الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

249

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

بإطباقهم عليه وعن قوله أن الذي عليه المحققون من أصحابنا والمعتزلة والأشاعرة أن الواجب واحد لا بعينه من أمور معينة قلت يمكن أن يكون المراد بمفهوم أحدها ما يكون آلة لملاحظة كل من تلك الأفعال على سبيل البدلية ويكون المطلوب خصوص كل من تلك الخصال على سبيل التخيير بينها والمنع من تركها أجمع فيكون ذلك إلزاما لأحد تلك الأفعال من غير أن يكون المطلوب تحصيل المفهوم المذكور لذاته أصلا وأن يكون المراد به هو المفهوم الجامع بين الأفعال المفروضة بأن يكون المطلوب هو تحصيل ذلك المفهوم الحاصل بحصول أيّ منها فلا يكون كل من الخصال المخير بينها مطلوبا بخصوصه بل لكونه مصداقا لمفهوم أحدها ومتحدا بذلك المفهوم وأن يكون المراد به أحدها على سبيل الإبهام فيراد قيام الوجوب بواحد مبهم منها دون غيره فيكون غير ذلك المبهم قائما مقامه في الإجزاء وأن يكون المراد به واحدا مبهما عندنا معينا عند اللّه فإن أتى المكلف به فلا كلام وإلا أجزأ غيره من الأفعال المفروضة عنه وناب منابه وأن يكون المراد به ذلك أيضا فيكون الواجب متعينا عند الله سبحانه لكن مع اختلافه بحسب اختلاف اختيار المكلفين فيكشف اختيار كل منهم عما هو الواجب في شأنه فالوجه الأول راجع إلى المذهب المختار إذ المأمور به حينئذ هو كل واحد من الخصال بخصوصه ويكون كل منها مطلوبا بنفسه إلا أنه يتخير المكلف بينها حسبما مر تفصيله فإن شئت عبرت بأن الواجب الذي لا يجوز تركه هو واحد من تلك الأفعال وإن شئت قلت إن كلا منها واجب على سبيل التخيير والحاصل أن الأمر الحاصل في المقام شيء واحد يصح التعبير عنه بالوجهين وقد مر تفصيل الكلام فيه ويمكن تنزيل كلام المفيد عليه وكأنه لأجل ذلك قال في العدة بعد الإشارة إلى القولين المذكورين إن هذه المسألة إذا كشف عن معناها ربما زال الخلاف فيها واستظهر في النهاية كون النزاع بينها لفظيا كما سيشير إليه المصنف وهو الوجه الثاني مغاير لما اخترناه وربما يتفرع عليها بعض الثمرات وربما نشير إلى بعضها وقد يوهمه عبارة النهاية حيث قال إن التحقيق في هذا الباب أن الواجب هو الكلي لا الجزئيات إلا أن القول به في المقام ضعيف حيث أن المطلوب في المقام خصوص كل من تلك الأفعال دون المفهوم المذكور وليس ذلك المفهوم إلا أمر اعتباريّا ينتزع من الأفعال المذكورة وليس المقصود بالأمر المتعلق بكل من تلك الخصال تحصيل ذلك المفهوم قطعا والوجه الثالث لا يظهر قائل به وقد يشكل الحال فيه أيضا بأن الوجوب معنى متعين لا يعقل تعلقه بالمبهم واقعا وقد مرت الإشارة إليه ويدفعه أن للمبهم المذكور تعينا في الذمة ولذا يصح توجيه الأمر به نحو المكلف ألا ترى أنه يصح أن يأمر السيد عبده بإتيانه غدا برجل ما على وجه الإبهام من غير أن يتعين شخصه عند السيد حين أمره لتأمله في تعيينه نعم لو لم يعينه إلى وقت تنجز الخطاب وحضور وقت الحاجة كانت المفسدة الحاصلة فيه من تلك الجهة وهي جهة أخرى لا ربط لها بذلك ولا مانع من جهتها إذا كان للمكلف مندوحة عن الخروج عن عهدة التكليف كما في المقام حيث يقال بالاكتفاء في الامتثال بإتيانه أو إتيان أحد أبداله وأما الوجهان الآخران وإن احتملا في المقام وربما يستفاد من بعض الأدلة المذكورة للمذهب المختار وما يفيد إبطالهما فتؤمي إلى كون ذلك مقصود القائل يتعلقه بأحدهما فهما موهونان جدا كما لا يخفى وسيأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه [ القول الثالث فيه . ] ومنها أن الواجب هو