الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

302

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

من بقاء التكليف بالفعل لم يكن شرط الوجوب حينئذ منتفيا في المقام فيخرج بذلك عن مورد الكلام وإن قلنا بكونه مانعا من بقائه فلا وجه لجعله مانعا من تعلق التكليف به من أصله مع التمكن من الشرط المفروض من أقصى الأمر عدم بقاء التكليف مع إقدام المكلف على ترك المقدمة واختياره ذلك فيكون الصورة المذكورة خارجة عن مورد بحثهم غير مندرجة فيما قرره عن محل النزاع هذا وقد ذكر جماعة منهم الكرماني على ما حكي عنه والفاضل المحشي والمحقق الخوانساري اختصاص النزاع بالشروط الغير المقدورة للمكلف ويظهر ذلك من السيد حسب ما يستفاد مما حكاه المصنف من كلامه من العلامة في النهاية وقد قرر النزاع في الأحكام في خصوص ذلك ونص المدقق المحشي ومنه بعض الأفاضل بتعميم النزاع فقال إن تخصيص الشرط بالشرط الغير المقدور غير جيد لأن الشروط المقدورة التي يكون الواجب مشروطا بالنسبة إليها في حكم الشروط الغير المقدورة وداخل في محل النزاع حتى إن المسألة المبنية على هذه القاعدة قد تناولت الشرط الاختياري وهي أن الصائم لو أفطر ثم سقط فرض صومه لحيض أو سفر والسفر يتناول الاختياري كما صرح به الأصحاب في هذه المسألة انتهى وأنت خبير بأنه إذا كان انتفاء الشرط باختيار المكلف لم يكن هناك مانع من تعلق التكليف بالفعل فيكون ذلك إيجابا للفعل والشرط معا كما هو الحال في إيجاب الطهارة المائية فإنه إذا تعلق وجوبها بالمكلف كان ذلك مشروطا بالتمكن من الماء فإذا كان التمكن منه حاصلا للمكلف وكان إبقاء التمكن معذورا له أيضا وجب عليه ذلك ليأتي منه أداء الواجب ولا يكون إتلافه للماء في أول زمان الفعل كاشفا عن انتفاء التكليف بل قد يكون عاصيا قطعا وهو شاهد بتعلق التكليف به مع علم الآمر بانتفاء شرطه على الوجه المذكور وهذا جار في سائر التكاليف أيضا بالنسبة إلى إبقاء القدرة عليها وعلى شروطها فاندراج الشروط المقدورة في محل النزاع يقضي بإلزام القائل بالمنع بامتناعه أيضا والظاهر أنهم لا يلزمون به وما ذكروه من الدليل عليه لا يفي بذلك قطعا نعم لو فرض من عدم وجوب الشرط المفروض في نظر الآمر صح ما ذكره من الإلحاق كما هو الحال فيما فرضه من المثال فإن أريد إدراج الشرائط المقدورة في محل النزاع واندرج فيه خصوص هذه الصورة دون غيرها فإن انتفاء الشرط المفروض حينئذ في وقته عن اختيار المكلف بمنزلة انتفاء سائر الشروط الغير المقدورة بجريان ما ذكروه من الدليل في ذلك أيضا بخلاف الصورة الأولى ولا يذهب عليك أنه إن كان مأمورا بصوم ذلك اليوم مطلقا كان الواجب عليه ترك السفر حتى يتحقق منه صوم الواجب وكان المحال فيه كسائر شروط الوجوب حسب ما ذكرنا وإن كان وجوبه عليه مشروطا بعدم السفر لم يكن مأمورا بالصوم مطلقا بل على تقدير انتفاء الشرط فيخرج عن موضوع هذه المسألة ويندرج في المسألة الثانية حسبما قرره السيد رحمه الله فإدراج الشرائط المقدورة في المقام ليس على ما ينبغي كما لا يخفى ثالثها أنه لا إشكال ظاهرا في جواز الأمر بالفعل على سبيل الامتحان والاختيار مع علم الآمر بانتفاء شرطه زمان أدائه واستحالة صدورها من المكلف في وقته مع جهل المأمور بحاله فيتحقق التكليف بالفعل بحسب الظاهر قطعا ويرتفع ذلك بعد وضوح الحال ولا نعرف في ذلك مخالفا من الأصحاب وغيرهم كما اعترف به بعض الأفاضل سوى ما حكي عن السيد العميد من منعه لذلك حسب ما يستظهر من كلامه وهو ضعيف جدا لوضوح أنه كما يحسن الأمر للمصلحة المأمور