الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

275

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

خبير بوهن الإيراد المذكور جدا إذ ليس السقوط في المقام سقوطا واقعيّا وإنما يسقط عنه بحسب ظاهر التكليف نظرا إلى الطريق المقرر كيف وهو بعينه جار في الواجب العيني أيضا إذا اعتقد الإتيان به ثم ظهر خلافه وما ذكره في الجواب من عدم المانع من سقوط الواجب بغير فعله نظرا إلى سقوطه بانتفاء موضوعه حسبما ذكره من المثال لا يدفع الإيراد إذ ليس الملحوظ في الإشكال مجرد سقوط الواجب من غير فعله إذ لا يعقل إشكال في ذلك بمجرده لوضوح سقوطه بانتفاء التمكن منه وبسقوط موضوعه كما في المثال وإنما إشكاله من جهة سقوط الواجب مع حصول الشرائط المقررة لذلك التكليف من دون فعله فإنه لا يكون ذلك إلا بنسخ الوجوب وجوابه حينئذ ما ذكرناه ولا ربط له بما ذكر من التنظير ثم إنهم إن بقوا على ذلك الظن أو العلم حتى فات عنهم الفعل فلا كلام وإن ظهر لهم أو لبعضهم الخلاف مع عدم فوات محل الفعل فهل يبقى السقوط على حاله أو لا بد من الإتيان بهم استشكل فيه بعض الأفاضل ثم ذكر أن التحقيق فيه التفصيل بأنه إن كان هناك عموم أو إطلاق يقضيان بلزوم الإتيان بذلك في جميع الأحوال تعين العمل به وإلا فلا عملا بالاستصحاب والصواب أن يقال إنه لا تأمل في وجوب الإتيان بالفعل مطلقا فإن سقوط الواجب بالعلم بأداء الآخر أو الظن به إنما هو من جهة الحكم بأداء ذلك الواجب لا لكونه مسقطا له في نفسه وليس ذلك إلا نظير ما إذا علم أو ظن بناء على اعتبار ظنه بأدائه للعمل الواجب عليه عينا فتبين له الخلاف مع عدم فوات وقت الواجب فإن وجوب الإتيان بالفعل حينئذ يعد من الضروريات لا فرق بينه وبين المفروض في المقام أصلا بل نقول إنه لو شك بعد علمه أو ظنه بأداء الآخر لفعله تعين عليه الإتيان به ولا وجه لاستصحاب السقوط في المقام لما عرفت من أن السقوط المذكور أنما كان من جهة ثبوت أداء الواجب لا على وجه التعبد فهو نظير استصحاب النجاسة فيمن يتقن نجاسة ثوبه ثم شك فيها من أصلها فإنه لا وجه لاستصحاب النجاسة كما قد يتوهم تاسعها لو شرع بعضهم في الفعل فالظاهر سقوطه عن الباقين بمعنى سقوط تعيّن الإتيان به أخذا بظاهر الحال وأما أصل الوجوب فالظاهر عدم سقوطه إلا بالإتمام حسبما مرت الإشارة إليه نعم لو كان المراد هو الفعل الواحد اتجه القول بسقوط منهم سقوطا مراعى بالإتمام كما مرت الإشارة إليه عاشرها لو كان المؤدي للفعل مجتهدا مخالفا له في المسألة أو مقلدا لمن يخالفه فأتى بالفعل على وفق مذهبه فهل يقضي ذلك بسقوط الواجب عن غيره ممن يخالفه في الرأي أو يقلد من يخالفه وجهان من الحكم بصحة ما يأتي به على الوجه المذكور لكونه مأمورا به في ظاهر الشريعة قاضيا ببراءة ذمة عامله حتى إنه لا يجب عليه القضاء ولو عدل عن اجتهاده أو عدل المقلدين عن تقليده بناء على جوازه ولذا يعد ذلك الفتوى من حكم الله تعالى ويندرج العلم به في الفقه حسب ما مر بيانه ومن أن أقصى ما دل عليه الدليل هو الصحة في شأن العامل فإن حجية ظن المجتهد إنما هي في شأنه وشأن من يقلد هو إنما يعد من حكم الله بالنسبة إليهما دون غيرهما ولذا لا يحكم بصحته لو أتى به من عداهما فسقوط التكليف الثابت في شأنه بالفعل المفروض الفاسد واقعا بحسب معتقده وإن حكم بصحته في شأن