الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
280
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
المذكورتين وكذا الحال في الآيتين الدالة إحداهما على ثبوت العصيان بمخالفة الأمر والأخرى على استحقاق النار بعصيانه تعالى وعصيان الرسول فيستفاد منهما كون أوامر الشرع للوجوب ومن ذلك دلالة وجوب الشيء على وجوب مقدمته ومنه أيضا دلالة الحكم على لازمه إن لم يقترن به ما يفيد كون ذلك مقصودا للمتكلم وإلا كان من دلالة التنبيه حسبما أشرنا إليه فإن قلت إذا كانت الدلالة على حصول اللازم مقصودا بالإفادة من الكلام في دلالة الاقتضاء والتنبيه والإيماء لزم أن يكون اللفظ مستعملا فيه إذ ليس المراد بالاستعمال إلا إطلاق اللفظ وإرادة المعنى فيلزم حينئذ أن يكون ذلك من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه مع أنه ليس الحال كذلك قطعا ومع الغض عن ذلك فاللازم إدراج ذلك في الكناية حيث إنه يراد من اللفظ لازمه مع إمكان إرادة الملزوم مع عدم اندراجها في الكناية قلت أما الجواب عن الأول فظاهر مما قررناه في أوائل الكتاب إذ قد بينا أن استعمال اللفظ في غير ما وضع له إنما يكون بكونه المقصود بالإفادة من العبارة من غير أن يكون الموضوع له مقصودا بالإفادة أصلا وأن جعل فهم المعنى الحقيقي واسطة في الوصلة إليه وأما إذا كان المعنى الحقيقي مقصودا بالإفادة كان اللفظ مستعملا فيه وإن أريد من ذلك الانتقال إلى لازمه أيضا فإن ذلك لا يقضي بكون ذلك اللازم مستعملا فيه أصلا كما مر والحال في المقام من هذا القبيل لوضوح إرادة المعاني الحقيقية من هذا القبيل في المقام وتعلق الحكم بها وإن كان المقصود من الحكم بها وإثباتها إفادة لوازمها وما يتفرع عليها وأما عن الثاني فبأن اللوازم المعهودة عن الكلام قد تكون لازما لمدلول اللفظ وقد تكون لازما للحكم به وقد تكون من لوازم الاقتران بين الشيئين ونحو ذلك وليس المعدود من الكناية إلا الصّورة الأولى خاصة كما يدل عليه حدها فأقصى ما يلزم من ذلك أن يكون إرادة اللازم على الوجه الأول كناية وهو كذلك وهو إنما يكون من بعض صور دلالة الإيماء حسب ما أشرنا إليه هذا ملخص الكلام في تقسيم المنطوق وأما المفهوم فأما أن يكون موافقا للمنطوق في الإيجاب والسلب أو مخالفا له في ذلك والأول مفهوم الموافقة ويسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب والمحكي عن البعض أنه إن كان ثبوت الحكم في المفهوم أولى من ثبوته في المنطوق سمي بالأول وإن كان مساويا لثبوته له سمي بالثاني ولا فرق بين أن يكون هناك تعليق على الشرط أو الصفة أولا كما في دلالة حرمة التأفيف على حرمة الضرب ودلالة قولك إن ضربك أبوك فلا تؤذه على حرمة الأذية مع عدم الضرب وقولك لا تؤذي الفاسق الدال على منع أذية العادل والثاني مفهوم المخالفة ويسمى دليل الخطاب وينقسم إلى مفهوم الشرط ومفهوم الوصف ومفهوم الغاية ومفهوم الحصر ومفهوم العدد ومفهوم اللقب إلى غير ذلك مما سنشير إلى جملة منها إن شاء الله فحصر المفهوم في مفهوم الموافقة والمخالفة عقلي وأما حصر مفهوم المخالفة في أقسامها فاستقرائي هذا واعلم أنه لا إشكال في حجية ما يستفاد من الألفاظ بحيث تكون مفهومة منها بحسب العرف حين الإطلاق لبناء الأمر في المخاطبات العرفية على ذلك وورود المخاطبات الشرعية على طبق اللغة والعرف حسبما دل عليه الآية الشريفة وقضى به