الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
284
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بها من صحة الصلاة والبيع والسلم والصرف بذلك وفيه أيضا ما عرفت بكونه خلطا بين إطلاقي الشرط فإن المراد بالشرط في المقامات المذكورة ونحوها هو الشرط بمعناه المصطلح دون ما هو المقصود في المقام وكون الشرط بالمعنى المتنازع فيه مما يتوقف عليه وجود المشروط ولا يحصل من دونه أول الكلام ومنها أنهم جعلوا التقييد بالشرط من مخصصات العام كالاستثناء فكما أن حكم المستثنى على خلاف حكم المستثنى منه فكذا الشرط ويدفعه أنه ليس المناط في حصول التخصيص إثبات الحكم المخالف للعام بالنسبة إلى المخرج كيف ولو كان كذلك لما كان يعقل الخلاف في كون الاستثناء من النفي إثباتا أولا مع أن الخلاف فيه معروف في كتب الأصول فنقول إن المناط في التخصيص إخراج الخاص عن العام إما بأن يراد به الباقي كما هو ظاهر الجمهور أو بأن يتعلق الحكم بالباقي لكون التخصيص قرينة على خروج القدر المخرج عن متعلق الحكم مع استعمال اللفظ في الكل كما هو الوجه الآخر حسب ما فصل الكلام فيه في محله وعلى كل من الوجهين فقضية التخصيص عدم شمول الحكم المتعلق بالعام لجميع جزئياته المندرجة فيه لا بحسب الواقع ليلزم منه إثبات خلافه للمخرج عنه بل بحسب ما يراد إفادته فقضية ذلك عدم إفادة الكلام ثبوت حكم العام للمخرج عنه وأين ذلك من إثبات خلافه له نعم قضية خصوص الاستثناء ذلك نظرا إلى قضاء التبادر به وهو بالنسبة إلى الاستثناء من الإثبات محل وفاق وبالنظر إلى الاستثناء من النفي محل خلاف معروف فحمل سائر المخصصات على الاستثناء قياس محض لا شاهد عليه قوله بأن تأثير الشرط إلى آخره كأنه أراد بذلك أن ما يسلم فهمه من القضية الشرطية هو تعليق وجود الشيء على وجود غيره وارتباطه به ومجرد ذلك لا يقضي انتفاءه بانتفائه إذ كما يكون وجوده مرتبطا بالشرط المذكور يمكن أن يكون مرتبطا بغيره أيضا من غير أن يكون هناك منافاة بين الارتباطين بحسب العرف والعقل فكما يكون حاصلا عند حصول ذلك الشرط يكون حاصلا عند حصول غيره أيضا فلا دلالة فيه على انتفاء المشروط بانتفائه قوله ألا ترى أن إلى آخره قد يورد عليه بأن ذلك ليس عن محل الكلام في شيء إذ ليس هناك تعليق للحكم بأحد أدوات الشرط فلا ربط لما استشهد به بما هو المقصود ويدفعه أنه ليس مقصود السيد من ذلك إلا التنظير وبيان إمكان إناطة وجود الشيء وارتباطه بكل من أمرين أو أمور ووقوعه في الشرع من غير حصول منافاة فغرضه من ذلك دفع ما يتوهم من المانع العقلي بأنه مع ارتباط الشيء بالشيء وإناطته به لا يصح القول بوجوده مع انتفاء الآخر وذلك حاصل بما ذكره من المثال وإن لم يكن فيه تعليق على الشرط لاتحاد المناط في المقامين على أنه يمكن تقرير ذلك بالنسبة إلى الشرط أيضا فإن المعنى المستفاد من الآية الشريفة يمكن التعبير عنه في كل من المقدمات المذكورة بحسب العرف واللغة بلفظ الشرط أيضا وبأدائه مع أن غيره ينوب منابه وقد أورد على السيد بوجوه أحدها أن ما ذكره السيد قدس سره إنما ينافي عموم المفهوم فيكون دفعا لقول من يذهب إلى عموم المفهوم إذ هو قائل بحصول الانتفاء بالانتفاء في الجملة فيما إذا لم يكن هناك شيء من الشرط وما لا يقوم مقامه وفيه أنه أولا