الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

283

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

قال إبراهيم عليه السلام فاسئلوهم إن كانوا ينطقون فكبيرهم فعل وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا فما نطقوا وما كذب إبراهيم عليه السلام وأورد عليه أنه لا دلالة فيه على وجوب اعتبار المفهوم بل على جواز إرادته ولا كلام فيه وكان المقصود بذلك أن مراد الإمام عليه السلام بيان عدم كذبه في الحكم المذكور بأن حكمه عليه السلام بكون ذلك من فعل كبيرهم معلق على نطقهم فليس الإخبار به مطلقا حتى يلزم الكذب ولا دلالة إذن في ذلك على حكمه عليه السلام بعدم فعله مع عدم نطقهم بل ذلك مما يجوز أن يكون مرادا له وأن لا يكون قلت من الظاهر أن دفع الكذب عنه عليه السلام حاصل بالوجه المذكور من غير دلالة فيه على ثبوت المفهوم أصلا فلا وجه للاستناد إلى تلك الرواية من الجهة المذكورة لكن فيها اعتبار ما يزيد على ذلك حيث إنه عليه السلام استفاد من ذلك أنهم إن لم ينطقوا فلم يفعل شيئا وحينئذ ففي استفادته ذلك من التعليق المذكور دلالة على المطلوب وهو محل الشاهد وبه يندفع الإيراد المذكور ومنها ما رواه في تفسير قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه فيما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن عبيد بن زرارة أنه سأل عن الصادق عليه السلام عن تلك الآية فقال ما أبينها من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه وذكر النهي في المفهوم إما من جهة دلالته على رفع الوجوب لوروده في مقام توهم الوجوب كالأمر الوارد في مقام توهم الحظر حيث يدل على رفعه أو من جهة كونه عبادة متوقفة على التوظيف فبعد انتفاء الأمر تكون محرمة والأول أظهر فالمناقشة في دلالتها من جهة أن ما يدل عليه غير ما يقولون به ساقطة ومنها ما ورد في قوله ادعوني أستجب لكم فيما رواه القمي في الصحيح عن الصادق عليه السلام أنه قال له رجل جعلت فداك إن الله يقول ادعوني أستجب لكم وإنا ندعو فلا يستجاب لنا فقال إنكم لا تقولون اللّه بعهده فإنه تعالى قال أوفوا بعهدي أوف بعهدكم فمعناه أن قضية التعليق الظاهر من الآية انتفاء وفائه تعالى بانتفاء وفائكم فحيث لا تفون الله بعهده لا يفي لكم بعهدكم ومنها ما ورد في قوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه حيث قال لو سكت لم تبق أحد إلا تعجل ولكنه قال ومن تأخر فلا إثم عليه فإن ظاهره أن ذلك من أجل إثبات الإثم بالتأخير من جهة المفهوم لولا أنه تعالى صريح بخلافه إلى غير ذلك مما ورد مما يقف عليه المتتبع وقد يستدل في المقام بعدة من الأخبار ولا دلالة فيها على ذلك منها ما رواه العياشي عن الحسن بن زياد قال سألته عن رجل طلق امرأته فتزوجت بالمتعة أتحل لزوجها الأول قال لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله والمتعة ليس فيها طلاق وجه الاستدلال أنه عليه السلام استند إلى عدم تحليل المتعة من جهة انتفاء الطلاق فيها أخذا بمفهوم الشرط في قوله فإن طلقها الآية حيث علق نفي البأس عن الرجوع بالطلاق فحيث لا طلاق فلا تحليل وفيه أنه لا يتعين الوجه في ذلك أن يكون من جهة الاستناد إلى المفهوم بل يحتمل أن يكون الاستناد فيها إلى منطوق قوله تعالى فلا يحل له حتى تنكح زوجا غيره بملاحظة قوله فإن طلقها لا من جهة مفهومه بل لدلالته على أن النكاح المعتبر في التحليل هو ما يقع فيه الطلاق والمتعة لا يتعلق بها طلاق ومنها