الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

301

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

علم الآمر بذلك أو مع جهله وعلى كلا التقديرين فإما أن يكون مع علم المأمور بالحال أو مع جهله وعلى التقادير فإما أن يكون التكليف به مطلقا ومعلقا على استجماع الشرائط أما مع جهل الآمر بالحال فلا إشكال في جواز الأمر معلقا على وجود شرطه سواء كان المأمور عالما بالحال أو جاهلا كما أنه لا إشكال في المنع مع علمهما بالحال من غير فرق بين إطلاق الأمر وتعليقه على حصول الشرط حسب ما أشار إليه المصنف من حكايتهم الاتفاق على منعه وظاهرهم يعم الصورتين بل ربما كان المنع في الصورة الثانية من وجهين نظرا إلى قبح توجيه الأمر نحو الفاقد وقبح الاشتراط من العالم حسب ما يأتي الإشارة إليه في كلام السيد بقي الكلام فيما إذا كان الآمر عالما بالحال والمأمور جاهلا وأراد توجيه الأمر مطلقا أو على الشرط المفروض وما كان جاهلا بالحال أراد توجيه الأمر مطلقا غير معلق على الشرط سواء كان المأمور عالما بالحال أو جاهلا أيضا فهذه مسائل ثلاث وظاهر العنوان المذكور منطبق على الفرض الأول ونحن نفصل القول في كل منهما ثم نرجع إلى الكلام فيما قرره المصنف وحكاه عن السيد المرتضى فنقول أما المسألة الأولى فقد وقع الكلام فيما بين علمائنا والأشاعرة وقد احتمل بعض الأفاضل في محل النزاع وجهين أحدهما أن يكون النزاع في التكليف الواقعي الحقيقي فيه أنه إذا علم الآمر انتفاء الشرط بحسب الواقع فهل يجوز أن يطلبه منه ويكلفه على وجه الحقيقة أو لا وثانيهما أن البحث في صدور الخطاب والتكليف الظاهري فيكون المراد أنه هل في الفرض المذكور أن يصدر عن الآمر التكليف بالفعل من غير أن يكون غرضه في الحقيقة طلب صدور الفعل عن المكلف بل غرضه صدور نفس التكليف فيكون الصادر عنه حقيقة هو صورة التكليف لا حقيقته قال وكلمات القوم مشوشة هنا جدا بعضها يوافق الأول وبعضها الثاني أقول ستعرف إن شاء الله بعد تقرير مناط البحث في المسألة أنه لا تشويش في كلمات القوم وأن محل الخلاف في المقام وأنه لا خلاف فيه ظاهرا إلا من نادر كما سيشير إليه ثم أقول إنه لا خلاف لأحد في جواز تعلق التكليف الظاهري الحاصل بملاحظة الأدلة الشرعية والقواعد المقررة في الشريعة مع علمه تعالى بانتفاء شرط التكليف بحسب الواقع سواء كان ذلك بنص الشارع وبيانه أو بحكم العقل من جهة وجوب دفع الضرر المظنون أو المحتمل ولا نزاع في وقوع التكليف على الوجه المذكور وارتفاعه عن المكلف عند ظهور انتفاء الشرط كيف وبناء الشريعة على ذلك فإن المرأة مكلفة بالصوم في أول النهار وإن حاضت وقت الظهر مثلا وذلك تكليف ظاهري لها بالصوم يرتفع عند ظهور المانع ولذا تكون عاصية قطعا بالإفطار قبل ظهور المانع وهكذا الحال في غيرها من المكلفين إذا ظهر منهم انتفاء الشرط في الأثناء فيكشف ذلك من عدم تعلق التكليف بحسب الواقع عند القائلين بالامتناع في المقام بخلاف القائل بالجواز إذ يمكنه القول بحصول التكليف ولا بحسب الواقع أيضا وارتفاعه عند ارتفاع انتفاء الشرط فيكون التكليف المفروض واقعيا عنده أيضا ولا يتوهم في ذلك لزوم الإغراء بالجهل إذ ليس بناء التكليف فيه إلا على كونه ظاهريا محتملا بمطابقته للواقع وعدمه بخلاف الوجه الثاني من الوجهين المتقدمين لظهور التكليف في إرادة الواقع فيتوهم لزوم الإغراء بالجهل كما سنشير إليه وليس على الوجه المذكور بسبب حصول التكليف مع علم الآمر بانتفاء شرطه فإن التكليف الظاهري ليس مشروطا