ليس في كلام السيد ما يفيد انتفاء الحكم في بعض الصّور الموجودة إذ قد يكون الشرط المفروض وما يقوم مقامه جامعا لجميع الفروض الحاصلة نعم لو فرض انتفاء الأمرين كان الحكم منتفيا إلا أنه ليس في كلام السيد ما يفيد تحقق ذلك الفرض حتى يقال بذهاب السيد إلى تحقق الانتفاء بالانتفاء في الجملة كما يقول القائل بحجية المفهوم وعدم عمومه وثانيا أن مرجع كلام القائل بنفي عموم المفهوم إلى نفي المفهوم فإنه يحتمل قيام غيره مقامه في كل من الفروض الحاصلة غاية الأمر أن يقول بانتفاء الحكم في بعض الأقسام على سبيل الإجمال وهو لعدم تعينه لا ينفع في شيء من الخصوصيات نعم يثمر ذلك في مقابلة من يدعي ثبوت الحكم في جميع الأقسام ثانيها أن المدعى ظهور تعليق الحكم على الشرط انتفاؤه بانتفائه وهو لا ينافي عدم انتفائه لقيام الدليل على قيام غيره مقامه فليس في قيام بعض الشروط مقام بعض دلالة على انتفاء الظهور المذكور إلا أن يدعى عليه ذلك بحيث لا يبقى معه ظن بظاهر ما يقتضيه اللفظ لكن بلوغه إلى تلك الدرجة محل منع فينبغي الأخذ بظاهر ما يقتضيه اللفظ إلا أن يقوم دليل على قيام غيره مقامه كما يقول القائل بحجية المفهوم وفيه أن مقصود السيّد منع الظهور المدعى فإن أقصى ما يفيده اللفظ حصول الإناطة في الجملة وهو لا ينافي الإناطة بالغير أيضا ولا عدمه إذ ليس في الكلام ما يفيد انحصار المناط فيه فإذا جاز الأمران من غير ظهور لأحدهما لم يبق هناك دلالة على الانتفاء بالانتفاء في خصوص شيء من الصّور نظرا إلى احتمال حصول ما يقوم مقام الشرط المفروض في خصوص كل مقام فليس السيد قائلا بحصول المقتضي للانتفاء محتملا لوجود ما يمنع منه حتى يدفع ذلك بالأصل بل يمنع من حصول المقتضي أيضا فإن مجرد إناطة وجود الشيء بالشيء في الجملة لا يقضي بإناطة عدمه بعدمه إذ قد يكون عدمه منوطا بعدم أمور شيء وأنت خبير بوهن المنع المذكور فالتحقيق في الجواب أن يقال إن الظاهر من تعليق الشيء على الشيء إناطة وجوده بوجوده وتعلقه وارتباطه به كما يشهد به ملاحظة العرف وهو مفاد توقفه عليه وقضية التوقف هو الانتفاء بالانتفاء إلا أن يقوم دليل مخرج عن ذلك الظاهر يفيد توقفه على ما يعم ذلك وغيره ثالثها ما أشار إليه المصنف في الجواب عن الحجة وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله قوله لو كان انتفاء الشرط إلى آخره لا يخفى أنه لا إشعار في الآية الشريفة بعدم دلالة الشرط على انتفاء المشروط بانتفائه أقصى الأمر عدم إرادة ذلك منها كما هو الحال في الآيات كثيرة ورد فيها التعليق على الشرط من غير إرادة انتفاء الحكم المعلق بانتفائه وكان الوجه في الاحتجاج بها أنه لو كان مفاد الشرط هو الانتفاء بالانتفاء لم يحسن التعليق في الآية الشريفة مع عموم المنع إذ لا أقل من إيهامه خلاف ما هو الواقع من غير باعث عليه فلما علق المنع عليه مع ما هو معلوم من الخارج من عموم الحكم تبين عدم إفادة التعليق مع انتفاء ما علق عليه قوله لم يكن ذلك الشرط وحده شرطا قد يورد عليه بأن فيه خلطا بين ما أريد بالشرط في محل النزاع أو الشرط بمعناه المصطلح فإن كون الشرط في المثال المذكور هو مفهوم أحدهما إنما يوافق المعنى الثاني دون الأول إذ لا يعقل أن يقال بكون الجملة التالية لأداة الشرط هو مفهوم أحدهما فمقصود