الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
266
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وقتا يدل عليه ولا دليل على تقييده وكون حصول التضييق من جهة الظن الفاسد قاضيا به أول الدعوى وقضية الأصل عدمه مع ما عرفت من ظهور فساده بل قد عرفت أنه مع صدق الظن ومطابقته للواقع لا يكون ذلك الوقت خارجا عن التوقيت غاية الأمر أن لا يتمكن المكلف من الإتيان بالفعل فيه فإن التوقيت حكم وضعي حسب ما أشرنا إليه هذا واعلم أنه لا ثمرة للخلاف المذكور في المقام إلا في نية الأداء والقضاء لو قيل بوجوب تعيين ذلك وهو ضعيف نعم قد يجعل الثمرة جواز نية الأداء على المشهور وجواز نية القضاء على الآخر إذ لا يجوز قصد الخلاف ولو جعل الثمرة فيه جواز تأخير الفعل إذن عن الوقت الموظف بناء على القضائية لكونه قضاء في الجميع فلا اختصاص له بالوقت المفروض بخلاف ما لو كان أداء كان فاسدا إذ الظاهر عدم التزام أحد بذلك والاتفاق عن الكل قائم على خلافه ومنه يظهر فساد جعل الثمرة في المقام توقفه على الأمر الجديد بناء على كونه قضاء إذ لا قائل ظاهرا بتوقفه على ذلك وسقوط الأمر الأول فلعل القاضي يقول بكون القضاء بالأمر الأول مطلقا أو يفصل بين هذا النحو من القضاء وغيره فيكتفي في ذلك بالأمر الأول دون غيره رابعها لو ظن السلامة فأخر الفعل ثم مات فجأة في أثناء الوقت أو طراه مانع بغتة فلم يتمكن من الفعل في باقي الوقت فهل يكون عاصيا بترك الفعل أو لا عصيان في شأنه التحقيق الثاني إذ المفروض جواز التأخير شرعا كما هو مفاد توسعة الوقت فإذا كان جائزا وتفرع عليه ترك الفعل لم يعقل منه صدور العصيان ولم تصح عقوبته عليه إذ لا عقاب على الجائز وقد يورد عليه بأن الجائز شرعا هو التأخير والإتيان بالفعل في الوقت الأخير دون الترك وحيث كان المظنون هو الإتيان به فيما بعد الأول جوز الشارع له التأخير والإتيان به بعد ذلك وليس المجوز له شرعا ترك الفعل وإلا لخرج الواجب عن الوجوب ومحصّل ذلك أن المجوز هو التأخير بشرط سلامة العاقبة فلا يجوز مع عدمها وأورد عليه بأن سلامة العاقبة مما لا يمكن العلم بها فلو كانت شرطا في المقام لأدى إلى التكليف بالمحال لإحالة التأخير حينئذ على أمر مجهول يمتنع العلم به ودفع ذلك بأنه إنما يلزم التكليف بالمحال لو كان التأخير واجبا أما لو كان جائزا فلا لجواز التقديم أيضا فيكون المكلف به هو القدر الجامع بين الأمرين من التقديم والتأخير المشروط بالشرط المحال ولا استحالة فيه إذ القدر الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور وأجيب عنه بأن الواجب حينئذ هو التقديم إذ يتعين عليه في مقام الامتثال اختيار المقدور فلا يجوز له التأخير عن الأول الأزمنة فيكون واجبا مضيّقا لا موسعا هذا خلف وأيضا يكون الحكم بجواز التأخير حينئذ لغوا غير جائز على الحكم نظرا إلى عدم إمكانه لتوقفه على الشرط المحال ويمكن أن يقال إن توقف التأخير على سلامة العاقبة لا يقضي بتوقفه على العلم بها ليرد ما ذكر بل يكتفي في ذلك بالظنّ نظرا إلى انسداد سبيل العلم به وهو ممكن الحصول في العادة فإن قلت إن الاكتفاء فيه بالظن قاض بانتفاء الإثم إذ المفروض حصول الظن المفروض وطرو المانع بغتة فلا عقاب على الجائز قلت ليس الظن المفروض شرطا في الجواز ليجوز التأخير في الواقع مع حصوله وإنما الشرط في المقام هو السلامة لكن لما لم يتمكن المكلف من العلم بها اكتفي