الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

279

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الأول في المنطوق الصريح والثاني في غير الصريح ولذا عد من دلالة الاقتضاء وهو غير متجه لما ستعرف من أن دلالة القرينة في المقامين التزامية معدودة من الاقتضاء وهي إنما يحصل من اللفظ بتوسط العقل أو العادة فيهما فإن استناد يرمي إلى الأسد يفيد إرادة الرجل الشجاع منه بضميمة العقل أو العادة كما أن إسناد السؤال إلى القرية يفيد إرادة الأهل منه كذلك وأن استعمال الأسد والقرية في المعنيين المذكورين على سبيل التوسع والمجاز فيهما من غير فرق أيضا فإن الحق الدلالة الحاصلة فيه من جهة انضمام القرينة بالمنطوق الصريح نظرا إلى استعمال اللفظ فيه فليكن كذلك في المقامين وإلا فلا فيهما والأظهر عد المجاز من المنطوق الصريح إذ لا بعد في اندراجه في المطابقة نظرا إلى ما ذكر من استعمال اللفظ فيه وحصول الوضع الترخيصي بالنسبة إليه غير أن الوضع الحاصل فيه لا يفيد دلالته على معناه المجازي وإنما ثمرته جواز استعمال اللفظ فيه ليخرج به عن حد الغلط وإنما تحصل دلالته عليه بواسطة القرينة فتكون القرينة مفيدة لدلالته على المعنى المجازي كما أن الوضع مفيد لدلالة اللفظ على المعنى الحقيقي ولما كان الملحوظ في أنظار أهل البيان حال الدلالة واختلافهما في الوضوح والخفاء عدوا دلالة المجاز من الالتزام إذ ليست دلالته بسبب الوضع والمناسب لأنظار أهل الأصول اندراجه في المطابقة لبعد إدراجه عندهم في المنطوق الغير الصريح مع استعمال اللفظ فيه وصراحته في الدلالة عليه بل يكون أصرح من دلالة الحقيقة فلا بعد إذن في إدراجه في المطابقة نظرا إلى حصول الوضع الترخيصي فيه لصدق كون اللفظ دالا بعد تعلق الوضع المذكور به على تمام ما وضع له فيعم الوضع المأخوذ في حد المطابقة لما يشمل ذلك ويندرج المجاز في المنطوق الصريح هذا بالنسبة إلى المجاز نفسه وأما القرينة الدالة على كون المراد باللفظ هو معناه المجازي ففي الأغلب إنما تكون بطريق الالتزام كما أشرنا إليه ويندرج في دلالة الاقتضاء وسيجيء الكلام في ذلك إن شاء الله ثم إن جماعة قسموا الدلالة في المنطوق الغير الصريح إلى دلالة الاقتضاء ودلالة التنبيه والإيماء ودلالة الإشارة وذلك لأنه إما أن يكون الدلالة مقصودة للمتكلم بحسب متفاهم العرف أو لا وعلى الأول فإما أن يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا وهو دلالة الاقتضاء كما في قوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطاء فإن صدق الكلام يتوقف على تقدير المؤاخذة ونحوها وقوله تعالى واسئل القرية فإن صحة ذلك عقلا يتوقف على تقدير الأهل وقولك أعتق عبدك عني على ألف أي مملكا على ألف لتوقف صحة العتق عليه شرعا أو لا يتوقف على ذلك بل يكون مقترنا بشيء لو لم يكن ذلك الشيء علة له لبعد الاقتران كما في قوله عليه السلام كفر بعد قول الأعرابي واقعت أهلي في شهر رمضان فإنه يفيد أن الوقاع في نهار شهر رمضان موجب للكفارة وهذا هو دلالة التنبيه والإيماء والثاني وهو ما لا تكون مقصودة في ظاهر الحال دلالة الإشارة كدلالة الآيتين في أقل الحمل فلو كانت مقصودة بحسب المتفاهم كما لو فرض ورودهما في مقام بيان أقل الحمل لم تكن من دلالة الإشارة وأنت خبير بأن ما ذكروه غير حاصر لوجوه دلالة الالتزام بما لا يندرج في المفهوم والأولى في التقسيم أن يقال إن الدلالة الالتزامية مما لا يعد من المفهوم إما أن