الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

300

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

[ أصل في أمر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه . ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّد المرسلين محمد وعترته وذريته الأكرمين إلى يوم الدين قال أكثر مخالفينا إن الأمر بالفعل المشروط جائز وإن علم الآمر انتفاء الشرط إلى آخره الشرائط المعتبرة في الفعل قد يكون شرطا في وجوده وقد يكون في وجوبه وقد يكون شرطا فيهما ومحل الكلام في المقام فيما إذا علم الآمر انتفاء شرط الوجوب سواء كان شرطا في الوجود أيضا أو لا وأما المشروط في وجود الفعل من غير أن يكون شرطا في وجوبه فلا خلاف لأحد في جواز الأمر به مع علم الآمر بإطلاقه فإطلاق الشرط في المقام ليس على ما ينبغي كما سيشير إليه المصنف إن شاء الله وبعضهم قرر النزاع في المقام في خصوص شرائط الوجود دون الوجوب وهو فاسد إذ لا مجال لأحد أن يتوهم امتناع التكليف بذلك وليس في كلام المانعين ما يوهم ذلك كيف وتمثيلاتهم في المقام بانتفاء المشروط الغير المقدور صريح في وقوع النزاع في شرائط الوجوب فكيف يعقل القول بخروجها عن محل البحث وقد يتراءى حينئذ تدافع في عنوان المسألة فإنه إذا كان المطلوب بالشرط في المقام هو شرط الوجوب وقد فرض انتفاؤه فلا محالة يكون التكليف منتفيا بانتفاء شرطه كما هو قضية الشرطية فكيف يعقل احتمال وقوع التكليف على ذلك الفرض حتى يعقل النزاع فيه ومن هنا توهم القائل المذكور فزعم أن مرادهم بالشرط هو شرط الوجود دون شرط الوجوب إذ مع انتفاء شرط الوجوب وعلم الآمر به لا يتعقل التكليف إذ لا يتصور التكليف في المقام بدون الوجوب فإن ذلك ظاهر ويمكن دفعه بأنه ليس الكلام في جواز الأمر والتكليف حين انتفاء شرطه بل المراد أنه هل يجوز التكليف بأداء الفعل في الوقت الذي ينتفي فيه شرط التكليف بحسب الواقع مع علم الآمر به بأن يكون حصول التكليف به قبل مجيء وقت الإيقاع الذي فرض انتفاء الشرط فيه فإن النزاع في المقام في تحقق التكليف قبل زمان انتفاء الشرط كما يظهر من تمثيلاتهم وعزي إلى طائفة من المحققين التصريح به ولو صح أنه لا يشك في كون انتفاء شرط التكليف مانعا من تعلق التكليف بالفعل حين انتفاء شرطه إنما الكلام في جواز تعلق التكليف به قبل الزمان الذي ينتفي الشرط فيه إذا كان الآمر عالما بانتفائه فيه دون المأمور سواء كان التكليف قبل مجيء زمان الفعل وقبل مجيء الزمان الذي يقارن بعض أجزاء الفعل مما ينتفي الشرط فيه بالنسبة إليه فعلى القول بالمنع يكون انتفاء شرط التكليف على الوجه المذكور مانعا من تعلق التكليف به مطلقا وعلى القول بالجواز لا يمنع ذلك من تعلق التكليف به قبل ذلك فيسقط عند انتفاء الشرط أو علم المأمور بالحال ولو قبله بناء على المنع من التكليف مع علم المأمور بالحال حسب ما ادعوا الاتفاق عليه كما أشار المصنف إليه والحاصل أنه لا منافاة بين انتفاء التكليف في الزمان المقارن لانتفاء الشرط وحصول التكليف قبله ثم سقوطه بانتفاء الشرط واللازم من انتفاء شرط الوجوب هو الأول ولا كلام فيه ومحل البحث في المقام هو الثاني أما ما قد يتخيل من أنه لا يتعقل تعلق التكليف بالفعل قبل مجيء زمانه غاية الأمر حصول التكليف التعليقي حينئذ بالفعل وليس ذلك بحسب الحقيقة تكليفا به فإنه إنما يكون المخاطب مكلفا بالفعل حين