الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

270

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الجميع كيف يجوز للحكيم الحكم بتأثيمهم وهل هو إلا حكم بخلاف ما يستحقونه وظلم بالنسبة إليهم إن فرع على ذلك ورود العقوبة عليهم كما هو قضية التأثيم وإن أراد بذلك أن الحكم بالوجوب على البعض أولا قاض بوجوبه على الكل ثانيا عند التأمل نظرا إلى كون البعض المطلوب عنوانا لكل من الأبعاض فيتفرع عليه تأثيم الكل حسبما مر بيانه ويساعده فهم العرف وهو متجه وإن بعد عن كلامه إلا أنه عين القول بوجوبه على الكل فإنهم لا يريدون به سوى ذلك عند التحقيق حسبما فصلنا القول فيه الثالث أن ما يقتضيه الوجوب على البعض هو الحكم بتأثيم البعض دون الكل وما يرى من استحقاق الجميع للعقوبة إنما هو لأجل ما يستلزمه ذلك التكليف الكفائي من الوجوب العيني المشروط المتعلق بكل واحد منهم حسبما مر الكلام فيه وفيه ما عرفت من بطلان القول بثبوت تكليفين في المقام مضافا إلى أن استحقاق كل منهم العقوبة من جهة الوجوب المتعلق بأحدهما لا يقضي بمعقولية الوجوب الآخر مع عدم استحقاق العقوبة من جهة مخالفته ثانيها أنه لو وجب على أحدهم فلا يتعين له عندنا ضرورة فأما أن يكون معينا بحسب الواقع أو يكون مبهما في الواقع أيضا لا سبيل إلى شيء من الوجهين أما الأول فلوضوح عدم استحقاق شخص للعقوبة من جهة ترك غيره ما وجب عليه بل قضية دوران التكليف في غير الكفائي بين شخصين عدم تعلقه بشيء منهما وعدم استحقاق كل منهما للعقوبة بتركه كما في الجناية الدائرة بين شخصين وأما الثاني فلكون الوجوب أمرا خارجيّا لا يمكن تعلقه خارجا بالمبهم بل لا بد له من متعلق متعين في الخارج ليصح تعلقه به وقد يورد عليه بما سيجيء الإشارة إليه وإلى جوابه في حجة القول للثاني ثالثها أنه يصح لكل منهم أن ينوي الوجوب بفعله إجماعا ولو كان واجبا على البعض لما صح ذلك لكون قصد الوجوب من غير من يجب عليه بدعة محرمة وأورد عليه بأن الواحد الغير المعين لما كان ملحوظا على وجه اللا بشرط كان صادقا على كل منهم أنه البعض وكان ذلك حاصلا به فصح لكل منهم قصد الوجوب وفيه أن ذلك عين القول بوجوبه على الكل حسبما مر بيانه فهو أيضا واجب على الكل بدلا على نحو صدق البعض عليها لكن لا يقوم الوجوب إلا بكل واحد لا بمفهوم البعض إذ لا وجود له كذلك ليعقل تعلق الوجوب به حجة القول الثاني أمور الأول أنه لو وجب على الجميع لما سقط بفعل البعض والتالي باطل إجماعا وأورد عليه بأن سقوط الوجوب بفعل البعض بل بفعل غير المكلف لا ينافي وجوبه على ذلك المكلف كما أن أداء الدين من غير المديون قاض بسقوطه عنه مع أن المؤدي لا يجب عليه الأداء وفيه أن سقوط الواجب قد يكون بأدائه وقد يكون بانتفاء موضوعه والسقوط المفروض في المقام إنما هو بأدائه ولا يعقل أن يكون بفعل غير المكلف وقد يدفع بأن سقوط الواجب عن البعض الفاعل إنما هو بالأداء وعن الباقين بانتفاء موضوعه ويدفعه بأن سقوط الواجب عن الكل إنما هو بأدائه وإن كان المؤدي هو البعض حسبما عرفت الثاني أن أداء الواجب بقيام البعض به دليل على تعلق الوجوب بالبعض فالمقتضي له موجود والمانع منه مفقود إذ لا يتصور هناك مانع سوى إبهام البعض وهو غير قابل للمنع وإلا لقضي بالمنع من تعلق الوجوب به في المخير أيضا وقد عرفت خلافه والجواب عنه ظهور الفرق بين المقامين إذ لا يعقل