الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
269
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الفعل من البعض فهو غير معقول إذ لا معنى لوجوب الفعل الصادر من الغير على الآخر وإن أراد به وجوب صدور الفعل على تلك الجماعة في الجملة بحيث يحصل أداؤه من أي واحد منهم فليس مفاده إلا وجوب الفعل على الجميع على سبيل البدلية كما هو الحق في تفسير القول الأول بل هو المرجع للقول الثاني كما عرفت فيكون مرجع الأقوال الثلاثة إلى شيء واحد ويعود الخلاف بينها لفظيا هذا وقد حكي عن بعض المتأخرين أن الواجب الكفائي واجب مطلق على البعض الغير المعين وواجب مشروط على كل بعض مبهم بمعنى أنه يجب على كل بعض يشترط عدم قيام الباقين به وقد اختاره بعض المعاصرين زاعما أن كل واجب كفائي يشتمل على واجب مطلق ومشروط فالأول متعلق بالبعض الغير المعين والثاني بالجميع وظاهر كلامه في تفسير البعض الغير المعين أنه البعض اللا بشرط الصادق على كل بعض فيكون وجوبه على كل بعض من جهة انطباق اللا بشرط عليه فالخصوصية المتعينة غير ملحوظة في المقام وإنما يتعلق الوجوب بالكلي اللا بشرط الصادق عليه المتعين به وحكي في المقام عن بعض المتأخرين أن كل واجب كفائي يستلزم واجبا عينيا مشروطا يدل عليه الأمر بالكفائي بالالتزام وهو هذا الفعل بشرط عدم قيام غيره به فالواجب الكفائي واجب مطلق على بعض غير معين والواجب المشروط يجب على جميع الأفراد فإذا لم يقم أحد منهم به عوقب الكل بالترك لا لأجل تركهم الكفائي بل لتركهم الواجب المشروط مع تحقق الشرط ومع قيام البعض لا يعاقب الباقون بعدم تحقق شرط الوجوب فإن كان المقصود مما ذكر أولا هو ما ذكر هنا اتحد القولان وإلا اختلفا وكيف كان فهو ظاهر الوهن إذ ليس في الكفائي وجوبان ضرورة أنه ليس مطلوب الشارع إلا أمر واحد تحصل بقيام أي بعض منهم فإيجابه ذلك على كل منهم على سبيل البدل قاض بحصول الواجب بفعل أحدهم واستحقاقهم جميعا للعقاب على فرض ترك الكل حسب ما يأتي توضيح القول فيه فتعين الفعل على كل منهم على فرض ترك الباقين له هو عين وجوبه الكفائي الثابت أولا قبل فرض ترك غيره والظاهر أن القول المذكور إنما نشأ من ضيق الخناق في الجميع من حصول الواجب بفعل البعض واستحقاق الجميع للعقوبة على فرض ترك الكل حيث رأى أن الوجوب على البعض ينافي استحقاق الكل للعقوبة كما أن تعلق الوجوب في التخييري بأحدها ينافي استحقاقه العقوبة بالكل على تقدير ترك الجميع بل إنما يعاقب على أحدها فزعم حصول وجوبين في المقام على الوجه المذكور وقد عرفت ما يدفع الإشكال من غير حاجة إلى الالتزام بذلك على أنه يمكن أن يقال أيضا إن ما ذكره وإن صحح الحكمين المذكورين إلا أنه يلزم على تقدير ترك الجميع استحقاق العقوبتين أحدهما على ترك الواجب المشروط بعد تحقق شرطه بالنسبة إلى الكل الذي لازم الوجوب الكفائي على ما نص عليه ذلك البعض والآخر على ترك نفس الواجب الكفائي المتعلق بالبعض ولا قائل به وكيف يصح الحكم بوجوبه كذلك مع عدم استحقاق العقوبة على تركه أصلا إلا أن يقول بارتفاع ذلك الوجوب حينئذ بل ترقيه إلى العيني فيكون وجوبه كفائيا على تقدير قيام البعض به وعينيا على تقدير عدمه وهو كما ترى تعسّف ظاهر بل تمحل فاسد لا يوافق الخطاب المتعلق بالفعل ولا باعث على الالتزام به وما ذكره في تفسير البعض الغير المعين إن أراد به كون ذلك البعض عنوانا لكل من مصاديقه فيكون الوجوب متعلقا بكل من مصاديقه على سبيل البدلية حسبما قررناه فهو عين