بنفس الشرط المفروض والتكليف الواقع المشروط به غير حاصل بمجرد الأمر المفروض عند القائل بامتناعه هذا وتحقيق الكلام في بيان محل النزاع في المقام يتم برسم أمور أحدها أن المراد بجواز التكليف بما لا يطاق عند القائل به هو جواز التكليف بما لا يطاق على أن ما لا يطاق الذي وقع البحث فيه بين العدلية وغيرهم إنما يكون إذا كان كل من الآمر والمأمور عالما باستحالته أو يكون أمر الآمر به على فرض إمكان الفعل واستحالته مع جهل أحدهما به أو جهلهما وأما إذا كان الآمر جاهلا باستحالته فلا إشكال في جواز الأمر به مطلقا أي من غير أن يكون على نحو التعميم للحالين سواء كان المتعلق به تنجيزيا أو تعليقيا أو يكون الأمر معتقدا إمكانه أو شاكا فيه وبعض الوجوه المذكورة مما لا خلاف فيه وبعضها مما وقع فيه الخلاف كما سيجيء إن شاء الله في الجملة سواء كان المأمور عالما بالحال أو جاهلا وإذا كان الآمر عالما والمأمور جاهلا فقد عرفت جواز الأمر به على سبيل الإطلاق وأما الأمر به مطلقا على ما هو مفروض البحث في المقام فليس منع المانع عنه من حيث استحالته ليكون تجويز المجوز من قبيل تجويز التكليف المحال وإلا تمسك به القائلون بجوازه بل من حيث إمكانه في نظر المأمور فيكتفي به القائل بجواز التكليف فكما أنه لا يقبح التكليف بالمحال مع جهل الآمر باستحالته فقد يتخيل عدم قبحه مع جهل المأمور أيضا نظرا إلى كون إمكان الفعل في نظر المأمور مصححا لأمر الآمر به وإن كان ممتنعا في نظر الآمر وسيتضح ذلك الوجه فيه بعد ما سنبينه من حقيقة التكليف ويشهد له أيضا أن القائل بالجواز يقول بسقوط التكليف وارتفاعه من المكلف إذا جاء وقت انتفاء الشرط وعلم المكلف بانتفائه بل ولو علم بانتفائه قبل ذلك ولو كان ذلك من جهة جواز التكليف بالمحال لم يختلف فيه الحال فظهر أنه ما ربط للمسألة بمسألة التكليف بالمحال فدعوى كون التكليف بالفعل حينئذ على سبيل الحقيقة من قبيل التكليف بالمحال وجزئيا من جزئياته فلو كان البحث فيه لما احتاج إلى عنوان جديد كما صدر عن بعض الأعلام ليس على ما ينبغي نعم يمكن دعوى ذلك في الحقيقة مندرجا في التكليف بالمحال فيستدل عليه بامتناع التكليف بالمحال كما رأيته جماعة في المقام منهم العلامة لكن ذلك من كون مناط البحث في المقام هو التكليف بالمحال وفرق بين المقامين ثانيها أن انتفاء شرائط الوجوب قد يكون لا عن اختيار المكلف وقد يكون عن اختياره كما إذا تعمد ترك المقدمة المفروضة سواء كانت عقلية أو شرعية وقد يقال في الصورة الثانية إنه لا مانع من تعلق التكليف به نظرا إلى كون المكلف هو السبب في استحالته لما تقرر من أن المحال بالاختيار لا ينافي الاختيار ولو قلنا باستحالة التكليف به بعد استحالة الفعل ولو من جهة اختيار المكلف فأي المانع من تعليق التكليف به قبل ذلك إذا علم الآمر انتفاء شرط الوجوب زمان أداء الفعل من جهة إقدام المكلف على تركه وفيه أنه إن كان تمكن المكلف من الشرط كافيا في إيجاب الأمر وإن زال عنه ذلك باختياره لم يكن شرط الوجوب منتفيا غاية الأمر انتفاء شرط الوجوب وهو خارج عن محل النزاع وإن كان بقاء التمكن شرطا في الإيجاب لم يعقل حصول الإيجاب مع انتفائه ويدفعه وضوح الفرق بين إيجاب الفعل مع انتفاء التمكن من الشرط وإيجابه مع التمكن منه والمفروض في المقام ارتفاع التمكن بعد الإيجاب باختيار المكلف فاللازم منه بعد استحالة التكليف به لا عدم تعلق التكليف به من أول الأمر والحاصل أنا لو قلنا بكون ارتفاع التمكن عن اختيار المكلف غير مانع