الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

248

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

قد يكون مع عدم المنع من الترك بالمرة فلا يكون الترك ممنوعا منه على سبيل السلب الكلي وهذا هو الطلب الحاصل في المندوب وقد يكون مع المنع من الترك في الجملة على سبيل الإيجاب الجزئي في مقابلة السلب الكلي المأخوذ في النوع الأول وهذا هو المأخوذ فصلا للوجوب فإن قلت إنه ينتقض حد الواجب حينئذ ببعض الأفعال التي يجب على بعض الأحوال دون بعضها لحصول المنع من تركه في الجملة مع أنه ليس واجبا مطلقا قلت إن الحاصل هناك طلبان متعلقان بالفعل يتقيد أحدهما بعدم المنع من الترك مطلقا والآخر بالمنع منه بخلاف المقام فإن هناك طلبا واحدا يتقيد بالمنع من الترك في الجملة وهو الذي ينطبق عليه الحد دون الصورة المفروضة وحينئذ ينقسم ذلك إلى قسمين أحدهما أن يتعلق المنع بترك ذلك الفعل بالخصوص وهو الوجوب التعييني وثانيهما أن يتعلق بترك ذلك الفعل وما يقوم مقامه وهو الوجوب التخييري وحينئذ فالطلب متعلق بكل من الأفعال التي وقع التخيير بينها وكذا المنع من الترك على الوجه المذكور ولذا صح عد كل منها واجبا بالأصالة على الحقيقة وقضية الطلب الواقع على الوجه المفروض حصول الامتثال بفعل واحد منها فإن مقتضى ما أخذ فيه من المنع من الترك على الوجه الذي قررناه عدم ترك الجميع الحاصل بفعل البعض لا يقال إن قضية ما ذكر من تعلق الطلب بكل واحد منها حصول الامتثال بالفعل الثاني والثالث مثلا من تلك الأفعال وإن ارتفع المنع من الترك بفعل الأول مع أن الحال على خلاف ذلك إذ بعد الإتيان بواحد منها لا يبقى هناك تكليف أصلا لأنا نقول إن الطلب الجنسي الحاصل في المقام المتعلق بكل منها متقوم بالمنع من الترك الملحوظ على الوجه المذكور فإذا فرض انتفاء الترك المتعلق للمنع بفعل واحد منها فقد ارتفع المنع المتعلق به وبارتفاعه يرتفع الطلب المتقوم به إذ ليس الحاصل هناك إلا طلبا خاصا على الوجه المذكور هذا [ نسخة ] ارتفاع المنع من الترك بفعل واحد منها قضى ذلك بارتفاع الطلب المتقوم به فلا وجه لتحقق الامتثال بعد ذلك هذا وقد ظهر بما ذكرنا أنه ليس الطلب في المقام متعلقا بالأصالة بمفهوم أحدهما ولا المنع من الترك متعلقا به كذلك وإنما يتعلق الطلب بخصوص كل من الأفعال المفروضة كما هو ظاهر من ملاحظة الأوامر المتعلقة بهما وكذا المنع من الترك فإنه قيد مقوم للطلب المفروض فيدور مداره غاية الأمر أنه يصح الحكم بعد ملاحظة الأوامر المذكورة بوجوب أحد تلك الأفعال على سبيل التعيين وعدم جواز تركه مطلقا من غير أن يكون المفهوم المفروض ملحوظا في المكلف به بوجه من الوجوه إذ ليس متعلق الأمر أصالة إلا كل واحد من الأفعال المفروضة بالخصوص ولو فرض تعلق الأمر أصالة بأداء واحد من تلك الأفعال فليس المكلف به أيضا إلا خصوص كل واحد منها على وجه التخيير وإنما أخذ مفهوم الواحد هناك مرآتا لملاحظة كل واحد منها والحكم أنما يتعلق بكل من تلك الخصوصيات دون المفهوم المذكور كما لو تعلق صريح الأمر بكل منها على سبيل التخيير من غير فرق بين مفاد التعبيرين المذكورين أصلا فيكون الوجوب التعييني المتعلق بمفهوم أحدها على الوجه المذكور تابعا لما ذكر من وجوب كل منها بخصوصه على سبيل التخيير وتفصيل المقام أن كلا من الوجوب التعييني والتخييري إما أن يكون أصليا أو تبعيا فالوجوه أربعة والأمر في الوجوب التعييني الأصلي ظاهر كالوجوب التخييري الأصلي كخصال الكفارة وأما الوجوب التعييني التبعي فكمطلوبية