبر على قواعد العدلية رجحان الفعل على الترك بحسب الواقع في تعلق الأمر به ومرجوحيته كذلك في تعلق النهي فبعد اجتماع الجهتين المفروضتين في الفرد إما أن يتساويا أو يترجح جانب الأمر أو جانب النهي وعلى كل حال فلا يكون واجبا محرما كما هو مختار القائل باجتماع الأمرين فإن قلت إن ذلك كله إنما يتم مع عروض الرجحانية والمرجوحية المفروضتين لمعروض واحد وأما مع عروض كل منهما بشيء واقترانهما في الوجود بالنسبة إلى الفرد المفروض فلا مانع فيه إذ لا مانع من اتصاف ذات الشيء مثلا بالرجحان واتصاف بعض أعراضه بالمرجوحية من غير تدافع بين الأمرين قلت ليس الحال في المقام على الوجه المذكور إذ المفروض اتحاد الكليتين المفروضتين في الوجود بحسب المصداق وقد نص جماعة بتسليمه من المجوزين للاجتماع وإنما قالوا إن ذلك لا يقتضي بعدم تمايز الطبيعتين في أنفسهما قال بعض الأفاضل منهم إن متعلق الأمر طبيعة الصلاة ومتعلق النهي طبيعة الغصب وقد أوجدهما المكلف بسوء اختياره في شخص واحد فإن ذلك قاض بتسليمه اتحاد الطبيعتين في الوجود والمصداق غير أنه يدعي أن ذلك لا يخرجهما عن كونهما حقيقتين وقد نص الفاضل المذكور بعد ذلك بأنه لا ريب في تعدد الطبيعتين مع اتحاد الفرد وأنه لا ينفي إحدى الحقيقتين في الخارج بسبب اتحاد الفرد لم يعد شيئا واحدا أيضا بل هما متغايرتان في الحقيقة متحدتان في نظر الحسن وأنت خبير بأن اتحاد الطبيعتين في الوجود لا يخرجهما عن كونهما حقيقتين لكن يخرجهما عن كونهما شيئين في الخارج فإذا كان الاتصاف خارجيا لم يفد بيان كونهما حينئذ حقيقتين أيضا في إثبات المقصود فالاستناد إلى ذلك في رفع الإشكال موهون جدا وكذا ما قد يتخيل من عدم اتحاد الطبيعتين في المصداق تعددهما بحسب الوجود بناء على ما هو التحقيق عندهم من عدم إمكان اتحاد الماهيتين اللتين بينهما عموم من وجه بحسب الوجود حسبما مر الإشارة إليه فإن ذلك إنما يتم إذا لم يكن بينهما اتحاد في الخارج أيضا وليس في الوجه المذكور ما يفيد خلاف ذلك فإن أقصى ما يستفاد منه عدم اتحاد الماهيتين بحسب الذات وأما مع اتحادهما في بعض مراتب الواقع فلا مانع منه كيف والاتحاد بين الشيئين قد يكون بالذات وقد يكون بالعرض وهو حاصل هنا قطعا إذ هو المأخوذ في محل النزاع فإن حقيقة تعلق الأمر والنهي بالطبيعتين هنا إنما هي بملاحظتها على وجه يتحدان في الخارج ولذا كانت النسبة بينهما عموما من وجه حسبما قرر في بيان محل النزاع ومع الغض عن جميع ذلك فنقول إن ما ذكر إنما يتم لو قلنا بكون الحسن والقبح الحاصلين للأفعال مقصودا على الذات المستند إلى ذواتها وأما لو قلنا باستنادهما إلى الوجوه والاعتبارات أيضا كما هو الحق فكون جهة الحسن أو القبح عارضيا غير متحد مع الذات اتحادا ذاتيا لا يقضي بعدم عروض الحسن أو القبح للذات من جهتها بل قضية ذلك اتصاف الذات بالحسن والقبح مع كون الجهة عارضية مغايرة للذات كما هو الحال في المقام إذ المفروض حسن الكون الواحد وقبحه من الجهتين المفروضتين وإن كان أحد الجهتين ذاتية والأخرى عرضية أو كانتا عرضيتين فلا بد من ملاحظة المعادلة أو الترجيح بين الجهتين المذكورتين فتعدد الجهتين وتكثرهما في حدود نفسها لا يصلح اتصاف الكون الشخصي في المثال المشهور بالحكمين المتضادين فإن الكون الذي يجتمع فيه الجهتان المذكورتان إن كان بملاحظة تينك الجهتين مما يتساوى وجوده وعدمه لم يتصف بوجوب ولا تحريم وإن كان تركه راجحا على سبيل المنع من النقيض كان محرما خاصة وإن كان بالعكس كان واجبا خاصة واتصافه فعلا بهما معا غير معقول نعم يمكن اتصافه بهما على سبيل الشأنية بمعنى اتصافه بالوجوب بملاحظة الجهة الموجبة خاصة أو التحريم بملاحظة الجهة الموجبة خاصة أو التحريم بملاحظة الجهة المحرمة من دون ملاحظة لكل من الجهتين والمضادية الحاصلة في البين فصار المتحصل أن الأمر الحاصل من المكلف في المقام أمر واحد قطعا كما يشهد به الضرورة وهو الكون الخاص في المثال المفروض وله حال واحد بحسب الواقع من الحسن والقبح والرجحانية والمرجوحية بعد ملاحظة ذاته وعوارضه الحاصلة له كما هو قضية أصول العدلية فكيف يعقل القول بحصول كل من الحكمين المتضادين في المقام بالنظر إلى كل من الجهتين نعم الممكن حصولهما معا بملاحظة القضية الطبعية المقيدة الإنشائية ثبوت الحكم المذكور لكون المفروض لولا قيام المانع منه وهو خارج عن محل الكلام إذ قد لا يحصل في شيء من الحكمين للفرد المفروض أو يثبت له أحدهما خاصة من غير أن ينافي ذلك ثبوت كل من الحكمين بملاحظة كل من الجهتين مع قطع النظر من الأخرى إذ لا يفيد ذلك سوى شأنية ثبوت الحكم المذكور للفرد كما لا يخفى قوله وتعدد الجهة غير مجد إلى آخره أورد عليه بوجهين أحدهما أن ما لا يجدي في المقام هو تعدد الجهة التعليلية إذ المانع هو اجتماع المتنافيين في موضوع واحد واختلاف العلة غير مفيد مع فرض الاجتماع وأما تعدد الجهة التقييدية فمجد في ذلك حيث إن ذلك قاض حقيقة بتكثر الموضوع وتعدده بحسب الواقع والظاهر أن الحاصل في المقام من