فيه بالظن فهو إنما يكون طريقا إلى حصول الشرط لا عينه فإذا تخلف الطريق عن الواقع تفرع على الواقع ما يتفرع عليه من الإثم والعقوبة فالعقوبة المتفرعة على ترك الواجب الحاصل بالتأخير لا يتخلف عنه في المقام إلا أنّه لما كان المكلف مطمئنا من أداء الواجب وعدم حصول الترك منه جاز له التأخير عن تلك الجهة ولو كان معتقدا حصول العقوبة على فرض التخلف وحصول الترك فلا ينافي ذلك تفرعه عليه ولا تجويز الشرع أو العقل الإقدام عليه في هذه الحال ألا ترى أنه لو ظن سلامة الطريق جاز له السفر بل وجب عليه مع وجوبه ولا يقضي ذلك بعدم تفرع ما يترتب على السفر من المفاسد المحتملة فيه والعقل والشرع إنما يجوزان الإقدام من جهة بعد ذلك الاحتمال وإن تفرع عليه ذلك على فرض خطاء الظن المفروض فأي مانع في المقام من تفرعه عليه مع ظهور الخطأ ويدفعه أن الآثار المتفرعة هناك إنما تترتب على نفس الأفعال والأثر المترتب هنا إنما يتفرع على حصول العصيان والإقدام على المخالفة وحيث تحقق منه الإذن في التأخير مع ظن السلامة فلا إقدام على المعصية ضرورة وإن تخلف الظن عن الواقع وحصل ترك المطلوب لتحقق الترك حينئذ على الوجه المشروع السائغ المأذون فيه من الأمر فلا يتعقل ترتب العقوبة عليه من تلك الجهة مع عدم مخالفته لمولاه وجريانه على مقتضى إرادته وإذنه فليس ما تقوله من انتفاء العقوبة مبنيا على الملازمة بين الاكتفاء بظن سلامة العاقبة وحصول السلامة ضرورة حصول التخلف في المثال المفروض وغيره وإنما المقصود عدم إمكان حصول الإقدام على العصيان مع تجويز التأخير إذ اتفق معه حصول الترك من غير اختياره ومن هنا قد يتخيل الفرق بين الواجبات الموسعة في حكم الشرع وما حكم بتوسعة الوقت العقل إذ مع تجويز الشرع للتأخير لا يعقل منه التأثيم والعقوبة على الترك المتفرع على تجويزه وأما لو كان ذلك بحكم العقل من دون حكم الشرع بجواز التأخير فلا يتجه ذلك فإن الأمر يريد الفعل من المأمور لا محالة في أي جزء كان من الزمان في غير فرق عنده بين إيقاعه في الأول أو غيره والعقل إنما يجوز التأخير من جهة الظن أو لاطمئنان بحصول مطلوب الشارع في الزمان الثاني أو الثالث مثلا على نحو ما ذكر في المثال فإن قلت إن تجويز العقل التأخير كتجويز الشرع لما تقرر من أن ما حكم به العقل فقد حكم به الشرع فأي فرق بين الصورتين قلت إن العقل في المقام لا يجوز التأخير الذي يترتب عليه الترك وإنما يجوز التأخير من جهة اطمئنانه بحصول المطلوب في الثاني مثلا ولذا ترى أنه يجوز ذلك مع اعتقاده تحقق الإثم والعقوبة على فرض تفرع الترك على التأخير لبعد ذلك الاحتمال في نظره كما في احتماله اخترام السبع له أو قتل اللص في إقدامه على السفر مع ظن سلامته فحكم العقل بجواز التأخير على الوجه المذكور لا ينافي تفرع العقوبة على فرض التخلف لئلا يلزم المطابقة بين الحكمين بل لو حكم الشرع أيضا بجواز التأخير على الوجه المذكور من جهة اطمئنانه بعدم حصول العصيان لم يمنع ذلك من عقوبته على فرض حصول العصيان وإنما قلنا بالمنع أولا من جهة إطلاقه التجويز هذا غاية ما يتخيل في المقام لكنك خبير بأن ذلك لا يصحح تفرع العقوبة ولا تحقق العصيان إذ ليس العصيان مجرد ترك المأمور به لحصوله من الساهي والناسي ونحوهما مما لا كلام في عدم عصيانه وإنما العصيان بترك المأمور به على وجه غير مأذون فيه والمفروض حصول الإذن في التأخير الملازم للترك بحسب الواقع