به كذا يحسن للمصلحة المترتبة على نفس الأمر من جهة امتحان المأمور واختيار حاله في الانقياد وعدمه وغير ذلك وإن لم يكن المطلوب حسنا بحسب الواقع في نفسه أو لم يكن المكلف متمكنا من أدائه غاية الأمر عدم وجوب التكليف بالمحال في الصورة الأولى وحجة السيد على المنع ما فيه من الإغراء بالجهل نظرا إلى دلالة ظاهر الأمر على كون المأمور به مرادا للأمر بحسب الواقع محبوبا عنده والمفروض خلافه ولأنه لو حسن الأمر لنفسه لا بمتعلقه لم يبق في الأمر دلالة على الأمر بما لا يتم به دلالة على النهي عن ضده ولا على كون المأمور به حسنا وأنت خبير بما فيه أما الأول فأولا أنه الإغراء بالجهل بالنسبة إلى التكاليف بمجرد ذلك لبناء الأمر فيها على طرو الطواري المذكورة ونحوها ولذا ذهب معظم الأصوليين إلى جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب ولو فيما له ظاهر وهذا لا يزيد على ذلك وثانيا بالمنع عن قبح الإغراء بالجهل مطلقا حتى فيما يترتب عليه فائدة مقصودة للعقلاء ويمكن المقصود حصول تلك الفائدة بل قد لا يعد ذلك إغراء بالجهل إذ ليس المقصود به تدليس الواقع على المخاطب بل المراد منه ما يترتب عليه من المصلحة البينة المطلوبة عند العقلاء كيف وقد جرت عليه طريقة العقلاء قديما وجديدا في اختيار عبيدهم ووكلائهم وأصدقائهم وغيرهم من غير أن يتناكروه بينهم ولا تأمل لأحد منهم في حسنه ولا احتمالهم لقبحه مع وضوح قبح الإغراء بالجهل في الجملة فلو فرض كونه إغراء به فهو خارج عما يستقبح منه فظاهر وقد يقال بالمنع من ذلك بالنسبة إلى أداء الشرع لعلمه تعالى بحقائق الأحوال ولا يتصور في حقه تعالى قصد الامتحان والاختبار بذلك يظهر لك من كلامه وكلام المصنف في آخر المسألة ويوهنه أنه لا ينحصر المصلحة فيه في استعلام حال العبد بل قد يكون لإقامة الحجة عليه أو لترتب الثواب عليه من جهة توطين نفسه للامتثال أو لظهور حاله عند الغير وفي قوله تعالى في حكاية إبراهيم إن هذا لهو البلاء المبين دلالة على ذلك وهذا كله واضح لإخفاء فيه وأما الثاني فبظهور منع الملازمة فإنه إنما يلزم ذلك لو لم يكن الأمر ظاهرا في إرادة المأمور به ويكون الأمر الواقع على سبيل الامتحان مساويا لغيره في الظهور وليس كذلك عند جماعة إذ الأوامر الامتحانية من جملة المجازات عندهم ولا دلالة فيها على شيء عما ذكر بعد ظهور المحال لا ينافي ذلك الدلالة عليه قبل قيام القرينة ومما يستغرب من الكلام ما صدر عن بعض الأعلام من تقرير النزاع في حصول ذلك في المقام نظرا إلى أن وقوع النزاع هنا في المقام الأول بعيد جدا إذ هو متفرعات النزاع في مسألة التكليف بما لا يطاق وليس نزاعا على حدة وليس تجويز التكليف بما لا يطاق ملحوظا في وضع هذه المسألة فتعين أن يكون النزاع في المقام الثاني واستشهد له بكلام العلامة في النهاية فإنه بعد ما حكى عن المجوزين جواز وقوع الأوامر الاختبارية لما يتفرع عليها من المصالح الكثيرة وجريان الطريقة عليه بحسب العادة قال والأصل في ذلك أن الأمر قد يحسن لمصالح تنشأ من نفس الأمر لا من نفس المأمور به وقد يحسن لمصالح تنشأ في المأمور به فجوز من جوزه لذلك والمانعون قالوا الأمر لا يحسن إلا لمصلحة تنشأ من المأمور به انتهى قال ولا يخفى صراحته فيما ذكرنا أقول أما جواز الأوامر الامتحانية ونحوها ما لا يكون المقصود حقيقة حصول الفعل في الخارج فأمر ظاهر غني عن البيان يشهد بحسنه ضرورة الوجدان حسب ما قرر ذلك وإن لم يمنع من وقوع شبهة في جوازه لبعض الأجلة إلا أن البناء على منع كثير من العلماء منه بل ظهور