حصول ما علق التكليف عليه لا قبله مدفوع بأن الوقت المعتبر في الواجب على وجهين فإنه قد يكون شرطا للوجوب والحال فيه على ما ذكرنا فلا يمكن أن ينعقد الوجوب وقد يكون شرطا للوجود ولا مانع حينئذ من تعلق التكليف بالفعل قبله فيكون المكلف مخاطبا به مشغول الذمة بأدائه في وقته غير أنه لا يمكن أداؤه قبل الزمان المفروض لكونه شرطا في وجوده كما هو الحال بالنسبة إلى مكان الفعل لمن كان نائيا عنه حسب ما مر بيانه في مقدمة الواجب ويكشف الحال في ذلك ملاحظة حقوق الناس فإنه قد يعلق اشتغال الذمة بها على حصول شيء كما إذا ثبت الخيار في البيع مع قبض البائع للثمن فإن اشتغال ذمته بالثمن بمال مؤجل فإن ذمته مشتغلة بالفعل وإن تأخر وقت أدائه ويمكن أن يجاب أيضا عن أصل الإيراد بأن ما يتوقف على الشرط المفروض إنما هو التكليف الواقعي والمبحوث عنه في المقام هو التكليف الظاهري ومرجع البحث في ذلك إلى كون التكليف الظاهري تكليفا حقيقيا أو صوريا مجازيا فالقائل بجوازه في المقام يقول بالأول والمانع منه يقول بالثاني وعلى هذا يمكن تصوير البحث بالنسبة إلى الزمان الواحد أيضا إلا أن الوجه المذكور غير سديد كما يتضح الوجه إن شاء الله ويمكن أن يقال أيضا إن المراد بالشرط في المقام ما يتوقف عليه حين وجوب الفعل ووجوده في الواقع والمراد بانتفاء الشرط انتفاؤه بغير اختيار المكلف وقدرته ومحصله أن يتعلق الأمر بفعل لا يتمكن المكلف من إيقاعه لانتفاء أحد شرائطه لا عن سوء اختيار المكلف فالمقصود بالبحث أن تلك الشروط المفروضة كما أنه شرط لوجود الفعل ولوجوبه أيضا مع علم المأمور والآمر فهل هي شرط لوجوبه مع جهل المأمور أيضا إذا كان الآمر عالما بالحال وباستحالة وقوع الفعل من دونه فلا يمكن تعلق التكليف به أو أنه لا مانع من تعلق التكليف به قبل علم المكلف بالحال فتلك الشرائط شرائط في الحقيقة لوجوب الفعل على القول المذكور أيضا لكن لا مطلقا بل مع علم المأمور أيضا على القول بامتناع الآمر حينئذ كما هو الحال كما حكي الاتفاق عليه وإلا فليست شرائط للوجوب مطلقا فليس المأخوذ في المسألة شروط الوجوب مطلقا حتى يتوهم التدافع في العنوان بل المعتبر فيها شروط الوجود على الوجه الذي قررناه ويتفرع عليه كونها شروطا في الوجوب أيضا مع علم المأمور على حسب ما ذكر فالخلاف حينئذ في كونها شروطا للوجوب مع علم الآمر أيضا أولا حسب ما قررناه وحينئذ يمكن فرض انتفاء الشرط وتعلق الأمر في زمان واحد كما إذا كانت المرأة حائضا بحسب الواقع وكانت جاهلة بحيضها فعلى القول المذكور يصح توجيه الأمر ولم يكن ما يأتي به مطلوبا للشارع فهي غير قادرة واقعا بأداء الصوم المطلوب لكنها قادرة في اعتقادها ومكلفة حينئذ بالصوم واقعا وإن لم يتمكن من أدائها وتظهر الثمرة حينئذ في عصيانها لأمر الصوم لو أفطرت حينئذ متعمدة المخالفة إفطارها التكليف المفروض وصدق العصيان به وإن كانت مفطرة بحسب الواقع بخروج الحيض فإن المفروض أن خروجه لا يقتضي سقوط تكليفها بالصوم وبقاء التكليف كاف في صدق العصيان والمخالفة بتعمد ذلك لكن لا يثبت الكفارة لو تعلقت بمن أفطر متعمدا كما توهم حسبما يأتي الإشارة إليه وقد يجري ما قلناه بالنسبة إلى بعض الشروط الاختيارية إذا كانت شرطا للوجوب في الجملة على تفصيل ما يأتي الإشارة إليه هذا وتفصيل الكلام في المقام أن الأمر بالشيء مع انتفاء شرطه المذكور بحسب الواقع إما أن يكون مع