تتبع خطابات الشرع وإطباق العلماء خلفا عن سلف عليه وقد وقع الخلاف في حجية جملة من المفاهيم ومرجع البحث فيها إلى البحث في كونها مفهومة من اللفظ إذ لا مجال للتأمل فيها بعد فرض مفهوميتها ودلالة اللفظ عليها للاتفاق على حجية مداليل الألفاظ كما عرفت فالخلاف في المقام إنما هو في انفهام تلك المفاهيم من الألفاظ ودلالتها عليها وعدمه وقد ذكر المصنف في المقام عدة من أقسام مفهوم المخالفة ونحن نتبعها بذكر غيرها إن شاء الله وأما مفهوم الموافقة فسيجيء الإشارة إليه في كلام المصنف ره في بحث القياس والظاهر أنه لا خلاف في حجيته والاعتماد عليه لكن المحكي عن البعض كونه قياسا وأن الوجه في حجيته حجية قياس الأولوية وذلك يؤذن بمعنى القائل المذكور انفهامه من اللفظ وعدم إدراجه في مداليل الألفاظ إذ لو قال بدلالة اللفظ عليه لما أدرجه في القياس واستند في التمسك به إلى ذلك ومنه ينقدح الخلاف في كونه مفهوما من اللفظ على نحو ما وقع الخلاف في غيره من المفاهيم وقد ينزل كلام القائل المذكور على تسليم دلالة اللفظ عليه بحسب متفاهم العرف لكنه يجعل الوجه في انفهامه منه عرفا ملاحظة قياس الأولوية وتلك الملاحظة هي الباعثة عنده على الفهم المذكور وكيف كان فالحق أنه لا ربط بهما بقياس الأولوية وليست حجيتها من جهة حجيّته بل لا إشكال في حجيتها لو قلنا بعدم حجية قياس الأولوية لاندراجها في المفاهيم اللفظية فإن سلم القائل المذكور كونه مدلولا لفظيا لكنه جعل الوجه في مدلوليته عرفا ملاحظة الأولوية المذكورة حسبما ذكر فلا ثمرة في البحث وإن قال بانتفاء الدلالة العرفية وجعله مدلولا عقليا بملاحظة قياس الأولوية فهو موهون جدا لما سيجيء بيانه إن شاء الله من عدم حجية قياس الأولوية مما يكون خارجا عن المداليل اللفظية قوله يدل على انتفائه عند انتفاء الشرط الشرط في اللغة بمعنى إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه كما في القاموس ولا يبعد شموله للالتزام الحاصل بالنذر وشبهه أيضا كما يستفاد من غيره وربما يشمل الجميع وقوله عليه السلام والمؤمنون عند شروطهم ويطلق في العرف العام على ما ذكره الأستاذ العلامة رفع اللّه مقامه على ما يتوقف عليه وجود الشيء مطلقا وفي العرف الخاص على الأمر الخارج عن الشيء مما يتوقف عليه وجوده ولا يؤثر فيه وقد عرفت مما مرّت الإشارة إليه من أنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود ويطلق على الجملة التي وليت إحدى أدوات الشرط مما علق عليه مضمون جملة أخرى وعلى الجملة التي وليت إحدى كلمات الشرط مطلقا وإن لم يعلق عليها غيرها على الحقيقة كما في قولك إن ضربك أبوك فلا تؤذه لوضوح أنه ليس المقصود تعليق النهي عن الأذية على الضرب وقولك أكرم أباك وإن أهانك أو أكرم أباك إن أكرمك أبوك وإن أهانك والمراد بالشرط في المقام هو المعنى الرابع وإطلاق ما ذكروه من كون النزاع في الجملة المدخولة لأن وأخواتها محمول على ذلك أو مبني على كون أداة الشرط حقيقة في المعنى المذكور ومجازا في غيره فأطلقوا القول في المقام وكيف كان فالجملة الشرطية تستعمل في تعليق الوجود على الوجود من غير تعليق الانتفاء على الانتفاء كما هو المتداول بين المنطقيين حيث أخذوا الشرط على الوجه المذكور ولذا حكموا بكون وضع المقدم في القياس الاستثنائي قاضيا بوضع التالي ولم يحكموا بكون رفع المقدم قاضيا برفع التالي وقد تستعمل