ما ورد من أن يعلى بن أمية سأل عمر بن الخطاب فقال ما بالنا نقصر وقد أمنّا وقد قال تعالى وليس عليكم جناح أن تقصروا من الصّلاة إن خفتم فقال له عمر قد عجبت إنما عجبت منه فسألت رسول الله صلى اللَّه عليه وآله صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوها فقد فهما من ذلك انتفاء القصر مع انتفاء الخوف وهما من أهل اللسان ولما ذكر عمر ذلك للنبي صلى اللَّه عليه وآله أقره على ذلك وأجاب بأنه صدقة وفيه أنه يمكن أن يكون تعجبها من جهة تسرية القصر إلى صورة الأمن مع اختصاص حكم القصر بمقتضى منطوق الآية الشريفة بصورة الحكم فيكون الحكم في غيرها على مقتضى الأصل من الإتمام كما هو ظاهر من الخارج ويشهد له لفظ التقصير الدال على الحذف وقد يجاب عنه بمنع كون الأصل في الصلاة الإتمام إذ ليس في الكتاب ما يدل عليه وقد روت عائشة خلافه فإنها قالت إن صلاة السفر والحضر كانت ركعتين فقصرت صلاة السفر وزيدت صلاة الحضر مضافا إلى أنه لو كان التعجب من جهة انتفاء التمام مع قضاء الأصل به وكان المناسب أن يقال فما بالنا لأنتم فظهر بذلك أنهما تعجبا من حصول القصر مع انتفاء الشرط وفيه أن ظاهر الآية الشريفة يعطي كون الأصل هو التمام وكون الأصل الأولى فيها هو الركعتين حسب ما روته عائشة إن ثبت لا يدل على عدم انقلاب الأصل كما يومي إليه ظاهر الآية وغيرها ومن الجائز أن يكون التعجب من ثبوت حكم القصر مع اختصاص الآية بصورة الخوف فقال ما بالنا نقصر وقد أمنّا وليس في ذلك خروج عن ظاهر السياق أصلا كما لا يخفى ومنها ما ورد من أنه لما نزل قوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم قال عليه السلام لأزيدنكم على السبعين فدل ذلك على أنه صلى اللَّه عليه وآله فهم من تعليق عدم المغفرة على الشرط المذكور أن حكم الزيادة غير حكم السبعين وهو موهون جدا لعدم صحة الخبر فإنه صلى اللَّه عليه وآله ما كان يستغفر للكفار بعد ورود النهي عنه وليس الملحوظ في ذكر السبعين خصوص ذلك العدد بل إنما يذكر عرفا لأجل الدلالة على الكثرة وإنما أريد به في المقام بيان عدم حصول الغفران لهم على أكد الوجوه ولو صح ورود ذلك عنه عليه السلام فالمراد به إظهار الشفقة والرأفة استمالة للقلوب ومع الغض عن جميع ذلك فليس في الخبر دلالة على استفادته من ذلك حصول الغفران لهم بالزيادة إذ قد يكون ذلك من جهة احتمال حصول الغفران لهم بالزائد بخروجه عن مدلول تلك الآية هذا وقد احتجوا على ثبوت المفهوم المذكور بوجوه أخر مزيفة منها ما تمسك به العلامة في النهاية من أن وجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط قطعا فلو لم يستلزم عدمه عدمه لكان كل شيء شرطا لغيره والتالي واضح الفساد فالمقدم مثله والملازمة ظاهرة وهو كما ترى لابتنائه على الخلط بين إطلاقي الشرط فإن الشرط الذي لا يستلزم وجوده الوجود هو الشرط بالمعنى المصطلح والشرط المقصود في الجملة يستلزم وجوده الوجود قطعا إذ هو قضية منطوق الكلام ومنها أن المذكور بعد إن وأخواتها شرط بالنسبة إلى ما يتفرع عليه من الجزاء وكل شرط يلزم من انتفائه انتفاء المشروط به أما الصغرى فلإطباق علماء العربية على أن إن ونحوها من حروف الشرط فيكون مفادها مفاد الشرط وأما الثاني فلأن ذلك هو المراد بالشرط ألا ترى أنهم يعدون الوضوء شرطا للصلاة ومعلومية العوضين شرطا لصحة البيع وتسليم الثمن في المجلس شرطا لصحة السلم وتقابض العوضين في المجلس شرطا لصحة الصرف إلى غير ذلك يعنون بذلك توقف ما يشترط