الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
277
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
صفة له قائمة به لكنها متعلقة بالمعنى بلا واسطة وباللفظ بواسطة حرف الجر فهناك ثلاث أشياء الفهم وتعلقه بالمعنى وتعلقه باللفظ والأول صفة للسامع والأخيران صفة للفهم فإن أراد أن الفهم المقيد بالمفعولين الموصوف بالتعليقين صفة اللفظ فهو ظاهر البطلان وإن أراد أن المجموع المركب من الأمور الثلاثة صفة له فمع بعده من اللفظ واضح الفساد أيضا وإن أراد أن أحد التعليقين صفة اللفظ فهو باطل أيضا نعم يفهم من تعلق الفهم بالمعنى صفة للمعنى هي كونه مفهوما ومن تعلقه باللفظ صفة له هي كونه مفهوما منه المعنى قلت ومقصود المجيب أن الوصف الملحوظ في المقام ليس وصفا للموصوف ابتداء بل وصف متعلق بحال الموصوف فإن أخذ الفهم بمعنى الفاعل كان فهم السامع من اللفظ معناه صفة للفظ فإنه يثبت له فهم السامع منه المعنى وإن أخذ بمعنى المفعول كان من صفته أن المعنى مفهوم منه للسامع وهذا هو السر فيما ذكر في الجواب من أنه لا يصح الاشتقاق من الفهم للفظ إذ مفاد الاشتقاق كونه وصفا له لا وصفا له بحال متعلقه فاندفع منه الإيراد المذكور ثم إن تقييد الفهم بكونه من العالم بالوضع من جهة توقف الدلالة على العلم بالوضع فهو بعد الوضع دال بالنسبة إلى العالم غير دال بالنسبة إلى الجاهل فهو شرط في حصول الدلالة بالنسبة إلى الأشخاص ومن سخيف الاعتراض أن ذلك يقضي بالدور لأن العلم بالوضع موقوف على فهم المعنى إذ الوضع نسبة بين اللفظ والمعنى فيتوقف العلم بها على تصور المنتسبين والمفروض توقف الفهم على العلم بالوضع إذ من الواضح أن المتوقف عليه هو مجرد العلم بالمعنى وتصوره لا فهمه من اللفظ والانتقال منه إليه والمتوقف على العلم بالوضع هو فهمه من اللفظ فغاية الأمر أن يكون فهم المعنى من اللفظ متوقفا على تصور ذلك المعنى أولا قبل فهمه من اللفظ وهو كذلك قطعا ولا يتعقل فيه محذور أصلا الثاني [ في تقسيم الدلالة اللفظية إلى المنطوق والمفهوم . ] أن الدلالة تنقسم إلى عقلية ووضعية وكل منهما تنقسم إلى لفظية وغير لفظية والكلام في المقام في الدلالة اللفظية الوضعية بناء على إدراج التضمن والالتزام في الدلالات الوضعية كما هو مختار علماء الميزان وإن أدرجناهما في العقلية كان المقصود بالوضعية في المقام ما للوضع فيها مدخلية سواء كانت مستندة إلى الوضع ابتداء أو بواسطة وقد قسموها إلى المطابقة والتضمن والالتزام وقد مر الكلام في تعريف كل منها فلا حاجة إلى إعادته ثم إنهم قد قسموا الدلالة أو المدلول إلى المنطوق والمفهوم وعرفوا المنطوق بأنه ما دل عليه اللفظ في محل النطق والمفهوم بأنه ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق وعلى ظاهر العبارة كلمة ما موصولة وهي عبارة عن المدلول وفي محل النطق متعلق بدلّ والمراد به اللفظ من حيث كونه منطقا به أي يكون الدلالة عليه في محل التلفظ به بأن لا يكون الدلالة عليه متوقفة على ملاحظة أمر آخر غير اللفظ الموضوع فيفتقر الانتقال إليه إلى واسطة فيكون الدلالة في المنطوق في محل التلفظ بخلاف المفهوم وقد يورد عليه بإدراج الدلالة العقلية المستندة إلى نفس اللفظ كدلالته على وجود اللافظ بالمنطوق ويمكن دفعه بأن الدلالة الملحوظة في المقام هي الدلالة الوضعية المستندة إلى الوضع في الجملة وهي خارجة عن