الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
267
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وإن لم يعلم به المأمور فلا يعقل حصول العصيان سواء حصل ذلك الإذن من الشرع على الوجه المذكور أو غيره أو من العقل الذي أمر الشرع باتباعه وقضى البرهان بموافقته لحكم الشرع وكونه من أدلته فالتحقيق في المقام عدم تحقق العصيان وعدم ترتب الذم والعقوبة على ذلك في المقام مطلقا خامسها أنه لو شك في تمكنه من الفعل مع التأخير أو خروج الوقت ففي جواز التأخير وجهان من استصحاب القدرة وبقاء الوقت وثبوت جواز التأخير بحكم الشرع في الصورة الأولى فلا يدفع بمجرد الاحتمال ومن وجوب الفعل وعدم جواز الإقدام على تركه ومع الشك المفروض يكون في تأخيره الفعل إقدام على ترك الامتثال لعدم اطمئنانه إذن بأداء الواجب فقد يتأمل في شمول ما دل على جواز التأخير لتلك الصّورة وقد يفصل في ذلك بين الموسع الموقت والتوسع الثابت بحكم العقل في الواجب المطلق فيقال بجواز التأخير في الأول نظرا إلى إطلاق الإذن في التأخير بخلاف الثاني فإن حكم العقل بجواز التأخير إنما هو من جهة وثوقه بحصول الفعل ولا وثوق مع الشك ويمكن أن يقال بدوران الحكم في المقامين مدار خوف الفوات بالتأخير وعدمه فيمنع منه مع حصول الخوف في الصورتين دون ما إذا لم يخف الفوات هذا كله في جواز التأخير وعدمه وأما إذا أخره حينئذ سواء قلنا بعصيانه أو لا فلا ريب في الحكم بكونه أداء إلى أن يثبت خروج الوقت ومنه يظهر قوة القول بجواز التأخير فيما إذا اعتقد بقاء الشك المفروض مع التأخير لتمكنه حينئذ من أداء الفعل فيما يحكم شرعا بكونه من الوقت ولو كان بقاء شكه من جهة ترك الاستعلام مع تمكنه منه ففي جواز التأخير نظر ولو أخره فالظاهر عدم وجوب الاستعلام وكونه أداء مع عدم ظهور خروج الوقت سادسها أنه لو كان بانيا على ترك الفعل مطلقا في أول الوقت ثم اتفق موته فجأة مثلا في أثناء الوقت فهل يكون عاصيا بترك الفعل لصدق كونه متعمدا لترك الواجب أو أنه لما كان التأخير جائزا في حكم الشرع لم يتحقق منه عصيان بالتأخير والترك الحاصل فيما بعد ذلك مقرون بعدم التمكن من الفعل فلا تكليف إذن ليتصور معه العصيان فهي كصورة العزم على الفعل حسبما مر غاية الأمر أن يكون حينئذ عاصيا بترك العزم أو العزم على الترك على القول بوجوب العزم أو تحريم العزم على الترك ولا ربط لذلك بالعصيان لترك أصل الفعل وجهان كان أوجههما الأول لا من جهة وجوب العزم وبدليته عن الفعل بل لما عرفت من صدق تعمده لترك الواجب حينئذ عرفا واتفاق انتفاء التمكن منه في الأثناء لا يدفع الصدق المذكور نعم لو ندم عن ذلك وكان بانيا على الفعل على فرض التمكن منه فربما أمكن القول بعدم صدق ذلك إلا أنه لا يخلو عن بعد ولو كان غافلا عن الفعل في الآخر غير ملتفت إليه فالظاهر عدم ترتب الإثم حينئذ على التأخير لعدم صدق تعمد الترك ولو كان متذكرا للفعل في الآخر مترددا في الإتيان به وعدمه فوجهان سابعها أنه لو أتى بما يرفع التمكن من الفعل فإن كان ذلك قبل دخول الوقت وتعلق الوجوب بالمكلف فيما يكون الوقت شرطا للوجوب فالظاهر أنه مما لا مانع منه في المضيق والموسع وإن كان بعد دخول الوقت الموسع فإن كان مانعا من الإتيان به في تمام الوقت مع العلم به فالظاهر أنه في حكم تعمد