تكون مقصودة للمتكلم بحسب العرف ولو بملاحظة خصوص المقام أو لا وعلى الأول فإما أن يتوقف صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا أو لغة عليه أو لا فالأول هو دلالة الاقتضاء كما في الأمثلة المتقدمة وقوله نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض فإن صحته لغة يتوقف على تقدير راضون وقولك رأيت أسدا في الحمام فإنه يتوقف صدق كون الأسد في الحمام بحسب العادة على إرادة الرجل الشجاع منه ويمكن أن يجعل تعلق السؤال بالقرية قرينة على استعمالها في أهلها من غير أن يكون هناك إضمار فلا فرق في ذلك بين إضمار اللفظ وحمله على خلاف ما وضع له والظاهر أن معظم القرائن العقلية واللفظية القائمة على إرادة المعاني المجازية من قبيل دلالة الاقتضاء كما في قوله تعالى يد الله فوق أيديهم وقولك رأيت أسدا يرمي وجرى النهر وغيرها وإن كان دلالة نفس المجاز على معناه المجازي من قبيل المطابقة بحسب ما عرفت ويجري نحو ذلك في حمل المشترك على أحد معانيه والحاصل أن المناط في كون الدلالة اقتضاء هو ما ذكرناه من غير فرق بين كون مدلوله لفظا مضمرا أو معنى مرادا حقيقيا كان أو مجازيا والثاني دلالة التنبيه والإيماء وذلك إنما يكون بدلالة الكلام ولو بانضمام ما يقترن به من القرينة اللفظية أو الحالية ما يقطع معه بإرادة ذلك اللازم أو يستبعد خلافه من غير أن يتوقف صدق أصل الكلام ولا صحته على ذلك فمن ذلك ما إذا أريد من بيان الملزوم إفادة وجود لازمه كما إذا قيل طلع الشمس عند بيان وجود النهار ومن ذلك ما إذا كان مقصوده من الحكم بيان لازمه كما إذا قيل مات زيد وأريد بيان علمه بموته ومن ذلك ما إذا اقترن الكلام بشيء يفيد كونه علة للحكم كما مر من المثال وكقوله بعد السؤال من جواز بيع الرطب بالتمر أينقص إذا جف قال نعم قال لا يجوز لدلالته على أن العلة في المنع هو النقصان بالجفاف ومنه ما إذا قيل جاء زيد فقلت ظهر الفساد في البلد لدلالته على أن مجيء زيد سبب للفساد ومنه ما إذا علق الحكم على الوصف لدلالته ولو بضميمة المقام على كون الوصف سببا لترتب الحكم ويجري ذلك في استفادة غير السبب من سائر الأحكام كالجزئية والشرطية والمانعية كما يظهر ذلك بملاحظة الأمثلة إلى غير ذلك من الأمور التي يراد إفادته من الكلام ولو بضميمة المقام كإفادة العداوة بين الشخصين أو المودة بينهما كما إذا قيل إن مات زيد فرح عمرو أو حزن بكر أو قيل عند حضور موت زيد اليوم يفرح عمرو أو يحزن خالد وقد يفيد الاقتران غير الحكم من تعيين بعض المتعلقات كما إذا قلت رأيت زيدا وأكرمت فإن ظاهر المقارنة يفيد كون المكرم زيدا من غير أن يتوقف صدق الكلام أو صحته عليه والظاهر إدراج الكناية في القسم المذكور إن كان المعنى الحقيقي مقصودا بالإفادة أيضا لإدراجها إذن في الحقيقة الأصولية لاستعمال اللفظ حينئذ في معناه الموضوع له وإن أريد بعد ذلك الانتقال منه إلى لوازمه كسائر اللوازم المقصودة بالإفادة حسب ما أشرنا إليه فإن إرادتها لا تنافي استعمال اللفظ في معناه الحقيقي أصلا وأما إن كان المقصود بالإفادة هو المعنى الالتزامي من غير أن يكون المعنى الحقيقي مرادا وإنما يراد من أجل الإيصال إلى لازمه لا غير فالظاهر إدراجها حينئذ في المجاز الأصولي وحكمها حينئذ حكم سائر المجازات والثالث دلالة الإشارة ويندرج فيها سائر اللوازم المستفادة من الكلام مما لا يكون إفهامه مقصودا من العبارة بمقتضى المقام سواء استنبطت من كلام واحد أو أكثر كما في الآيتين