الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

271

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

إذ لا يعقل أن يكون نفس مفهوم الأحد من حيث هو متعلقا للتكليف إذ هو كذلك أمر كلي مبهم يستحيل وجوده في الخارج فلا يعقل أن يتعلق به التكليف الذي هو أمر خارجي والأحد في الثاني يمكن أن يلحظ عنوانا فلا يكون متعلق التكليف إلا خصوص الأفعال المندرجة تحته حسبما قررناه في المخير وأن يكون نفس مفهوم الأحد متعلقا للتكليف مرادا من المكلف من دون ملاحظة خصوصية الفعل الذي يصدق عليه فيكون كل من الفعلين الذي يصدق عليه فيكون مقصودا من حيث انطباق مفهوم الأحد عليه لا بخصوصه لما عرفت من كون ذلك المفهوم أمرا متعيّنا في الذمة يمكن تعلق التكليف به إلا أن هذا الاحتمال مدفوع في المخير بجهة أخرى مر تقريرها ثمة لا من جهة عدم إمكانه كما في المقام وبما ذكرنا يظهر فرق آخر بين الكفائي والتخييري في ذلك فإن المطلوب في المخير هو خصوص الأفعال المفروضة من غير أن يكون انطباق مفهوم الأحد عليها مدخلية في تعلق الأمر بها فليس المفهوم المفروض إلا عنوانا محضا والمطلوب هو خصوص تلك الأفعال على وجه التخيير وأما في المقام فيمكن القول بمثل ذلك أيضا إلا أن الظاهر تعلق التكليف هنا بخصوص كل من الأشخاص من حيث انطباق مفهوم الأحد عليه إذ لا يلاحظ فيه الطلب إلا من أحدهم ولا ربط لخصوص كل منهم في تعلق التكليف به فليس الطلب هنا متعلقا بمفهوم الأحد من حيث هو ولا خصوص كل من الأشخاص من حيث خصوصه لما عرفت من استحالة الأول وعدم ملاحظة خصوصية المكلف في المقام بل إنما المقصود حصول الفعل من واحد منهم فكل منهم إنما يتعلق به التكليف من حيث كونه واحدا منهم فمفهوم الأحد في المقام كلي طبيعي يتعلق به الأمر لا من حيث هو بل من حيث حصوله في ضمن أفراده واتحاده بها فيتعلق الأمر ابتداء بكل من آحاد الأشخاص من حيث انطباق المفهوم المذكور عليه لا لخصوصه ويكون ذلك المفهوم عنوانا لها ومرآتا لتصوّرها فبذلك يصح التعبير بتعلّق التكليف بجميع تلك الأشخاص على سبيل البدلية وتعلقه بمفهوم أحدها أيضا الثالث أن الواجب ما يستحق تاركه الذم والعقاب ومن البين أن الباقين لازم يتوجه عليهم ولا عقوبة مع فعل البعض فلا يتحقق وجوبه بالنسبة إليهم والجواب عنه أن الواجب ما يستحق تاركه الذم والعقاب في الجملة لا مطلقا وإلا لانتقض بالمخير والموسع كما مر وهو هنا حاصل لاستحقاقهم الذم والعقوبة على تقدير ترك الكل وربما يجاب عنه أيضا بأن عدم استحقاق الباقين للذم والعقوبة حينئذ إنما هو لسقوط الواجب عنهم نظرا إلى فوات موضوعه بفعل الغير لا لعدم وجوبه عليهم من أول الأمر وفيه ما عرفت من أن سقوط الواجب حينئذ إنما هو بأدائه وحصول مطلوب الأمر بفعله لا بمجرد سقوطه بانتفاء موضوعه فأداء الواجب بفعل البعض شاهد على وجوبه على البعض ويدفعه أن أداء الواجب بفعل البعض لا يقضي بوجوبه على البعض لصحة تعلق الوجوب بالكل على وجه يؤدّي الواجب بفعل البعض حسبما مر توضيح القول فيه فالحق أن يقال إنه مع ترك الكل يتوجه استحقاق الذم والعقوبة إلى الكل فهو شاهد على وجوبه على الكل وأداء الواجب بفعل البعض وسقوط الذم والعقوبة عن الباقين يفيد حينئذ كون الوجوب على الكل على سبيل البدلية دون الاجتماع كما مر الكلام فيه الرابع قوله تعالى فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ فإن