الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

287

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

علق عليه الشرط المذكور كما هو محط الكلام في المقام فالقائل المذكور مفصل بالنظر إلى ما يقول الأكثر بإطلاق الانتفاء بالانتفاء بالنسبة إليه وقائل بإطلاق الانتفاء بالنسبة إلى ما يعتقد تعلق الشرط به ويمكن تقرير الحجة بوجه آخر يفيد التفصيل في أصل الحكم المعلق عليه وذلك بأن يقال إن تعليق الحكم على الشرط إنما يفيد الحكم بوجوده على تقدير حصول ذلك الشرط من غير إشعار فيه بملاحظة نفسه بانتفاء ذلك الحكم عند انتفائه ولا منافاة له بل يجوز فيه الأمران ولذا جرت الاستعمالات المتداولة في كلام الفصحاء والبلغاء على الوجهين إلى غير ذلك مما يتمسك القائل بنفي المفهوم به لكن يلزم من ذلك أنه إن كان المعلّق عليه حكما إنشائيا انتفاء ذلك الإنشاء بانتفاء شرطه فإنه لما كان الحكم الإنشائي حاصلا بإيجاد المتكلم وإنشائه وكان إيجاد المتكلم تابعا للفظه الدال عليه ومع تقييد المتكلم الجملة الإنشائية بالشرط المفروض لا يكون الإنشاء الحاصل بذلك الكلام شاملا لغير تلك الصّورة وقضية ذلك انتفاء الإنشاء المذكور بانتفاء الشرط وهذا بخلاف الإخبار إذ ليست النسبة الحاصلة هناك تابعة لإيجاد المتكلم وإنما هي أمر واقعي حاصل في نفس الأمر مع قطع النظر عن إخبار المتكلم به فإذا فرض بيان المتكلم لحصول الحكم في بعض الفروض لم يكن فيه دلالة على انتفائه في غير تلك الصورة لكن قد عرفت وهن ذلك فإن القول بانتفاء ذلك الإنشاء المخصوص بانتفاء شرطه مما يقوله القائل بحجية المفهوم والقائل بنفيه ولذا يجري ذلك بالنسبة إلى الألقاب أيضا ولا يقول أحد من المحققين بحجيته فمرجع الكلام المذكور إلى القول بنفي حجية المفهوم رأسا وقد عرفت ما فيه وعرفت تصحيح دلالته على انتفاء مطلق النسبة الإنشائية بالنسبة إلى الإنشاءات أيضا وأما حجة المفصل بين الشرع وغيره فلم نقف عليها وكان الوجه فيه ما استند إليه النافي لحجية المفهوم مع ما دل من الأخبار على اعتبار المفهوم كما أشرنا إلى جملة منها واستناد العلماء خلفا عن سلف بعدة من المفاهيم حتى إنه حكى الشهيد الثاني في التمهيد عن بعض الفقهاء إجماع الأصوليين على حجية مفهوم قوله إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا وحكى بعض الأصحاب عن بعضهم حكاية الإجماع على اعتبار المفهوم في قوله عليه السلام إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء وفيه ما عرفت من وهن الوجوه المذكورة للنافين والروايات الواردة في ذلك واستدلال العلماء بالمفاهيم من الشواهد على المختار ولا إشعار فيها باختصاص ذلك بعرف الشريعة أصلا هذا ولنختم الكلام في المرام برسم أمور أحدها أن المدار في حصول المفهوم في المقام على دلالة الكلام على التعليق وربط إحدى الجملتين بالأخرى بأن يفيد إناطتها بها فلا فرق إذن بين الأدوات الدالة عليه كإن ولو الموضوعتين لخصوص التعليق وإفادة الاشتراط والأسماء المتضمنة لمعنى الشرط كمهما وكلما ومتى ومن ونحوها ولو كان ذلك في بعض الأحيان من جهة قيام شاهد عليه كما في الذي يأتيني فله درهم وإن اختلف الحال فيها وضوحا وخفاء فإن قلت إذا كان الموصول في المثال المفروض غير مفهم للشرطية في نفسه لزم أن يكون إرادة ذلك منه خروجا عن مقتضى وضعه فيلزم أن يكون مجازا وهو خلاف الظاهر وحينئذ فكيف يجمع بين