الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

288

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

فيه هو التقييد المذكور وأما نفس القيد فهي خارجة عن معناه وتعريفه بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود تعريف باللازم كما هو ظاهر لفظ اللزوم المأخوذ في حده فإذا كانت الدلالة في صريح لفظ الشرط والتوقف التزامية فكيف تكون دلالة الجملة الشرطية الظاهرة في التوقف والشرطية تضمنية فالتحقيق أنه ليس مفاد التعليق على الشرط إلا الحكم بوجود الجملة الجزائية عند وجود مصداق الجملة الشرطية على سبيل توقفه عليه وإناطته به والانتفاء عند الانتفاء من لوازم تلك الإناطة والارتباط المدلول عليها بالمنطوق حجة القول بكون الدلالة تضمنية وجوه أحدها أن الحكم بالانتفاء عند الانتفاء مندرج في الموضوع له داخل فيه كما هو مقتضى التبادر وفهم العرف إذ المفروض فهمهم من التعليق المفروض الوجود عند الوجود والانتفاء عند الانتفاء فكل من الأمرين جزء من المعنى الموضوع له فلا يكون التزاما إذ هو دلالة اللفظ على الخارج اللازم وهذا ليس بخارج ثانيها أن الدلالة الالتزامية لا يستدعي كون المدلول بها مرادا للمتكلم إذ المعتبر فيها هو اللزوم الذهني ليحصل الانتقال من أحدهما إلى الآخر وقد تكون بين الملزوم ولازمه الذهني معاندة في الخارج كالعمى والبصر فمقتضى الدلالة الالتزامية هو الفهم والانتقال إلى المعنى وإحضاره في البال وهو غير كونه مرادا من اللفظ مقصودا بالإفادة فبعد البناء على ثبوت الدلالة على الانتفاء في المقام هو مراد قطعا للكلام لا خير فيها فلا تكون الدلالة عليه التزامية ثالثها أن اللزوم الذهني منفي في المقام فلو لم نقل بكون الدلالة في المقام تضمنية لزم إنكار الدلالة اللفظيّة في المقام بالمرة وهو فاسد إذ من المعلوم أن هناك مدلولين أحدهما منطوق العبارة وهو الحكم بالوجود عند الوجود والآخر مفهومها وهو الحكم بالعدم عند العدم ومن الواضح أن الحكم بالوجود عند الوجود لا يستلزم الحكم بالعدم عند العدم بوجه من الوجوه فتبين من ذلك أن القول بالدلالة اللفظية في المقام يستلزم القول بكونها تضمنية ويرد على الأول ما عرفت من أن المفهوم عرفا من التعليق المذكور ليس إلا الحكم بالوجود عند الوجود على سبيل توقف الثاني على الأول وإناطته به واللازم من ذلك هو الحكم بالانتفاء عند الانتفاء حسب ما قررنا فليست دلالته على الانتفاء بالانتفاء على نحو الدلالة على الحكم بالوجود عند الوجود ليكون كل منهما تضمنية يشهد بذلك التأمل في مفاد الجملة المفروضة وملاحظة تقدم فهم الأول على الثاني والانتقال منه إليه ومجرد فهم الأمرين منها لا يقضي بكون الدلالة تضمنية بعد كون طريق الفهم منها على ما ذكرنا حسب ما مر بيانه ومنه يظهر الجواب عن الثالث إذ ليس مفاد المنطوق مجرد الحكم بالوجود عند الوجود على إطلاقه بل مقيد بالنحو المذكور واستلزام ذلك للانتفاء عند الانتفاء واضح لا يخفى وعلى الثاني أن مجرد كون الدلالة التزامية وإن لم يقض بكون اللازم مرادا لكن لا يلزم من ذلك عدم دلالته عليه مطلقا بل الحق في ذلك التفصيل وذلك لأن اللازم إن كان من اللوازم الذهنية للشيء ولو بحسب العرف من غير أن تكون هناك ملازمة بينها في الخارج كما في العمى والبصر فمن الظاهر أن إرادة