المقسم لكن يرد عليه خروج الدلالات الالتزامية عن حد المنطوق فتدرج في المفهوم فلا يشمل المنطوق دلالة الاقتضاء والتنبيه والإشارة وينتقض بها الحد جمعا ومنعا بل ويندرج دلالته على لازم الحكم في المفهوم مع خروجها عنه بل وعن المنطوق أيضا وقد يورد عليه أيضا خروج المعاني المجازية عن المنطوق وإن كان اللفظ مستعملا فيها إذ ليست الدلالة عليها في محل النطق لكون الانتقال إليها بواسطة المعاني الحقيقية بل وبعد ملاحظة القرينة كما في كثير منها فليست الدلالة عليها في محل النطق ويمكن دفع الأخير بجعل الظرف متعلقا بمقدر يجعل حالا عن المدلول فإن المدلول هناك في محل النطق لاستعمال اللفظ فيه وإن لم تكن الدلالة عليه كذلك ولا يجري ذلك في المداليل الالتزامية لعدم كون شيء من الدلالة والمدلول هناك في محل النطق وربما يجعل الموصول عبارة عن الدلالة ويجعل الضمير راجعا إلى المدلول المستفاد منه فيكون المعنى أن المنطوق دلالة اللفظ في محل النطق والمفهوم دلالته عليه لا في محله أو بجعل ما مصدرية يؤول ما بعده إلى المصدر ويكون مفاده مفاد ما ذكر وعلى هذين الوجهين يكون المنطوق والمفهوم من أقسام الدلالة ويكون حينئذ قوله في محل النطق متعلقا بدلّ أو يكون متعلقا بمقدور يكون حالا من المدلول على نحو ما ذكر في الوجه المتقدم فكيف كان فالحدان المذكوران بظاهرهما لا ينطبقان على المحدودين على حسبما عرفت وقد يجعل الموصول عبارة عن الحكم ويجعل المجرور حالا عنه باعتبار ما تعلق ذلك الحكم به أعني موضوعه فالمراد أنه حكم دل عليه اللفظ حال كون ما تعلق به في محل النطق يعني يكون مذكورا والمفهوم حكم دل عليه اللفظ حال كون متعلقه غير مذكور وقد يفسر الموصول بالموضوع ويكون الضمير راجعا إليه باعتبار الحكم المتعلق به ويكون المجرور حينئذ حالا من الموصول فمناط الفرق بين المنطوق والمفهوم على هذين الوجهين هو اعتبار ذكر الموضوع في المنطوق واعتبار عدمه في المفهوم من دون ملاحظة حال الحكم المدلول عليه وهذا هو الذي نص عليه جماعة في الفرق بينهما فلا يناط الفرق بينهما بذكر الحكم وعدمه كما هو قضية الوجوه المتقدمة على اختلاف ما بينهما حسب ما عرفت وأورد عليه بأن بعض ما عد من المنطوق كدلالة الآيتين على أقل الحمل ليس الموضوع فيه مذكور أو بعض ما عد من المفهوم كدلالة حرمة تأفيف الوالدين على حرمة ضربهما قد ذكر فيه الموضوع وأجيب عنه بأن الموضوع في الأول ليس أقل الحمل بل الحمل بنفسه وهو مذكور في إحدى الآيتين والموضوع في الثاني هو الضرب دون الوالدين وهو غير مذكور قلت ويرد على ذلك مفهوما الشرط والغاية لاتحاد الموضوع في المنطوق والمفهوم فيهما وكذا مفهوم الموافقة في مثل قولك إن ضربك أبوك فلا تؤذه لدلالته على المنع من أذيته مع انتفاء الضرب والموضوع متحد في المقامين وقد يتكلف بدفعه بأن الشرط والغاية قيدان في الموضوع فالموضوع في إن جاءك زيد فأكرمه وصم إلى الليل هو زيد المقيد بالمجيء والصوم المقيد بكونه إلى الليل لتعلق الحكم بذلك وكذا النهي عن إيذائه هو الأب الضارب فالموضوع الخالي عن ذلك القيد موضوع آخر وهو غير مذكور وقد تعلق به الحكم في المفهوم ولا يخفى ما فيه من التعسف مضافا إلى ما في التفسيرين المذكورين من التكلف من جهات شتى إذ ليس المنطوق والمفهوم عبارة عن الحكم وإن صدق عليه وإنما هما من قبيل المدلول أو الدلالة وكذا الحال في حمل الموضوع