الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
276
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الصحة والعلم بعدم وقوع الفعل على الوجه المقرر في الشريعة وجريان أصالة الصحة في مثل ذلك والحكم بوقوع الصحيح على سبيل الاتفاق أو من جهة الغفلة محل تأمل ولو وقع العمل بفتوى غير المجتهد الحي من جهة الضرورة كما إذا لم يكن متمكنا من الرجوع إليه فأخذ بقول الميت فإن كان موافقا لقول الحي فلا إشكال ظاهرا في الصحة والسقوط ولو تعد حضور المجتهد الحي مع بقاء الوقت وإن خالفه ففي الحكم بالسقوط من غيره مطلقا أو أنه إنما يسقط عن مثله وأما عن المجتهد ومقلده إذا حضروا بعد ذلك أو كانوا حاضرين ولا يعلم العامل باجتهاده أو علمهم بقول الحي أو جواز أخذه بنقله لجهالة حالهم عنده إشكال والقول بالسقوط لا يخلو من وجه والأحوط فيه عدم السقوط حادي عشرها لو كان الاشتباه عن العامل في الموضوع مع الإتيان به على الوجه المقرر في ظاهر الشريعة كما إذا غسل الميت بماء مستصحب الطهارة وعلم الآخر بملاقاته النجاسة فهل يسقط منه الواجب بذلك وجهان السقوط لحصول الفعل على الوجه المعتبر في الشريعة وهو يقضي بالسقوط والإجزاء وأيضا لا كلام في سقوطه حينئذ عن العامل فيحكم بسقوطه عن الباقين إذ الإتيان بالكفائي على الوجه الذي يسقط به التكليف عن البعض فهو مسقط عن الكل إذ ليس المقصود في الكفائي إلا إيجاد الفعل في الجملة وعدمه لعلمه بعدم أدائه المأمور به على وجهه ولذا لو تفطن له مع بقاء الوقت لزمه الإعادة وإيقاعه للفعل على الوجه المشروع بملاحظة الطريق المقرر إنما يقضي بالإجزاء مع عدم انكشاف الخلاف حسبما قرر في محله وإسقاط التكليف عن العامل إنما هو في ظاهر الشريعة من جهة كونه مقدورا وذلك لا يقضي بالسقوط بالنسبة إلى غير المقدور ولذا لو علم العامل بالحال لزمه الإعادة كما عرفت وهذا هو المتجه نعم لو كان ذلك مما لا يوجب الإعادة على العامل بعد تذكره كما إذا صلى في ثوب مجهول النجاسة أو نسي غير أركان الصّلاة ونحو ذلك فالظاهر السقوط وإن كان الآخر منقطعا له حين الفعل لأداء العمل على الوجه الصحيح وإن اشتمل على نقص في الأجزاء أو الكيفيات ثاني عشرها قيل إن الواجب الكفائي أفضل من العيني وعزي القول به إلى كثير من المحققين لكن أسنده في القواعد إلى ظن بعض الناس وهو يشعر بكون الظان من العامة وعلل ذلك بكون الإتيان به قاضيا بصون الخلق الكثير عن العصيان واستحقاق العذاب بخلاف العيني فإنه لا يحصل به إلاّ صون الفاعل وفيه أولا أن الواجب في العيني أفعال عديدة على حسب تعدد المكلفين وفي الكفائي فعل واحد ومن الواضح أنه لا أفضلية للواجب الذي يجب الإتيان به مرّة على ما يجب تكراره من جهة حصول صون المكلف من العقوبة بفعل واحد في الأول بخلاف الثاني وذلك لتعدد التكاليف في الصّورة الأولى دون الثانية فكذا الحال في المقام نظرا إلى تعدد الواجبات في العيني فيجب تعدد الإتيان بها على حسب تعدد المكلفين بخلاف الكفائي فإن الواجب على الجميع شيء واحد حسبما مر القول فيه وثانيا أن الأفضلية ليست من جهة إسقاط العقاب بل إنّما يلحظ من أجل زيادة الثواب ولا دليل على كون الثواب المترتب على الكفائي أكثر من العيني وحينئذ فقد يتوهم زيادة ثواب العيني لكون المثابين به أكثر من المثابين في الكفائي