القول بوجوبه على الكل بدلا كما عرفت وإن أراد به وجوبه على أحدهم على سبيل الكلي اللا بشرط حسبما يقال في متعلق الوجوب في التخييري فيصدق ذلك مع كل من الآحاد فهو فاسد لما عرفت من إبهام اللا بشرط في الخارج وإنما يصح تعلق الوجوب في التخييري من جهة تعلقه به في الدية وهو متعين فيه كما يتعين الكلي في الذهن وسيأتي توضيح القول فيه ثم إنه مع البناء على ظاهر الاختلاف بين الأقوال المذكورة فلنذكر حجج القائلين بها فنقول حجة الأولين بعد اتفاق الإمامية عليه حسبما يظهر منهم وجوه أحدها أنه لو وجب على البعض لما استحق الجميع للعقاب على تقدير تركهم له لوضوح أن استحقاقه العقاب يتبع تعلق الوجوب به فإذا تعلق استحق كل منهم العقوبة بتركه دل على وجوبه حينئذ على كل بخصوصه إذ لولا ذلك لكان استحقاقه العقوبة بترك ما وجب على غيره أو بترك الغير ما وجب عليه وهو غير معقول وأما بطلان التالي فلقيام الإجماع على استحقاق الجميع حينئذ للعقوبة وقد حكاه جماعة منهم العلامة والسيد العميدي وشيخنا البهائي والفاضل الجواد والحاجبي وقد يورد عليه بوجوه الأول أنه لا ملازمة بين تأثيم الكل واستحقاقهم للعقوبة والوجوب على الكل إذ يمكن القول بوجوبه على مطلق البعض وتأثيم الكل عند ترك الكل ألا ترى أنه يصح للمولى أن يقول لعبيده ليأت أحدكم بهذا الفعل في هذا اليوم البتة ولو تركتموه أجمع لأعاقبكم جميعا على ترك مطلوبي ويحكم العقلاء حينئذ بتأثيم الجميع واستحقاقهم للعقوبة مع إيجابه الفعل على أحدهم وفيه أنه إن أريد بوجوبه على مطلق البعض كون المكلف هو البعض في الجملة من غير أن يتعلق الوجوب بكل منهم فقضاء ذلك بتأثيم الجميع غير معقول بل قضية ذلك هو تأثيم المكلف الذي هو البعض واستحقاق العقوبة عند المخالفة ضرورة قضاء ترك المأمور به بتأثيم المكلف عند المخالفة واستحقاق العقوبة دون غيره وهو مع مخالفته للإجماع مما لا يحصل له وإن أريد وجوبه حينئذ على كل واحد واحد من جهة كونه بعضا منهم فهو عين القول بوجوبه على الكل حسب ما يأتي توضيح القول فيه إن شاء الله وعليه يحمل المثال المفروض الثاني ما أشار إليه جمال المحققين في حواشيه على العضدي من منع التنافي بين تعلق الوجوب بالبعض المبهم وتعلق الإثم بالجميع بل لا مانع منه وكون ذلك غير معقول ممنوع فإن الظاهر كما يشهد به الملاحظة الصحيحة تعلق الوجوب أولا على البعض المبهم والغرض صدور الفعل من البعض أيّ بعض كان لكن لم يكن تأثيم غير المعين معقولا تعلق القصد ثانيا بتأثيم الجميع لو تركوه ولا يمكن إنكار ذلك فضلا عن أن لا يكون معقولا وفيه أنه إن أراد بذلك كما هو الظاهر من كلامه أن تعلق الوجوب بالبعض على الوجه المذكور لما لم يكن قاضيا بتأثيم الجميع وعصيان الكل عند المخالفة حسبما قررناه فلا بد في الحكم بتأثيم الكل من تعلق قصده بتأثيم الجميع على فرض المخالفة حتى يمكن إسناد الإثم إليهم جميعا فهو غير معقول المعنى إذ لو أراد من تعلق قصده ثانيا بتأثيم الكل حكمه بالوجوب على الكل ليتفرع عليه تأثيمهم على تقدير المخالفة فهو قول بتعلق الوجوب بالكل واعتبار إيجابه ذلك عليهم ثانيا مما لا ثمرة فيه بل لا وجه له أصلا إذ لو كان تأثيم البعض المبهم غير معقول كان الحكم بوجوبه على البعض كذلك غير معقول أيضا لمساوقتهما وإن أراد مجرد الحكم بتأثيم الجميع ثانيا ليتفرع عليه عصيان الكل على تقدير المخالفة من غير أن يتعلق الإيجاب حينئذ بالكل فهو أيضا بين الفساد إذ لو لم يكن مخالفة التكليف المفروض قاضيا بتأثيم