الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

265

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بتأخير الفعل في المقام أو الاقتصار على الصلاة إلى الجهة الواحدة أو وطي واحدة منهما فقد تجري على العصيان وعصى من تلك الجهة قطعا وإن انكشف خلاف ظنه في المقام أو تبين بعد ذلك مصادفة ما فعله للجهة اتفاقا أو كون الموطوءة هي زوجته إذ قضية ذلك عدم تحقق العصيان بالنسبة إلى التكليف المتعلق بنفس الفعل وأما بالنسبة إلى تكليفه بتحصيل اليقين بتفريغ الذمة بعد تيقن الاشتغال ووجوب تحصيل الاطمئنان حينئذ بعدم الإقدام على ترك الواجب وفعل الحرام فلا إذ من البين عدم حصول الواجب المذكور واستحقاقه العقوبة إنما هو من تلك الجهة لا من جهة ترك المقدمة نفسها كيف ومن البين أن تكرار الفعل في اشتباه القبلة والاجتناب عنهما في اشتباه الزوجة إنما هو من قبيل مقدمة العلم دون مقدمة نفس الواجب وترتب العقاب على ترك المقدمة المفروضة إنما هو من جهة عدم حصول الواجب الذي هو العلم فكذا الحال في المقام وانكشاف التمكن من أداء الواجب بعد ذلك غير قاض بانتفاء الإثم كما هو الحال في المثالين سواء قلنا بوجوب المقدمة أو لم نقل به فترتب العقاب على ترك المقدمة في المقام إنما هو من جهة أدائه إلى ترك الواجب المذكور والإقدام على التجري على ترك الواجب دون ترك نفس الفعل وذلك ظاهر ثالثها أنه لو ظهر كذب ظنه فأتى بالفعل في الوقت المفروض فهل يكون مؤديا أو قاضيا فيه خلاف والمعروف هو الأول بل الظاهر إطباق علمائنا عليه إذ لم ينقل منهم خلاف في ذلك والخلاف فيه محكي عن القاضي أبي بكر من العامة فقد اختار كونه قاضيا والحق هو الأول والوجه فيه واضح نظرا إلى وقوعه في الوقت المقدر له شرعا ووجوب التعجيل فيه عند ظن الوفاة إنما كان من جهة الاطمئنان بعدم تفويت الواجب حسبما مر لا من جهة كون ذلك هو وقته الموظف له وتوضيح ذلك أن وقت الموسع الموقت محدود واقعا بأحد الأمرين من الحد المعين من الوقت وما ينتهي إليه التمكن من الفعل فيدور تحديده في الواقع بين الأمرين ويكون السابق منهما هو حده الذي ينتهي الوجوب إليه وإنما تعين عليه الفعل عند حصول الظن المفروض لظنه كون الحد بالنسبة إليه هو الثاني فلما تبين الخلاف ظهر له كون الحد هو الأول فكان أداء هذا والذي يقتضيه التحقيق في المقام أن يقال إن بقاء المكلف إلى آخر الوقت أو تمكنه من الفعل إلى الآخر مما لا ربط له بالتوقيت بل التحديد بالوقت الخاص حاصل على كل حال فإنه من الأمور الوضعية ولا يختلف الحال فيه بين القادر والعاجز غاية الأمر أن لا يكون مكلفا بالفعل في أوقات العجز ولذا لو لم يتمكن من الفعل في آنات متفرقة بين الوقت لم يكن التوقيت متبعضا متجزيا على حسب ذلك فالتوقيت هو تقييد الفعل بالزمان الخاص وتحديد إيقاعه بالحد المعين من الزمان وقضية ذلك أنه لو أتى به المكلف في الزمان المفروض كان أداء وكان واجبا مبرئا لذمته على تقدير استجماعه لشرائط التكليف به ولا ينافي ذلك امتناع صدوره منه في بعض أجزاء الوقت كما أن تقييد الفعل بإيقاعه في مكان متسع محدود إذا لم يتمكن المكلف من إيقاعه في بعض أجزائه لا يقضي بتحديد ذلك الفعل بخصوص البعض المقدور عليه بل ليس المكان المعين له إلا جميع ذلك غير أن المكلف لا يقدر إلا على أدائه في البعض منه فيجب عليه اختيار