الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
328
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
في مصداق واحد وليس خصوص المصداق متعلقا للتكليف ليلزم اجتماع المتنافيين بل محل الحكمين نفس الطبيعتين وقد اختار المكلف بسوء اختياره إيجادهما بوجود واحد وفي ضمن مصداق واحد قلت إن متعلق الأمر والنهي وإن كان نفس الطبيعة المطلقة حسبما ذكر إلا أن متعلق الطلب في الأمر هو إيجاد تلك الطبيعة كما أن متعلقه في النهي عدم إيجاده فمفاد هيئة الأمر هو طلب الإيجاد كما أن مفاد هيئة النهي بضميمة حرف النهي طلب عدم الإيجاد ومفاد المادة المفروضة لها هو نفس الطبيعة وملاحظة التبادر الذي شاهد على ذلك وقد يقال إن معنى الوجود الإيجاد مأخوذ في المصادر ألا ترى أن ضرب ويضرب يفيد الحكم بإيجاد الضرب في الماضي أو المستقبل وفيه أن دلالة الحمل على الوجود إنما هي من جهة اشتمالها على النسبة فإن مناط النسبة الإيجابية هو الوجود كما أن مناط النسبة السلبية سلب الوجود وتلك النسبة في الأخبارات خبرية وفي الإنشاءات إنشائية حاصلة باستعمالات الصيغة في معناها ومفاد ذلك في المقام إيجاد الطلب الإيجابي لا إيجاد المطلوب فلا دلالة في نفس المبدإ على الوجود وإنما يستفاد كون الطلب متعلقا بالوجود من جهة الوضع الهيئي حسبما ذكرنا فكون متعلق الأمر والنهي نفس الطبيعة المطلقة لا ينافي كون متعلق الطلب هو الإيجاد وعدم الإيجاد كما هو المدعى ومنها أن الأحكام الشرعية من الوجوب والندب والحرمة وغيرها إنما يتعلق بالماهيات متعقبا إلى الوجود الخارجي فإن الوجوب رجحان إيجاد الماهية على عدمه رجحانا مانعا من النقيض والحرمة بالعكس وهكذا ولا تعقل اتصاف الماهية مع قطع النظر عن الوجود بشيء من الأحكام الشرعية فظهر بذلك أن متعلق الرجحان والمرجوحية هو الوجود دون نفس الماهية ومنها أن الوجوب والحرمة وغيرهما من الأحكام الشرعية من عوارض الوجود الخارجي لأفعال المكلفين دون الوجود الذهني ولا نفس الماهية ضرورة أنه لا يتصف بالوجوب وأخواته إلا فعل المكلف بحسب الخارج فعلا أو تقديرا إذ من الواضح أن تصور فعله لا يتصف بالوجوب حتى يكون من عوارض الماهية أو من عوارض الوجود الذهني وإذا كانت الأحكام المذكورة من عوارض الوجود الخارجي كان المتصف بها إما نفس الوجود الخارجي أو الماهية الموجودة من حيث وجودها في الخارج بذلك الوجود وعلى التقديرين يتم المقصود وأما المقدمة الثانية فلأن المفروض اتحاد الطبيعتين المفروضتين في المصداق وهو لا يكون إلا مع اتحادهما في الوجود إذ مع تعددهما وتميزهما بحسب الخارج كليا لا يكون النسبة بينهما إلا تباينا كليا لا عموما من وجه كما هو المفروض في محل البحث فإن قلت كيف يصح القول باتحادهما بحسب الوجود مع أن المفروض كون النسبة بين الكليين عموما من وجه وقد تقرر في محله استحالة إيجاد الكليين المفروضين بحسب الوجود ليئول الأمر في تركيبها إلى الوحدة الحقيقية بل لا يمكن اتحاد الكليين بحسب الوجود إلا إذا كان بينهما عموم مطلق ليكون أحدهما جنسا والآخر فصلا وأما غيرهما فهما متغايران بحسب الوجود عند التحقيق قطعا وإن اتحدا إيجادا عرضيّا ويعدان بحسب العرف واحدا كما هو المفروض في محل البحث فإن هذا الوجه من الاتحاد غير مانع من تعددها بحسب الواقع وهو كاف في تغاير الموضعين قلت فيه أولا أن ما ذكر إنما يتم بالنسبة إلى الماهيات المتأصلة في الخارج بحيث يكون ما يحاذيها موجودا في الخارج وأمّا الأمور الاعتبارية المنتزعة من الوجود الخارجي مما لا يكون الموجود المتأصل في الخارج إلا ما ينتزع منها ويكون وجودها الخارجي بوجود ما ينتزع منها فلا مانع من ذلك إذ يمكن اتحادهما في الوجود الخارجي أيضا من جهة اتحاد وجود ما ينتزع منها وحينئذ فيكون ذلك الوجود الواحد واجبا محرّما من الجهتين المفروضتين فيهما وثانيا بعد تسليم تعدد الأمرين المذكورين خارجا بحسب الواقع وتغايرهما في الوجود فلا شك في اتحادهما أيضا بحسب الواقع من وجه ولذا يصح حمل أحدهما على الآخر ويكون النسبة بينهما عموما من وجه من تلك الجهة فهناك جهة اتحاد بين الأمرين المذكورين وجهة مغايرة بينهما والنسبة بين الكليين المفروضين بالملاحظة الأولى عموم من وجه لتصادقهما على مصداق واحد وبالاعتبار الثاني مباينة كلية فإن كان تعلق الحكمين المذكورين بهما بالملاحظة الثانية فلا