تعلق الإثم بواحد غير معين من الشخصين ولا مانع من لحوق الإثم بواحد معين لترك واحد غير معين من الفعلين وبالجملة لا يعقل تأثيم المبهم دون التأثيم به فهو الفارق بين الأمرين والسر فيه أن أحد الفعلين مفهوم متعين في الذهن فيمكن اشتغال الذمة به فإن الذمة بمنزلة الذهن يتعين فيه الكلي فيصح اشتغالها به وأما إحدى الذمتين فلا تعين لها في الخارج فلا يعقل تعلق الاشتغال بها في الخارج مع إبهامها فيه كما أن حصول أحد التصورين في النفس من دون تعيينه بحسب الواقع مما يستحيل عقلا دون تصور مفهوم أحد الشيئين من غير تعيين ذلك الشيء وهو ظاهر وأورد عليه بأن ما ذكر إنما يتم لو كان مذهبهم تأثيم واحد مبهم منهم عند الترك أما لو قالوا بتأثيم الجميع كما هو المذهب فلا يرد ذلك ولا منافاة بين الوجوب على البعض وتأثيم الكل عند ترك الكل وفيه أنه مع البناء على تعلق الوجوب بواحد مبهم لا وجه للحكم بتأثيم الجميع فإنه إنما يصح القول به لو قيل بقضاء ذلك بوجوب الإقدام في الظاهر على الجميع ولا دليل عليه بل قضية الأصل حينئذ دفع كل واحد منهم الوجوب عن نفسه بالأصل كالجناية الدائرة بين شخصين بخلاف ما إذا اشتغلت الذمة بأحد الفعلين على وجه الإبهام لوجوبهما عليه إذن من جهة تحصيل اليقين بالفراغ بعد اليقين بالاشتغال فذلك فرق آخر بين الأمرين ولو قيل في المقام بوجوب الإقدام حينئذ على الجميع من جهة النص كان ذلك قولا بوجوبه على الجميع هذا خلف ثم إنه مع الغض عن ذلك وتسليم قضاء ذلك بوجوب الإقدام على الجميع في الظاهر فقضية الترك من الكل تأثيم واحد غير معين منهم بترك نفس الواجب وتأثيم الباقين من جهة التجري ولا يعقل في الفرض المذكور تأثيم الجميع على ترك نفس الفعل مع عدم تعلق الوجوب بهم كذلك فالمفسدة على حالها والتحقيق في المقام أن يقال إنه إن أراد المستدل بتعلق الوجوب بأحدهم على سبيل الإبهام من دون أن يتعلق بخصوص بعضهم أصلا فقد عرفت أنه غير معقول إذ الوجوب أمر خارجي لا بد له من متعلق متعين في الخارج إذ لا وجود لغير المتعين واقعا في الخارج فكيف يعقل تعلق الوجوب به في الخارج كيف ويصح سلب التكليف حينئذ عن خصوص كل من تلك الآحاد فيصح السلب الكلي المناقض للإيجاب الجزئي بل ربما لا يصح القول بتعلقه بالمبهم على الوجه المذكور في الواجب المخير مع تعلقه به في الذمة حسب ما مر الكلام فيه وإن أراد تعلقه بأحدهم بملاحظة المفهوم الكلي الصادق على كل منهم نظير ما ذكرناه في المخير وهو حق ولا مانع منه فإن الكلي المذكور أمر متعين في الخارج في ضمن مصاديقه وتعلق التكليف به قاض بتعلق الوجوب بكل من مصاديقه على سبيل البدلية كوجوب الأفراد كذلك عند تعلق الأمر بالطبيعة إذ ليس وجوبها كذلك من باب المقدمة بل هي واجبة كذلك بعين وجوب الطبيعة كما سيأتي الكلام فيه إن شاء الله إلا أن هناك فرقا بين المقامين سنشير إليه إن شاء الله فإيجاب الفعل على أحدهم بالوجه المذكور عين إيجابه على الجميع بالوجه المذكور حسبما قررنا كما أن إيجاب أحد الفعلين في المخير عين إيجاب الجميع على وجه التخيير حسب ما مر وقد عرفت عود النزاع حينئذ لفظيا لكن لا يذهب عليك الفرق بين أحد الأفراد الملحوظ في الكفائي واحدها الملحوظ في المخير فإنه لا يمكن أن يلحظ الأحد في الأول إلا عنوانا للجزئيات المندرجة تحته ويكون الحكم متعلقا بتلك الجزئيات ابتداء وإن لوحظت بذلك العنوان الواحد