الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
240
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الواجب عليه من المضاجعة في مكان أو فراش مغصوب ونحو ذلك فلا وجه لتخصيص ذلك بالمقدمة كما يظهر من العبادة [ في بيان الفرق بين سقوط الواجب وأدائه . ] والتحقيق في المقام كما مرت الإشارة إليه هو الفرق بين إسقاط الواجب وأدائه والامتثال بفعله فالأول أعم مطلقا من الثاني كما أن الثاني أعم مطلقا من الثالث فإن امتثال الأمر هو أداء المأمور به من جهة أمر الآمر به ولا يتحقق ذلك بفعل الحرام قطعا إذ لا يمكن تعلق الأمر به أصلا كما سيجيء في محله إن شاء الله وأداء الواجب إنما يكون بالإتيان بالفعل المأمور به سواء أتى به من جهة موافقة الأمر أو لغيره من الجهات ولا يمكن حصول ذلك بفعل المحرم أيضا لعين ما ذكر وإسقاط الواجب يحصل بكل من الوجهين المذكورين وبالإتيان بما يرتفع به متعلق الحكم ولا يبقى هناك تكليف ألا ترى أن الواجب من أداء الدين هو ما يكون على الوجه المشروع فإنه الذي أمر به الشرع لكن إذا أداه على غير الوجه المشروع لم يبق هناك دين حتى يجب أداؤه وهكذا الحال في نظائره كتطهير الثوب على الوجه المحرم ومن ذلك الإتيان بالمقدمة على وجه غير مشروع كقطع المسافة إلى الحج على الوجه المحرم فإن ذلك القطع ليس مما أمر اللّه سبحانه به قطعا لكن إذا أتى به المكلف حصل ما هو المقصود من التكليف بالمقدمة ولم يبق هناك مقدمة حتى يجب الإتيان بها فيسقط عنه وجوبها لا أن ما أتى به كان واجبا عليه من جهة محرما من أخرى فإن ذلك مما يستحيل قطعا عند القائل بعدم جواز اجتماع الأمرين ولو من جهتين فظهر بما قررنا أنّ احتجاجه على جواز اجتماع الوجوب التوصّلي مع التحريم بما ذكره من سقوط الواجب حينئذ وعدم وجوب إعادته موهون جدا لما عرفت من كون سقوط الواجب أعم من أدائه فيمكن حصول الأول من دون الثاني وإنما يتم له الاحتجاج لو أثبت حصول الأداء بذلك وهو ممنوع بل ممتنع قطعا نظرا إلى عموم الدليل القاضي بامتناع الاجتماع المسلم عند المصنف ره ويمكن تنزيل كلامه رحمه الله على ذلك فيزيد بما ذكره إمكان سقوطه بفعل المحرم من غير عصيان للأمر المتعلق بها بخلاف الحال في غيرها حيث لا يمكن هناك سقوط الواجب كذلك إلا بأدائه على غير الوجه المحرم على ما هو الحال في العبادات ويقربه أنه إنما أخذ في التفريع هنا وفي دفع الشبهة التي قررها سقوط الواجب بذلك من جهة حصول الغرض من التكليف إلى أدائه بها لكن يبعد إرادته ذلك من وجوه أحدها أن ذلك بعينه جار في غير المقدمة من الواجبات إذا لم يكن من العبادات فلا وجه لتخصيص الحكم بالواجبات التوصّلية ثانيها أن الوجه المذكور لا يجري في المقدمة إذا كانت عبادة كالوضوء والغسل فلا وجه لإطلاق الحكم بجواز ذلك بالنسبة إلى المقدمات إلا أن الظاهر أن ما يظهر من كلامه غير جار بالنسبة إلى المقدمات المفروضة أيضا فإطلاق كلامه غير متجه على كل حال ثالثها أن الظاهر من قوله فقطع المسافة أو بعضها على وجه منهي عنه إن لا يحصل الامتثال حينئذ أنه يقول بحصول الامتثال بالقطع المفروض وهو إنما يتم بناء على اجتماع الحكمين إذ لا يعقل الامتثال مع انتفاء الأمر وحمله على إرادة حصول الامتثال حينئذ بأداء الحج بعيد عن العبارة والمقصود مضافا إلى أن تعليله بعدم صلاحية الفعل المنهي عنه للامتثال كالصريح في خلافه هذا واعلم أن الذي أوقع المصنف رحمه الله في الشبهة هو زعمه أن المناط في امتناع اجتماع الواجب مع الحرام هو المعاندة بين محبوبية الفعل ومطلوبيته في نفسه لمبغوضيته ومطلوبية