الجميع لكنه يسقط بفعل البعض كما أن الكفائي يجب على جميع المكلفين ويسقط بفعل بعضهم فلو ترك الجميع استحق العقاب على كل منها ولو أتى بالجميع استحق الثواب كذلك وهذا القول محكي عن البعض وو ربما يحكى عن السيد والشيخ وهو غلط [ القول الرابع فيه . ] ومنها أن الواجب واحد معين لا يختلف الحال فيه لكنه يسقط التكليف بالإتيان به أو بالآخر وقد حكي ذلك قولا في المقام وهو أحد الوجوه في تفسير أحدهما كما عرفت والظاهر أن ذلك هو الذي احتمله الشيخ في العدة في تفسير القول بوجوب أحدهما حيث إنه بعد احتماله إرجاع الفعل المذكور إلى المختار وقوله أن ذلك يكون خلافا في عبارة لا اعتبار به قال وإن قال إن الذي هو لطف ومصلحة واحد من الثلاثة والثنتان ليس لهما صفة الوجوب فذلك يكون خلافا في المعنى ثم احتج على إبطاله [ القول الخامس فيه . ] ومنها أن الواجب واحد معين عند اللّه لكنه يختلف بحسب اختلاف المكلفين فيكشف ما يختاره أن ذلك هو الواجب في شأنه وهذا هو الذي حكاه المصنف وذكر تبعا للعلامة في النهاية إسناد كل من الأشاعرة والمعتزلة ذلك إلى صاحبه وتبرى الفريقين منه وقد حكاه العضدي عن بعض المعتزلة وأنت بعد التأمل في جميع ما ذكرنا تعرف أن الإيراد المتوهم في المقام يندفع عما يقتضيه ظاهر الأمر ومن وجوب الجميع على وجه التخيير حسبما ذكر في الوجه الأول فلا حاجة إلى التزام التحمل اللازم على سائر الأقوال المذكورة بل لا بد من الجري على الظاهر مضافا إلى غير ذلك من المفاسد الواردة على غيره من الأقوال نعم الوجه الأول للقول الثاني متجه إلا أنك قد عرفت أنه راجع إلى القول المختار وأنه ليس الاختلاف بينهما إلا في العبارة كما نصّ عليه جماعة منهم المصنف هذا [ في تفصيل ما استدل به للأقوال . ] ولنفصل المقال فيما استدل به على هذه الأقوال أما القول المختار فيمكن الاحتجاج عليه بوجوه أحدها أنه لا شك أنه قد يشترك أفعال عديدة في الاشتمال على مصلحة لازمة للمكلف لا يجوز إهمالها في العقل من غير تفاوت بينها في ترتب تلك المصلحة فيجب عليه الإتيان بخصوص فعل من تلك الأفعال لإحراز تلك المصلحة إن دلّ العقل على ذلك وإلا لزم دلالة الشرع عليه كذلك نظرا إلى وجوب اللطف عليه وقضية ذلك وجوب كل من تلك الأفعال بخصوصه على وجه التخيير بينهما حسبما قررناه وإن شئت قلت إنه يجب عليه واحد من الأفعال المفروضة على النحو الذي قررناه في الوجه الأول وقد عرفت أنه عين ما اخترناه حسبما اتضح وجهه ونص عليه الجماعة فلا وجه إذن للقول بوجوب الجميع وإن سقط بفعل البعض لما عرفت من انتفاء المقتضي له ولا للقول بوجوب واحد منها دون الباقي لما عرفت من قيام المقتضي في كل منها على نحو واحد فلا تعقل ترجيح البعض للوجوب دون الباقي وقد أشار إلى هذا الوجه في الذريعة وغيره ثانيها ما أشرنا إليه من ورود الأمر في الشريعة بعدة واجبات على وجه التخيير بينها وقضية الأدلة المزبورة الدالة على وجوب تلك الأفعال وجوب كل منها بذاته على وجه التخيير بينها فهناك أفعال متعددة متصفة بالوجوب متعلقة للطلب بخصوصها على حسبما قررنا وقد عرفت أنه لا مانع عقلا من إيجاب الفعل على الوجه المذكور فلا قاضي بصرف تلك الأدلة عن ظواهرها وارتكاب خلاف الظاهر بالنسبة إليها من غير قيام باعث على صرفها ثالثها اتفاق الأصحاب على القولين الأولين بل اتفاق الأصوليين عليه عدا شذوذ لا عبرة بأقوالهم في المقام وقد عرفت إرجاع أحدهما إلى الآخر وكون النزاع بينها لفظيّا فيتغير البناء على القول المذكور ويبطل به سائر الأقوال المنقولة وكأنه لذا لم يتعرض المصنف رحمه الله في المقام للاحتجاج