وهو فاسد إذ كثرة الثواب من جهة كثرة المثابين غير كثرة الثواب المترتب على الفعل في نفسه والأفضلية يتبع ذلك على أن تعدد الثواب من الجهة المذكورة يمكن تصويره في الكفائي أيضا فالظاهر أن الجهة المذكورة لا تقتضي أفضلية ولا مفضولية وإنما يتبع ذلك غيرهما من الجهات [ أصل في مفهوم الشرط . ] قوله والحق أن تعليق الأمر إلى آخره البحث عن المفاهيم أحد مقاصد علم الأصول كالبحث عن الأوامر والنواهي والعام والخاص ونحوها وقد أدرجه بعض الأصوليين في مباحث الأمر من جهة تعليق الأمر على الشرط أو الصفة أو تقييده بالغاية ونحوها والأنسب في البيان هو الوجه الأول إلا أن المصنف رحمه الله اختار الثاني حيث اقتصر على عدة من مباحثها فلم يستحسن جعلها مقصدا منفردا والمناسب أولا قبل الشروع في المقصود تفسير المنطوق والمفهوم وذكر أقسامهما وما يندرج فيهما وحيث كانا من أقسام الدلالة أو المدلول كان الحري في المقام أولا بيان الدلالة وذكر أقسامها ولنورد ذلك في مباحث الأول في تعريف الدلالة وقد عرفت بأنها كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم بشيء آخر والمراد بالعلم هنا مطلق الإدراك الشامل للتصور والتصديق ليندرج فيها الدلالات اللفظية مفرداتها ومركباتها إذ ليس من شأنها من حيث كونها دلالات لفظية إلا إفادة تصور مداليلها وإحضارها ببال السامع هذا بالنسبة إلى دلالة اللفظ على نفس المعنى أما بالنسبة إلى دلالتها على إرادة اللافظ فمدلولها أمر تصديقي لانتقاله من اللفظ إلى التصديق بإرادة اللافظ ذلك تصديقا علميا أو ظنيا ولا فرق في ذلك أيضا بين المفردات والمركبات لكون الدلالة إذن في المقامين تصديقية والدلالة بهذا المعنى يعم الدلالات اللفظية والوضعية وغيرها وغير اللفظية كالأقيسة الدالة على نتائجها وعرفت خصوص الدلالة اللفظية الوضعية التي هي المقصود في المقام بأنها فهم المعنى من اللفظ عند إطلاقه أو تخييله بالنسبة إلى من هو عالم بالوضع وأورد عليه بوجهين أحدهما أن الفهم أمر حاصل من الدلالة فلا يجوز جعله جنسا لها ثانيهما أن الدلالة صفة اللفظ والفهم إن أخذ مصدرا بمعنى الفاعل فهو صفة للسامع أو بمعنى المفعول فهو صفة للمعنى فلا يصح أخذه جنسا للدلالة وأنت خبير بأن الإيراد الثاني تفصيل للأول فإن الفهم أمر حاصل من الدلالة فهو بمعناه الفاعلي صفة للسامع وبمعناه المفعولي صفة للمعنى وجوابه ظاهر وهو أن الفهم بأي من الوجهين من لوازم الدلالة ولا مانع من تعريف الشيء بلازمه فيصح على كل من الوجهين ويرد عليه أن التعريف باللازم إنما يكون بأخذ اللازم على وجه يمكن حمله على الملزوم كتعريف الإنسان بالضاحك لا على وجه يباينه كتعريفه بالضحك فينبغي في المقام تعريفها بكون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى من العالم بالوضع والظاهر أن ذلك هو المقصود بالحد فيكون التحديد مبنيّا على التسامح وأجاب عنه بعض المحققين بأن الفهم وحده صفة للسامع والانفهام وحده صفة للمعنى لكن فهم السامع من اللفظ المعنى أو انفهامه منه صفة للفظ فيصح تعريف الدلالة به سواء أخذ الفهم بمعنى الفاعل أو المفعول وإنما لا يصح الاشتقاق منه كما يصح اشتقاق الدلالة لكون المبدإ في المشتق هو مطلق الفهم وقد عرفت أنه بأحد المعنيين صفة للسامع وبالآخر صفة للمعنى وأورد عليه بأن فهم السامع