أحد تلك الحصة على سبيل التعيين فإنه تابع لتعلق الخطاب بتلك الأفعال على سبيل التخيير والوجوب التخييري التبعي كوجوب الإتيان بأفراد الطبيعة على سبيل التخيير عند تعلق الأمر بهما فكل واجب تخييري أصلي يلزمه وجوب تعييني تبعي كما أن كل واجب تعييني أصلي يلزمه وجوب تخييري تبعي إذا تعلق الوجوب بطبيعة كلية لا بأن يكون هناك تكليفان مستقلان يكون أحدهما عينيّا والآخر تخييريا بل إنما الحاصل في المقام هناك تكليف واحد يختلف الحال فيه بحسب الاعتبارين المذكورين فهما اعتباران حاصلان بإيجاب واحد يتعلق بأحدهما على سبيل الأصالة ويتبعه صدق الآخر من غير أن يقوم به فرد آخر من الوجوب كما هو الحال في الوجوب التبعي الحاصل للأجزاء بالوجوب المتعلق بالكل فإن هناك وجوبا واحدا يتعلق أصالة بالكل وتبعا بالأجزاء فهي واجبة بوجوب الكل وإن ثبت هناك وجوب آخر للأجزاء من جهة أخرى حسبما مرت الإشارة إليه في مقدمة الواجب وذلك نظير ما تقرر في الدلالة المطابقية والتضمنية فإن هناك دلالة واحدة لها اعتباران يعد بالنسبة إلى أحدهما مطابقة وبالنسبة إلى الآخر تضمنا فأحد ذينك الاعتبارين تابع للآخر من غير أن يكون هناك دلالتان متعددتان في الواقع تكون إحداهما تابعة للأخرى فنقول بمثل ذلك في المقام فإن الوجوب الحاصل هنا أيضا واحد يختلف الحال فيه بحسب الاعتبارين المذكورين فهناك وجوب متعلق أصالة بكل من تلك الأفعال على وجه التخيير بينها ويتبعه صحة اتصاف أحدها بالوجوب الحتمي التعييني من غير أن يكون هناك وجوبان وكذا الحال في اتصاف الماهية بالوجوب التعييني فإنه يتبعه وجوب أفرادها بالوجوب المتعلق بالطبيعة لاتحادها معها على سبيل التخيير بينها فوجوب الأفراد كذلك وجوب نفسي تبعي حاصل بعين وجوب الطبيعة حسبما قررنا فظهر بذلك أن الحال في الواجبات التخييرية على عكس الواجبات التعيينية وأن كل واحد من الخصال المخير فيها مطلوب للآمر بخصوصه وإن صدق معه تعلق الوجوب بالقدر الجامع بينها كما أن القدر الجامع في الواجب التعييني مطلوب للآمر من غير أن يكون خصوصية الأفراد مطلوبة بذلك الطلب وإن صحت نسبته إليها بالتبع كما عرفت ومما ذكرنا ظهر أن ما يتراءى من كون المفهوم عرفا من قول السيد لعبده أكرم زيدا أو أطعم عمرا أن الواجب مفهوم أحدهما ولذا لو سأل العبد عما هو الواجب عليه صح عند العقلاء أن يجيبه السيد بأن الواجب واحد منها لا جميعها ولا واحد معين منها مبني على إرادة الواجب التعييني التابع في المقام للتخييري فإنه لما كان الظاهر من الوجوب هو الوجوب التعييني صح الحكم بأن الواجب بمعناه الظاهر هو أحد الأمرين المذكورين لا جميعهما لوضوح عدم تعين الإتيان بها ولذا يصح الجواب أيضا بوجوب كل منها على سبيل التخيير وكان ما ذكرناه مقصود جماعة من علمائنا حيث حكموا في المقام بتعلق الوجوب بأحدهما كما سنشير إليه وعلى ما ذكرنا فالتخيير يتعلق بأصل الواجب لا فيما يتحقق الواجب به كما عزى إلى جماعة نعم لو جعل الواجب خصوص المفهوم المذكور لم يتحقق هناك تخيير في نفس الواجب وهو ضعيف جدا كما سنشير إليه إن شاء الله [ القول الثاني فيه . ] ومنها أن الواجب في المقام مفهوم أحدهما والمنع من الترك حاصل بالنسبة إليه واختاره جماعة من الخاصة والعامة منهم العلامة في النهاية ونهج الحق والسيد العميدي والشهيد والمحقق الكركي وشيخنا البهائي والمحقق الخوانساري والحاجبي والبيضاوي وعن القاضي حكاية إجماع سلف الأمة عليه وحكاه في العدة عن شيخنا المفيد رحمه الله وعزاه في نهج الحق إلى الإمامية موذنا