تركه فلا يجتمعان في محل واحد وهو غير حاصل في المقدمة إذ ليس الفعل هناك مطلوبا في حد ذاته أصلا وإنما يتعلق به الطلب لأجل إيصاله إلى غيره وتلك الجهة حاصلة بكل من المحلل والمحرم قطعا فلا مانع من اجتماعه مع الحرام كما يظهر ذلك من ملاحظة مثال الحج وهذا الوجه عند التأمل وإن كان ضعيفا جدا لا يصلح أن يقع فارقا بعد البناء على عدم كون تعدد الجهة مجديا كما عرفت الحال فيه مما قرّرنا إلا أنه قد يتراءى في بادي الرأي قبل التأمل في المقام وهو الذي يستفاد من ظاهر عبارة المصنف رحمه الله بل صريحه ومن الغريب ما يستفاد من كلام المدقق المحشي رحمه الله في وجه الشبهة في المقام وهو أن المصنف رحمه الله توهم أن امتناع المأمور به والمنهي عنه إنما هو على تقدير بقاء الوجوب بعد الفعل أيضا فلا مانع من الاجتماع فيما يسقط وجوبه بالفعل وحيث إن وجوب المقدمة يسقط بفعلها حيث إن المقصود منها أن التوصّل إلى الغير وهو حاصل بفعلها فيسقط وجوبها فلا مانع من اجتماعها مع الحرام وكان الوجه في استفادته ذلك من كلامه تصريحه عند بيان الوجه لجواز اجتماعه مع الحرام بأنه بعد الإتيان بالفعل المنهي عنه يحصل التوصل فيسقط الوجوب فيظهر منه أنه لا يقول في غيرها بالسقوط إذ لو اشتركا فيه لم يعقل بذلك فرق بين الأمرين فيكون ذلك إذن هو الفارق بين المقامين وأنت خبير بوهن ذلك جدا كيف والقول ببقاء الوجوب بعد الإتيان بالواجب مما لا يتوهمه عاقل ولا يرضى به سفيه فكيف يظن بالمصنف رحمه الله توهم مثله على أنه لا فرق بين بقاء الوجوب بعد الفعل وعدمه مع وضوح أداء الواجب بالحرام حين الإتيان به في الصورتين والقائل بعدم جواز اجتماع الأمرين إنما يمنع من ذلك فإن قيل بجواز ذلك فلا يتعقل فرق بين سقوط الوجوب بعد ذلك وعدمه حتى يمكن أن يتوهم ذلك فارقا في المقام وليس في كلام المصنف رحمه الله ما يشعر بقصده ذلك في المقام وإنما مراده من عدم كونه على حد غيره من الواجبات هو ما قررناه من عدم كونه مطلوبا في نفسه إلى آخر ما ذكر وليس مراده من سقوط الوجوب بفعل المنهي عنه بيان الفرق بحصول السقوط هنا بنفس الفعل دون غيرها من الواجبات بل المقصود سقوطه هنا بفعل الحرام كما في مثال الحج بخلاف غيرها حيث لا يسقط الوجوب هناك بفعل الحرام وهو واضح ثم قال رحمه الله فإن قلت مراده أنه ليس على حد غيره من الواجبات أنه لا يجب على جميع التقادير بل ربما يسقط وجوبها منه على بعضها كما إذا حصل الغرض منه بغيره وهو المنهي عنه ثم إنه دفع ذلك بأن المقدمة حينئذ هو القدر المشترك بين الجائز والحرام فإن قلنا بوجوب القدر المشترك فقد اجتمع الواجب والحرام لتحقق القدر المشترك في ضمنه وإن قلنا إن الواجب حينئذ غير المنهي عنه خاصّة لزم فيه مفاسد بينة عدم وجوب المقدمة التي لا يتم الفعل من دونها أعني القدر المشترك ووجوب غير المقدمة لوضوح أن غير المنهي عنه مما يتم الفعل بدونه إذ المفروض حصول التوصل بالحرام أيضا وسقوط وجوب الواجب بفعل غير الواجب ثم ذكر أن القول بأن المقدمة في المقام هو الفعل المشروع دون غيره إذ الإتيان بالمأمور به على وجه لا يقع المكلف في الحرام متوقف على الإتيان بالوجه المشروع إن تم فإنما يدفع الإيراد من الأولين أعني عدم وجوب المقدمة ووجوب غير المقدمة وأما سقوط الواجب بغير الواجب فهو باق على حاله قال علي أن هذا اصطلاح آخر في المقدمة غير ما هو المشهور فإن الشرط الشرعي ما يشترط في صحة الفعل واعتباره لا ما يكون تجنب القبيح في الإتيان بالمأمور به متوقفا عليه فإن ذلك مقدمة ترك القبيح لا مقدمة فعل المأمور به قلت ولا يذهب