المقدور فكذا الواجب في المقام مع عدم تمكن المكلف عن أدائه في بعض أجزاء الوقت هو أداؤه في البعض المقدور من غير لزوم توقيت آخر للفعل فإن قلت إنه إذا ارتفع عنه المكلف عند انتفاء القدرة عليه لم يتصف الفعل إذن بالوجوب ومعه لا وجه لاتصافه إذن بالوجوب الموسع قلت مفاد توسعة الوجوب في المقام هو كون الوجوب المتعلق بالفعل في أصل الشريعة مقيدا بجميع الوقت المتسع وهي تتبع توقيت الفعل بالزمان المفروض وتعيينه ذلك الوقت زمانا لأدائه بحيث لو أتى به في أوله أو وسطه أو آخره كان أداء له في الوقت الموظف وهو كما ذكرنا حكم وضعي لا يختلف الحال فيه بين استجماعه لشرائط التكليف في جميع ذلك الوقت وعدمه فغاية الأمر أنه مع عدم تمكنه منه في بعض أجزاء الوقت أن يتعين عليه الإتيان به في الباقي إذا علم أو ظن ذلك نظير المخير إذا تمكن من واحد منها ولم يتمكن من الباقي فإنه يتعين عليه الإتيان بالمقدور مع كون الوجوب المتعلق به في أصل الشريعة تخييريّا فهناك وجوب للفعل في أصل الشريعة في جميع ذلك الوقت بحيث أنه لو أتى به في أيّ جزء من أجزائه كان مؤدّيا له في وقته الموظف لولا حصول مانع من تعلق التكليف به ووجوب الفعل بالنسبة إلى المستجمع لشرائط التكليف واقعا ووجوبه له متعلق بالمكلف على حسب ما يعتقد تمكنه من الفعل وعدمه والثالث حكم ظاهري يختلف بحسب اختلاف اعتقاد المكلف على ما هو الحال في المقام حيث ظن عدم التمكن من الفعل فيما بعد ذلك الزمان فتعين عليه الفعل حينئذ ولم يجز له التأخير عنه ثم لما انكشف عليه الخلاف جرى تكليفه على نحو ما انكشف له ومبنى كلام القاضي على ملاحظة الوجوب على الوجه المذكور ومع زعمه كون ذلك تحديدا واقعيا والثاني حكم واقعي لا يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الاعتقاد إلا أنه يجب عليه الجري في الظاهر بعد ظهور الحال عنده حسب ما مر وعلى هذا الوجه مبنى الجواب المتقدم فيكون الوجوب على الوجه الأول ظاهريا حسب ما قررناه دون ما زعمه والأول هو حكمه المقرر في أصل الشريعة وتعلقه بالمكلف واقعا أو ظاهرا موقوف على اجتماع شروطه وعليه مبنى التوقيت والجواب الذي اخترناه في المقام مبني على ملاحظة ذلك فعلى هذا يكون ذلك الوقت بأجمعه وقتا موظفا لذلك الفعل وإن لم يتمكن المكلف من أدائه في بعض أجزائه أو زعم عدم تمكنه منه فلو انكشف له خلافه فأتى به فيه فلا قاضي بكونه قاضيا مع أدائه له في الوقت المقرر كيف ولو اعتقد عدم تمكنه من أحد الواجبين المخيرين تعين عليه الآخر في ظاهر التكليف على النحو المفروض في المقام ولو انكشف خطاؤه في ذلك قبل الإتيان به فتمكن من الآخر لم يزل عنه التخيير الثابت له بأصل الشرع من جهة تعين الآخر عليه بالعارض فكذا الحال في المقام إذ لا يعقل فرق بين المقامين كما لا يخفى ولا فرق في ذلك بين الموسع الموقت وغيره وإطلاق الأمر في الثاني قاض بذلك أيضا حجة القاضي على كونه قاضيا تعين ذلك الوقت للفعل عند حصول الظن المفروض وعدم جواز التأخير عنه فلا توسعة في الوجوب بالنسبة إلى ما بعد ذلك فإذا أخر عنه كان قضاء إذ ليس مفاده إلا إيقاع الفعل خارجا عن الوقت المعين له شرعا وضعفه ظاهر بعد ما قررناه إذ مجرد تضيق الوجوب بالعارض لمجرد ظن المكلف لا يقضي بخروج الوقت المقرر شرعا عن كونه وقتا سيما بعد ظهور خطائه في ظنه وظاهر إطلاق النص القاضي بكونه