الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
329
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
أن يكون تعلق الأمر بها مقيدا قضى ذلك في حكم العقل بوجوب كل واحد من أفرادها على سبيل التخيير ضرورة انطباق الواجب عليه وأدائها به وإذا تعلق النهي بعبادة على الوجه المذكور قضى بالمنع من كل واحد من أفرادها على سبيل الاستغراق والعموم حسب ما عرفت وحينئذ فنقول إن الأمر والنهي المتعلقين بالطبيعتين المفروضتين إن قيد أحدهما بالآخر فهو المدعى إذ لا اجتماع حينئذ وإن بقيا على إطلاقهما كما هو مقصود الخصم لزم أن يكون الفرد الذي يجتمع فيه الطبيعتان واجبا محرما معا غاية الأمر أن يكون وجوبه على سبيل التخيير وتحريمه على وجه التعيين وهما متنافيان فإن قلت إن الأمر والنهي إنما يتعلقان بالطبيعة دون الأفراد فيكون خصوصية الأفراد مقدمة لأداء الواجب أعني الطبيعة فلا يثبتها الأمر المتعلق بالفعل غاية الأمر أن يكون واجبا من باب المقدمة إن قلنا بوجوبها وهو في محل المنع فلا اجتماع هناك للوجوب والتحريم قلت ولو سلم ذلك فأقصى الأمر حينئذ اجتماع الوجوب والتحريم في المقدمة فلا مانع كما مرت الإشارة إليه في كلام المصنف حيث قال إن الوجوب فيها ليس على حد غيرها من الواجبات إلى آخره ولو سلم المنع منه أيضا فغاية الأمر أن تكون خصوصية الفرد محرمة محضة لا واجبا وهو لا ينافي وجوب إحدى الطبيعة كما هو المدعى إذ تحريم المقدمة يجامع وجوب ذيها مع عدم انحصارها في المرام كما هو المفروض في المقام فغاية الأمر أن تكون المقدمة المحرمة مسقطة للواجب كما هو الحال في قطع المسافة إلى الحج على الوجه المحرم فإنه يسقط الواجب بالإتيان به على الوجه المفروض فحينئذ يصح الإتيان بالحج فكذا في المقام فيكون الإتيان بالخصوصية المحرمة مسقطا للتكليف بإحدى الخصوصيات المحللة مما يتوقف عليها أداء الطبيعة ويكون الطبيعة التي يتوصل بها إليها واجبة حسنة على نحو الحج في المثال المفروض قلت أما ما ذكر من منع وجوب المقدمة فقد عرفت وهنه في محله مضافا إلى منع كون الخصوصية مقدمة كما سنشير إليه إن شاء الله وأما ما ذكر من اجتماع الوجوب الغيري مع الحرمة وأنه ليس الوجوب هنا على حد غيره من أقسام الوجوب فقد عرفت وهنه كيف والقائل بامتناع اجتماع الوجوب والحرمة إنما يقول بتنافي مطلق الوجوب والتحريم كما هو مقتضى دليلهم وحينئذ فلا فرق في ذلك بين أقسام الوجوب من الوجوب النفسي والغيري والأصلي والتبعي والعيني والتخييري وغيرها نعم هنا كلام بالنسبة إلى اجتماع الوجوب والتحريم الغيري وسيجيء الإشارة إليه وأما ما ذكر من كون الحرام حينئذ مسقطا للواجب من غير أن يكون تلك الخصوصية واجبة أصلا ففيه أولا أن الخصوصية متحدة مع الطبيعة بحسب الخارج فكيف يعقل كون الخصوصية مقدمة لإيجادها بحسب الخارج مع وضوح قضاء التوقف بمغايرة المتوقف للتوقف عليه في الخارج وكون الوجوب في أحدهما نفسيا وفي الآخر غيريا فرع تغاير الموجودين دون ما إذا اتحدا كما هو الحال في المقام حسبما فرض من اتحاد الطبيعتين في المصداق فغاية الأمر مغايرة الخصوصية للماهية في التحليل العقلي وهو لا يقتضي كونها مقدمة لها في الخارج موصلة إليها كيف والوصول إلى الخصوصية المفروضة عين الوصول إلى الطبيعة فظهر بذلك أن دعوى التوقف الخارجي بينهما غير ظاهرة وقضية اتحادهما في