الأمرين قلت ما ذكر من التجوز إنما يلزم إذا قلنا باستعمال الموصول حينئذ في خصوص الاشتراط بأن يكون المراد إفادته له بنفسه كما هو الشأن في المعاني المجازية وإن كانت إفادته بتوسط القرينة وليس كذلك بل الظاهر إرادة التعليق من الخارج كزيادة الفاء في الجزاء فإفادة الاشتراط هناك إنما تجيء من القرينة وذلك كاف في المقام وقد يقال بنحو ذلك في الأسماء المفيدة للاشتراط إلا أن هناك فرقا من جهة غلبة تلك الإرادة فيها وقلتها في غيرها وقد ذهب بعض أئمة العربية إلى القول بإضمار إن قبلها ويؤيد ما قلناه الفرق في إفادتها ذلك بين الوقوع في صدر الكلام وغيره كما في قولك من جاءك فأكرمه وأكرم من جاءك وكذا كلما جاءك زيد فأكرمه وأكرم زيدا كلما جاءك وكيف كان فالمدار في المقام على فهم التعليق والاشتراط لا على وضع اللفظ له غاية الأمر أن ما وضع اللفظ بإزائه يحمل عليه إلى أن يجيء قرينة على خلافه وما يستفاد منه التعليق لأمر آخر يتبع حصول ذلك الأمر ويختلف الحال حينئذ في تلك الإفادة ظهورا وخفاء من جهة اختلاف المقامات وظهور القرينة وخفائها كما هو معلوم من ملاحظة الاستعمالات ومن ذلك الوقوع في جواب الأمر كما في قولك أكرم زيدا أكرمك وقد مرّ استناد الإمام إلى المفهوم المستفاد من ذلك الآية الشريفة هذا وقد يوهم بعض تعبيراتهم في المقام اختصاص الحكم بالتعليق بكلمة إن بخصوصها حيث قرروا المسألة في خصوص التعليق بها كما في المحصول وفي التهذيب والزبدة وغيرها وليس كذلك بل إنما عبروا بذلك على سبيل التمثيل حيث إن كلمة إن هي الشائعة في التعليق كيف وما ذكروه من الدليل يعم الجميع وقد نص جماعة من علماء الأصول أيضا على التعميم وفهم العرف حاصل في الجميع وهو ظاهر ثانيها أن دلالة المفهوم في المقام هل هي من قبيل التضمن أو الالتزام أو أنها دلالة عقلية غير مندرجة في الدلالة اللفظية أقوال أوسطها أوسطها والمختار عند بعض أفاضل المحققين هو الأول والمعزى إلى أكثر أصحابنا المتأخرين هو الثالث لنا أن مفاد الاشتراط تعليق الحكم بالشرط وإناطته به بحيث يفيد توقفه عليه كما مر بيانه ومن البين أن توقف الشيء لا يعقل إلا مع انتفائه فمدلول المنطوق هو الحكم بالوجود عند الوجود على سبيل توقف الثاني على الأول والانتفاء بالانتفاء من اللوازم البينة للتوقف وليس جزء من مفهومه كما لا يخفى والحاصل أن مفاد التعليق هو الشرط كمفاد قولك هذا شرط في هذا أو متوقف على كذا فكما أن كلا من اللفظين دال بالدلالة الالتزامية على انتفاء المشروط بانتفاء الشرط وانتفاء ما يتوقف بانتفاء ما يتوقف عليه فكذا في المقام وإن اختلفا في ظهور الدلالة فالدلالة هناك من قبيل المنطوق كما مرت الإشارة إليه وهنا من قبيل المفهوم فإن قلت إنه ليس مفاد قولك هذا متوقف على هذا إلا إناطة وجوده بوجود الآخر وعدمه بعدمه فيكون الانتفاء عند الانتفاء مدلولا تضمنيا لذلك وكذا قولك هذا شرط في كذا لأخذ الانتفاء عند الانتفاء في معنى الشرط فكيف يعد ذلك من دلالة الالتزام ويستند إليه في محل البحث قلت الظاهر أن الدلالة على الانتفاء بالانتفاء في المقامين التزامية فإن توقف الشيء على الشيء هو اقتصاره إليه بحيث لا يتحقق إلا بتحققه فالانتفاء بالانتفاء من لوازم المعنى وقيوده بحيث يكون التقييد داخلا والقيد خارجا كما لا يخفى عند التأمل الصادق وكذا الحال في لفظ الشرط إذ هو ارتباط خاص يلزمه الانتفاء عند الانتفاء فالمأخوذ