عامله يتوقف على قيام دليل عليه كذلك وبتقرير آخر المكلف به في شأنه هو الفعل الواقع على وفق معتقده فلا وجه لحصول البراءة عنه بالفعل الواقع على الوجه الآخر إلا أن يقوم دليل عليه وأيضا فعل كل مكلف في الكفائي يقوم مقام فعل الآخر وينوب مناب فعله والمفروض أن الفعل الواقع على الوجه المذكور غير مبرئ للذمة بالنسبة إلى غير ذلك العامل ولا يمكن أن يقوم مقام فعله إذ قيامه مقامه قاض بفساده لكون المفروض فساد ذلك العمل لو فرض وقوعه منه وفيه أن المكلف به في المقام ليس إلا شيئا واحدا إذ كل من ظنون المجتهدين طريق إليه شرعا فإذا حصل الإتيان به على ما يقتضيه ظن أحدهم حصل أداء الواجب على الوجه المعتبر شرعا وهو قاض بسقوط التكليف به عن الجميع وإن لم يكن ذلك طريقا بالنسبة إلى المجتهد الآخر ومقلده لو أراد العمل به بنفسه وهو لا ينافي كونه طريقا مقررا لو عمل به غيره فالقائم مقام فعله هو الفعل المحكوم بصحته شرعا الواقع على النحو المعتبر في الشريعة ولو عند المجتهد المخالف له وفساده على تقدير وقوعه من غيره لا ينافي قيام فعله مقام فعل ذلك الغير فإن القائم مقام فعل ذلك الغير هو الفعل الصحيح الواقع على وفق الشريعة مضافا إلى حصول البراءة به بالنسبة إلى العامل ومن يوافقه وسقوط التكليف بذلك الفعل منهم قطعا فلا بد من الحكم بسقوطه عن الباقين إذ المسقط للكفائي عن البعض مسقط عن الجميع إذ ليس المطلوب إلا أداء ذلك الفعل في الجملة فالمتجه إذن هو السقوط نعم لو اختلف الفعلان في النوع أشكل الحال في السقوط كما إذا وجب عند أحدهما تغسيل الميت وعند الآخر تيممه فأتى الآخر بالتيمم وقضية الأصل في ذلك عدم السقوط ومجرد كون ما يأتي أحدهما به أداء لما هو الواجب شرعا لا يقضي بسقوط ما هو الواجب عليه مع عدم أداء الآخر له رأسا وأما لو حكم أحدهما بنفي الوجوب رأسا والآخر بوجوبه عليه فلا تأمل في عدم سقوطه عمن يعتقد الاشتغال به وكون ترك الآخر له من الجهة المذكورة لا يقضي بقيام ذلك مقام فعله غاية الأمر حينئذ عدم تعلق الوجوب بالآخر في الظاهر لأداء اجتهاده أو اجتهاد من يقلده إلى ذلك وهو لا ينافي اشتغال الآخر به وهو ظاهر ولو كان ما يأتي به المجتهد الآخر خطاء في اعتقاد الآخر كما إذا كان مخالفا للدليل القاطع في نظره كالإجماع فلا عبرة بعمله وعمل مقلده بالنسبة إليه بل يحكم بفساده وإن كان معذورا في ذلك فلا يحكم بسقوطه من المجتهد الثاني ومقلده حسب ما فصل القول في ذلك في مباحث الاجتهاد والتقليد ولو قلد في العمل غير المجتهد فإن لم يكن موافقا للواقع لم يحكم بصحته ولو كان مع اعتقاده اجتهاد المفتي ولو بعد بذل وسعه فيه في وجه قوي وإن وافق الواقع في اعتقاده فإن لم يكن عبادة حكم بالسقوط مطلقا وإن كان عبادة فإن كان مع بذل وسعه في كونه مجتهدا أو كان غافلا قاصرا فالظاهر الصحة والسقوط وإن كان مقصرا لم يحكم بصحته كما هو الحال في عبادات العوام على ما سيأتي الكلام فيه وإن شك في تقليده المجتهد وعدمه بنى على السقوط وأصالة الصحة وكذا لو شك في كون من يقلده مجتهدا لأصالة الصحة ولو علم عدم تقليده المجتهد الجامع الشرائط الفتوى لكن شك في كونه غافلا قاصرا أو مقصرا مع مطابقة العمل لفتوى الآخر أو شك في كون ما أتى به موافقا للواقع على حسب معتقده فهل يحكم بصحة العبادة وسقوط الواجب عن الباقين إشكال من أصالة