الوجود وجوب الخصوصية بوجوب الطبيعة في الخارج ضرورة اتصاف المتحد مع الواجب بالوجوب فكيف يقال بعدم وجوب الخصوصية أصلا نعم غاية ما يقال اختلاف الحيثية في الوجوب فإن الخصوصية إنما يجب حينئذ لاتحادها مع الطبيعة في الخارج لا بملاحظة نفسها بخلاف نفس الطبيعة وكذا الحال في تحريم الخصوصية بالنسبة إلى تحريم الطبيعة وإذا كان الخاص على ما ذكر فكيف يعقل القول بوجوب الطبيعة خاصة وتحريم الخصوصية وأما ثانيا فبأن تسليم حرمة الفرد والمنع منه من غير أن يتعلق الوجوب به قاض بعدم تعلق الأمر بالطبيعة من حيث هي بل من حيث حصولها في ضمن غير الفرد المذكور إذ لو كانت الطبيعة مطلوبة على إطلاقها لزمه وجوب الفرد المذكور من حيث انطباق الطبيعة عليها حسبما ذكرنا فيكون إذن واجبة قطعا نعم غاية الأمر عدم وجوب الخصوصية في حد نفسها ولا ينافي ذلك وجوبها من الجهة المذكورة اللازم من تعلق الأمر بالطبيعة الحاصلة بها إلا مع الالتزام التقييد حسبما ذكرنا فيثبت به ما اخترناه هذا ولو قيل بعدم اتحاد الطبيعتين المفروضتين في الوجود اتجه ما ذكر من إطلاق ثبوت كل من الحكمين لكل من الطبيعتين إلا أنه لا ربط له بالكلام المذكور وهو أيضا مدفوع بما مرت الإشارة إليه ويأتي توضيح القول فيه إن شاء اللّه تعالى رابعها أن ما يجب على المكلف من الأفعال سواء كان من العبادات أو غيرها لا بد أن يكون فعله راجحا بحسب الواقع على تركه رجحانا مانعا من النقيض ولا يمكن اتصاف الشيء من الأفعال بالرجحان على حسب الواقع إلا إذا كانت جهة رجحان كذلك خالية عن المعارض أو غالبة على غيرها من الجهات الحاصلة فيه إذ لولا ذلك لم يكن الفعل الصادر عن المكلف راجحا على عدمه بل قد يكون عدمه راجحا على وجوده وما يكون كذلك يستحيل أن يكون مراد الشارع مطلوبا حصوله من المكلف بناء على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين فإن قلت إن القدر اللازم في حقيقة الواجب على قواعد العدلية أن يكون حقيقة الفعل وطبيعته مما رجح وجودها على عدمه رجحانا مانعا من النقيض فرجحان وجود نفس الطبيعة بملاحظة أنها كاف في كونها عبادة راجحة مطلوبة للشارع وإن انضم إليها من القيود والخصوصيات المرجوحة ما يقابل ذلك الرجحان بل ويزيد عليه بحيث يجعل الفرد الحاصل في الخارج مرجوحا راجحا عدمه على وجوده رجحانا مانعا من الوجود إذ لا ينافي ذلك رجحان نفس الطبيعة المعتبرة في تعلق الأمر بها قلت إذا كان الأمر على ما ذكر لم يكن الطبيعة الحاصلة في الخارج متصفة بالرجحان بحسب الواقع إذ المفروض انضمام القيود الخارجة عنها إليها الباعثة على مرجوحية وجودها الغالبة على جهة رجحان نفس الطبيعة الحاصلة لها بملاحظة ذاتها فردا عنها في الرجحان بسبب انضمام الدواعي المرجوحية إليها إذ ليس ذلك الرجحان من لوازم ذاتها ليستحيل انفكاكه عنها بل إنما يدور مدار الوجوه والاعتبارات الحاصلة لها وإذا كانت الطبيعة الحاصلة في الخارج خالية عن الرجحان بل ومرجوحية استحال أن يكون مطلوبة للحكيم مرادة له فإن قلت لا ريب حينئذ في رجحان نفس الطبيعة الحاصلة في الخارج بملاحظة ذاتها مع قطع النظر من الخصوصيات المنضمة إليها فليس الرجحان مسلوبا فيها بالمرة حتى لا يصح تعلق الأمر بها على قواعد العدلية أقصى الأمر أن تكون المرجوحية الحاصلة لخصوصية غالبة على رجحانها بعد ملاحظة المعارضة بين الجهتين ولا يكون