مانع منه وهو حينئذ خارج عن محل النزاع إذ ليس حينئذ بين مورد الحكمين عموم من وجه صحيح بل هي مباينة كلية وإن كان تعلقهما بملاحظة الأولى كما هو المفروض في موضع النزاع لم يجز ذلك لاتحادهما إذن في مورد الاجتماع نظرا إلى الوجه المذكور ويكون الأمر والنهي متعلقين بهما من حيث كونهما متحدين في الوجود حسبما قررنا وسيجيء لهذا مزيد توضيح إن شاء اللّه تعالى ثانيها أن الأحكام الشرعية إنما يتعلق بالماهيات من حيث حصولها في ضمن أفرادها فالحكم على الماهية حينئذ إنما يرجع إلى الحكم على أفرادها كما نصوا عليه في تقرير دليل الحكمة لإرجاع المفرد المحلى باللام إلى العموم فصرحوا بأن الطبيعة من حيث هي لا يصح أن يراد منه المفرد المعرف إذا تعلق به أحد الأحكام الشرعية كيف ومن المقرر أن القضية الطبيعية غير معتبرة في شيء من العلوم إذ المقصود من المعرفة حال ما وجد أو يوجد في الخارج ولا يستفاد من القضية الطبيعة حال الطبيعة في الخارج أصلا ولو على سبيل الجزئية ولذا لم يتوهم أحد خروج القضية الطبيعية إلى الجزئية كما أرجعوا المهملة إليها وليس المقصود بذلك تعلق الأحكام بخصوص الأفراد ابتداء بل المدعى تعلق الحكم بنفس الطبيعة من حيث حصولها في ضمن أفرادها وهناك فرق بين لحاظ الأفراد ابتداء وإناطة الحكم بها كما يبدل القائل بتعلق الأوامر في الأفراد وبين إناطة الحكم بالطبيعة من حيث حصولها في ضمن الأفراد كما في تعريف الجنس في نحو قولك البيع حلال فإن المراد به تعريف الطبيعة على ما هو ظاهر اللفظ لكن لا من حيث هي بل من حيث حصولها في ضمن الأفراد واتحادها بها وإنما يتعلق الحكم المذكور بها من تلك الجهة فهو في الحقيقة قضية مهملة إلا أنه يرجع إلى العموم بملاحظة الحكمة وليس المراد بتعريف الجنس في الغالب إلى ذلك دون ما يكون المراد به تعريف نفس الطبيعية من حيث هي كما في القضية الطبيعية في نحو الرجل خير من المرأة فإن ذلك لا يغيب إلا حكم تلك الجهة من غير أن يفيد حكم الأفراد إلا أن ذلك غير متداول في المخاطبات العرفية أيضا بل الملحوظ عندهم في الغالب بيان حكم الأفراد وسيجيء تفصيل القول في محله إن شاء اللّه تعالى إذا تمهد ذلك فنقول إن كلا من الماهيتين المفروضتين إن تعلق به الأمر والنهي من حيث حصوله في ضمن جميع الأفراد كما هو ظاهر الإطلاق وإن كان تعلق الأمر به في ضمن أي فرد منه على سبيل العموم البدلي والتخييري بين الأفراد وتعلق النهي من حيث حصوله في ضمن كل منها على سبيل التعيين والعموم الاستغراقي أمكن القول بما ذكر من حصول الامتثال من جهة والعصيان من أخرى لو أتى بمورد الاجتماع إلا أنه لا مجال للقول به لاتحاد الكليين حينئذ في المصداق فيلزم أن يكون ذلك الفرد الواحد مطلوبا فعله وتركه معا وهو جمع بين المتنافيين فلا بد إذن من التزام عدم شمول الأمر أو النهي للفرد المفروض وهو المدعى نعم لو صح القول بثبوت الأحكام لنفس الطبائع من حيث هي حتى يكون القضايا المستفادة من الشريعة قضايا طبيعية لم يكن هناك مانع من اجتماع الطبيعة المطلوبة مع المبغوضة ولم يقض ذلك بارتكاب البعيد في شيء ولا يلزم منه اجتماع المتنافيين في الفرد بما تقرر من عدم استفادة حكم الأفراد من القضايا الطبيعية أصلا فقد يكون حكم الفرد المفروض حكما ثالثا غير كل من الحكمين المفروضين وقد ثبت له إذن أحد الحكمين دون الآخر كما إذا رجح الشارع حينئذ جانب التحريم الفرد فإنه لا ينافي وجوب الطبيعة على الوجه المفروض أصلا بل ولا حكمه بوجوب الفرد من حيث حصول الطبيعة المفروضة في ضمنه فإن ثبوت شيء لشيء من جهة لا يستلزم ثبوته له في الواقع حتى ينافي ثبوت التحريم له ألا ترى أن خيرية طبيعة الرجل من طبيعة المرة لا ينافي خيرية كل من أفراد الرجل غاية الأمر أن يكون كل من أفراد الرجل من حيث كونه رجلا خير من كل من أفراد المرأة من حيث كونه مرأة وهو لا يستلزم خبريته منه بالنظر إلى الواقع فالقول باجتماع الأمر والنهي على الوجه المذكور مما لا مانع فيه أصلا إلا أنك قد عرفت أنه لا مجال لتوهّم تعلق الأحكام الشرعية بالطبائع على الوجه المذكور وربما يستفاد من كلام جماعة من المخيرين للاجتماع توهم كون المسألة من القبيل المذكور وهو مكان من الضعف وسيجيء زيادة بيان لذلك إن شاء اللّه تعالى ثالثها أن الأمر إذا تعلق بطبيعة فإن كانت تلك الطبيعة على إطلاقها متعلقة للأمر من غير