ظاهر الآية الشريفة إيجاب النفر على الطائفة المبهمة من جهة تنكير الطائفة ولو كان واجبا على الجميع لما خص الطائفة بالذكر في مقام بيان التكليف وأجاب عنه العضدي وغيره بأن الظاهر مؤول بعد قيام الدليل على خلافه وقد عرفت قيام الدليل على وجوبه على الجميع فيئول ذلك بأن فعل الطائفة مسقط للوجوب عن الجميع قلت ويمكن أن يقال إنه لما كان فعل الطائفة مسقطا للوجوب في المقام خصهم بالذكر وإن لم يختص الوجوب بهم والتحقيق في الجواب ما عرفت من أن التعبير بإيجاب الفعل على الطائفة المطلقة الصادقة على كل من الآحاد لا ينافي القول بوجوبه على الجميع بدلا حسبما قررناه فلا فرق إذن بين التعبير بوجوبه على الطائفة تعيينا ووجوبه على الجميع بدلا نظير ما قررناه في المخير ولذا عبر في كثير من الكفائيات بذلك كما في قوله تعالى وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ . يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ * وقوله تعالى وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الخامس ما حكي عن بعض المحققين من أنه لو كان واجبا على الكل لكان إسقاطه عنهم بعد فعل البعض نسخا للوجوب لأنه رفع له ولا نسخ اتفاقا ورد ذلك بمنع الملازمة إذ ليس كل رفع للطلب نسخا فقد يكون ذلك بسبب انتفاء علة الوجوب كصلاة الجنازة بأن المقصود بها احترام الميت وقد حصل بفعل البعض فسقط عن الباقين لزوال علة الوجوب والفائدة في إيجابه على الجميع كون المقصود حينئذ أقرب إلى الحصول فظهر بذلك أنه ليس فعل البعض حينئذ قاضيا بالسقوط حقيقة بل إسنادا إليه على وجه المجاز والسبب المسقط إنما هو زوال علة الوجوب وأنت خبير بأن الجواب المذكور إنما يوافق القول بكون السقوط عن الباقين من جهة فوات الموضوع لا لأداء ما هو الواجب وقد عرفت وهنه والحق في الجواب أن ارتفاع التكليف في المقام إنما هو لأدائه ومن الواضح أن ارتفاع التكليف بذلك لا يكون نسخا وأداء الواجب في المقام وإن لم يتحقق بفعل الكل إلا أن وجوبه على الكل إنما كان على وجه يحصل أداؤه بفعل أي منهم حسب ما مر الكلام فيه ثم إنه ذكر بعض الأفاضل هذا الوجه حجة للقول الثالث قائلا بأنه لو تعين على كل واحد كان إسقاطه عن الباقين رفعا للطلب بعد تحققه فيكون نسخا فيفتقر إلى خطاب جديد ولا خطاب ولا نسخ فلا يسقط بخلاف ما إذا قلنا بوجوبه على المجموع فإنّه لا يستلزم الإيجاب على كل واحد ويكون التأثيم للجميع بالذات ولكل واحد بالعرض قلت لا يخفى أن جعل هذا التقرير حجة للقول المذكور لا يخلو عن خفاء والأولى في تقريرها حينئذ أن يقول إنه لو تعين الواجب على كل واحد منهم كان سقوطه عن الباقين بعد فعل البعض رفعا للطلب قبل الفعل بالنسبة فيكون نسخا وهو باطل اتفاقا وأيضا يتوقف حصوله على خطاب فلا نسخ وأنه لو لم يتعلق الوجوب بكل واحد منهم لم يصح قصد الوجوب من كل منهم ولم يجز تأثيم الجميع بتركهم فلا بد من تصوير ذلك على وجه يجمع بين ما ذكر وليس ذلك إلا القول بتعلقه بالمجموع على أن يراد وقوع الفعل من المجموع في الجملة بحيث إنه لو أتى به البعض صدق معه حصول الفعل من مجموع الجماعة فيصح من كل منهم قصد الوجوب ولا يحصل ترك الفعل من المجموع إلا عند ترك الجميع فيتعلق الإثم إذن بالمجموع بالذات وبكل منهم بالعرض وحينئذ فالجواب عنه أن طريق الجمع بين الأمرين المذكور لا ينحصر فيما ذكر بل يصح على ما قلناه من تعلق الوجوب