الترك والظاهر أنه لا فرق بين ما إذا كان متمكنا من الفعل حين الإتيان بذلك المانع أو غير المتمكن منه لجهة أخرى إذا لم يكن مانعا منه في جميع الوقت علما أو ظنا ولو علم ببقائه فلا مانع من تعرضه للآخر وكذا الحال لو أتى بذلك قبل دخول الوقت فيما لا يكون الوقت شرطا في وجوبه إذا علم كونه مانعا منه في جميع الوقت ولو شك في ارتفاع المانع الحاصل قوى المنع من التعرض لمانع آخر يمنع من الفعل مطلقا علما أو ظنا ولو ظن بقاء الحاصل ففي جواز إتيانه بمانع آخر يعلم معه المنع وجهان أوجههما المنع ولو ظن معه بالمنع أيضا ففيه وجهان ولو كان شاكا في كون ما يقدم عليه مانعا من الإتيان بالواجب في جميع الوقت ففي جواز الإقدام عليه حينئذ وجهان وذلك كما إذا أراد النوم بعد دخول الوقت وكان شاكا في تيقظه قبل انقضاء الوقت وأما إذا كان ظانا بالانتباه فلا يبعد الجواز وحينئذ فإن اتفق استمراره على النوم لم يكن عاصيا حسب ما مر وثامنها أنه قال بعض الأفاضل ومما يتفرع على توسيع الوقت وحصول التخيير بين جزئيات الأفعال المتميزة بحسب أجزاء الوقت وحصول التخيير بين لوازم تلك الأفعال بحسب تلك الأوقات كما إذا كان مقيما في بعض أجزاء الوقت مسافرا في بعضها وكونه صحيحا في بعضها مريضا في البعض واجدا للماء في بعضها فاقدا له في آخر فيتخير بين تلك الخصوصيات واللوازم كما أنه يتخير بين نفس الأفعال ليتبع إذ التخيير بين الأفعال ليتبع التخيير في لوازمها قال رحمه الله فلا يمكن التمسك باستصحاب ما يلزم المكلف في أول الوقت في جزء آخر فالمكلف في أول الظهر إنما هو مكلف بمطلق صلاة الظهر فعلى القول باعتبار حال الوجوب في مسألة القصر في السفر لا يمكن التمسك باستصحاب وجوب التمام أول الوقت أقول قضية ما ذكره رحمه الله جواز أداء الواجب لأصحاب الأعذار في أول الوقت من غير حاجة إلى التأخير مع رجاء زوال العذر وعدمه بل ومع الظن أو القطع بارتفاعه بل الظاهر مما ذكره قضاء ذلك بجواز التأخير مع عدم حصول العذر في الأول إذا ظن أو علم بحصوله مع التأخير بل ويجوز إذن إيجاده العذر المسقط للخصوصية الاختيارية نظرا إلى ما زعمه من التخيير وهذا الكلام على إطلاقه مما لا وجه له أصلا وتوضيح الكلام في المقام أن الخصوصيات التابعة لكل من تلك الأفعال الخاصة إما أن تكون ثابتة للطبيعة المطلقة في حال الاختيار فتكون متساوية الثبوت بالنسبة إليها أو تكون مختلفة في ذلك فيثبت بعضها في حال الاختيار وبعضها في حال الاضطرار ثم إن تلك الخصوصية إما أن تكون معلوم الثبوت للجزئي الواقع في الزمان الخاص أو تكون مشكوك الثبوت له فيفتقر الحكم بثبوتها له على إقامة الدليل عليه فإن كانت تلك الخصوصيات في درجة واحدة فلا ريب في تخيير المكلف بينها كالصّلاة التامة والمقصورة والصلاة مع الوضوء أو الغسل الرافع وإن كان ثبوت أحدهما في حال الضرورة لم يجز له تأخير الواجب إليه مع تمكنه أولا من الخصوصية الاختيارية لتعين ذلك عليه حينئذ فلا يجوز له تركه مع الاختيار والتخيير الحاصل من التوسعة ولو قلنا به على نحو ما يظهر من المصنف رحمه الله لا يفيد ذلك إذ أقصى الأمر أن تفيد التخيير كذلك بين الخصوصيات الاختياريّة وأما تخييره بين الاختياري والاضطراري فلا يكون على وجه الترتيب فلا يجوز ترك الأول مع الإمكان والاختيار الثاني فتفريع ذلك