الأول لا يقضي بإرادة الثاني وإنما يتبعه الثاني في الفهم خاصة ولذا كان اللازم المذكور مما لا ينفك منه الشيء في الخارج كما إذا كان مما لا يتحصّل ذلك المعنى في الخارج بدونه فلا شك حينئذ في كونه مرادا ظاهرا نظرا إلى عدم حصول المراد إلا به غاية الأمر أن لا يكون مرادا من نفس اللفظ ابتداء إذ المفروض خروجه عن المعنى المراد ولا يستلزم ذلك أن لا يكون مرادا أصلا ويتضح ذلك بملاحظة سائر المقامات ألا ترى أن قولك هذا فوق هذا يدل على تحتية الآخر وقولك ذلك تحت هذا يدل على فوقية ذلك وقولك هذا متوقف على كذا يدل على انتفائه بانتفائه وكذا قولك هذا شرط في هذا إلى غير ذلك من الأمثلة فاللوازم المذكورة وإن كانت خارجة عن مدلول اللفظ إلا أنها مرادة التزاما نظرا إلى عدم تحقق المعاني الحقيقية إلا بها نعم لو لم يكن هناك لزوم ذهني ولو عرفا بين المعنيين لم يعد ذلك من الدلالة اللفظية بمعناها المعروف وإن كان اللازم حاصلا قطعا والدلالة عليه حاصلة أيضا بملاحظة مدلول اللفظ بعد تصور الطرفين والنسبة إذ مع ضم الواسطة الخارجية إليه أيضا كما هو الحال في وجوب المقدمة بالنسبة إلى ما دل على وجوب ذيها والحاصل أن المدلول الالتزامي إن كان لازما خارجيّا للمعنى المطابقي كان مرادا في الجملة على وجه اللزوم والتبعية فإن كان مع ذلك لازما ذهنيا كان مدلولا لفظيا وإلا خرجت الدلالة عليه من الدلالات اللفظية وعلى كل حال فليس إرادة ذلك اللازم في المقام باستعمال اللفظ إذ ذاك إنما يكون بإرادته من اللفظ ابتداء على ما مر تفصيل القول فيه في محله وليس ذلك من شأن المداليل الالتزامية عندنا ولو أريد من اللفظ كذلك ليكون اللفظ مستعملا فيه فهو إذن مندرج في المطابقة من تلك الجهة لكونه مجازا فيه وقد عرفت سابقا أن الأظهر إدراج المجاز في المطابقة حجة القول الثالث أنه لو كانت الدلالة لفظية لكانت بإحدى الثلاث وكلها منتفية نظرا إلى أن مفاد التعليق المفروض ومدلوله لغة وعرفا ليس إلا ارتباط الوجود بالوجود والحكم بوجود أحدهما على وجود الآخر ومن البين أن الانتفاء عند الانتفاء ليس عين ذلك ولا جزأه ولا لازمه فلا يندرج في شيء من الثلاث وأيضا قد نصوا على أن التعليق على الشرط إنما يقتضي الانتفاء عند الانتفاء على القول به إن لم يظهر للشرط فائدة سواه وأما مع تحقق فائدة أخرى سوى ذلك فلا دلالة فيه على الانتفاء وهذا لا يتم مع كون الدلالة عليه لفظية إذ مجرد وجود فائدة أخرى للتعليق لا يقضي بالخروج عن مدلول اللفظ وصرفه عما وضع بإزائه إذ لا بد حينئذ من البناء عليه حتى يثبت المخرج والقول باشتراط وضعه لذلك المفهوم لعدم ظهور فائدة أخرى حتى أنه لا يكون مع ظهور فائدة أخرى موضوعا لذلك فلا ينصرف الإطلاق عليه مستنكر جدا وكأنه عديم النظير في الأوضاع اللفظية وذلك كاف في دفعه وأما الوجه في الدلالة العقلية فهو على ما قرره بعض الأفاضل أن اللفظ لما كان وافيا بالمطلوب ولم يكن يتعلق بذكر القيد غرض في الظاهر سوى انتفاء الحكم بانتفائه يحصل الظن بأنه لانتفاء الحكم عن غير محل القيد فلو لا ملاحظة ذلك لكان اعتبار القيد عبثا لغوا لا حاجة إلى ذكره وإن لم يكن حاجة إلى تركه أيضا فإن الواجب عند الحكيم ترك ما لا حاجة إلى ذكره وتركه لأن العبث فعل ما لا فائدة في فعله لا ترك ما لا فائدة في تركه فحاصل الاستدلال