الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
241
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
عليك وهن جميع ما قرره في المقام وما ذكره من الوجه في كونها على حد غيرها من الواجبات عين الوجه الذي احتملناه في تنزيل كلام المصنف رحمه الله وهو وجه متين في نفسه وإن لم يكن مخصوصا بالمقدمة عند التأمل حسبما قررناه إلا أنه لا يساعده عبارة المصنف حسبما مر الكلام فيه وما أورد عليه من الوجوه الثلاثة بين الاندفاع وتوضيحه أن المقدمة في المقام هو القدر المشترك بين الجائز والحرام إذ هو الذي يتوقف عليه الفعل ولا بد منه في حصوله لكن الشارع إذا أوجب ذلك الكلي فإنما يوجب الإتيان به على الوجه السائغ دون غيره فيقيد الأمر به بذلك ألا ترى أن حفظ النفس المحترمة إذا توقف على دفع القوت إليها حصل ذلك ببذل كل من المحرم والمحلل لها لكن الشارع إذا أوجب ذلك لتوقف الواجب عليه فإنما يوجبه على الوجه السائغ دون الحرام وكذا قطع المسافة للحج فإن القدر المتوقف عليه هو الأعم من الوجهين ولكن إذا أوجب الشارع ما يتوقف عليه الوصول إلى محال المناسك فلا يوجب إلا إيجاده على النحو الجائز وليس ذلك حينئذ إلا إيجابا للمقدمة المفروضة لا إيجابا لغير المقدّمة كما زعمه لوضوح أن المطلوب في المقام هو تحصيل ما يوصل إلى المطلوب إلا أن القابل للمطلوبية عند الأمر هو ذلك نعم لو أوجب نحوا خاصّا منه كما إذا أوجب الركوب أو المشي في المثال المفروض لم يكن إيجاب تلك الخصوصية من إيجاب المقدمة بخلاف الصورة الأولى إذ ليس المقصود هناك إلا إيجاد ما يتوقف الواجب عليه غير أن مطلوبية ذلك إنما يكون على الوجه السائغ فالفرق بين المقامين أن المطلوب في الأول هو إيجاد ما يتوقف الواجب عليه أعني القدر المشترك لكن وقع الإيجاب على النحو الخاص حيث إنه القابل لذلك نظرا إلى وجود المانع من وجوب غيره وأما في الثاني فليس المطلوب هناك إلا خصوص ذلك النحو الخاص والمفروض عدم توقف الواجب عليه فلا يكون ذلك من إيجاب المقدمة ولذا لا يتأمل أحد في إدراج القسم الأول في إيجاب المقدمة بل ليس إيجاب المقدمات في الشرع بل العرف إلا على النحو المذكور أليس من يقول بوجوب مقدمة الواجب قائلا بوجوب الإتيان بها على النحو الجائز عقلا وشرعا ولا يقول بوجوب جميع أفرادها المحللة والمحرّمة وليس إيجابها على الوجه المذكور إيجابا لغير المقدمة قطعا لوضوح أن الخصوصية غير ملحوظة بنفسها في وجوبها وإنما أخذت في المقام من جهة حصول المانع في غيره فإيجاب الطبيعة الكلية إنما يقضي بوجوب كل من أفرادها نظرا إلى إيجاد الطبيعة بها إذا لم يكن في خصوصية الفرد مانع عن الوجوب وإلا أفاد ذلك تقييد الوجوب بغيره مع صدق وجوب الطبيعة المطلقة أيضا وهذا بخلاف ما إذا تعلق الوجوب أولا بالمقيد فعدم فرقه في المقامين بين الصّورتين المذكورتين هو الذي أدخل عليه الشبهة المذكورة وأما ما ذكره من لزوم سقوط الواجب بفعل غيره ففيه أن ذلك مما لا مانع منه وهو كثير في الشريعة كما عرفت من ملاحظة الأمثلة المتقدمة نعم لو قيل بلزوم أداء الواجب بفعل غيره كان ذلك مفسدة وفرق ظاهر بين الأمرين حسبما عرفت الحال فيه مما قررناه وأما ما ذكره في التوجيه من أن المقدمة هنا خصوص الفعل المشروع فهو ضعيف أيضا إذ المقدمة وما يتوقف عليه الفعل هو الأعم قطعا غاية الأمر أن يكون السائغ منها هو ذلك ولا يعتبر ذلك في مفهوم المقدمة قطعا فكون المقدمة هو الأعم مما لا ريب فيه إلا أن وجوبها إنما يكون على الوجه الخاص من جهة الملازمة الخارجة ولا ربط لذلك بتخصيص المقدمة بالسائغ وبذلك يتضح اندفاع الإيرادين الأولين وما ذكره من إدراج ذلك في المقدمة الشرعية مبني على أخذ القيد المذكور في نفس المقدمة لا في وجوبها حسبما قررناه وهو وجه ضعيف إذ لا توقف لوجود الفعل ولا لصحته شرعا عليه حسبما أشار إليه وتفسير المقدمة الشرعية بذلك مما لم نجده في كلام أحد من القوم فلا وجه لتفسيرها به أصلا قوله فلا يجوز تعلق الكراهة وكذا الحال في تعلق الإرادة بالواجب الموسّع فإنه إذا كان ضده واجبا توقف حصوله أيضا على إرادته وكراهة ضده وإن شئت قلت عدم إرادة ضده فيكون إرادة ضده محرمة أيضا وقد فرض أولا وجوبها فيلزم اجتماع الحكمين في الإرادة أيضا قوله لكن قد عرفت إلى آخره بيان لدفع الشبهة المذكورة بالوجه الذي ذكره في العلاوة ويرد عليه أنه لو سلم جواز اجتماع الوجوب التوصلي مع التحريم فهو إنما يفيد في المقام في عدم انحصار المقدمة في الحرام أو عدم مقارنتها لفعل الواجب وأما مع انحصارها حينئذ في المحرم ومقارنتها لأداء الواجب فلا وجه حينئذ لوجوب ذي المقدمة لوضوح امتناع خروج المكلف حينئذ عن عهدة للتكليف فيكون تكليفه بالأمرين المذكورين من قبيل التكليف بالمحال ومن البين أنه كما يستحيل التكليف بالمحال بالنسبة إلى تكليف واحد فكذا بالنظر إلى تكليفين أو أزيد كما مرت الإشارة إليه وحينئذ فلا بد من القول بسقوط الواجب المفروض أو عدم تحريم كراهة ضده القاضي بعدم وجوب الإتيان بذلك الضد لكن الثاني فاسد قطعا لظهور تعين الإتيان بالواجب المضيق فلا يكون الموسع مطلوبا وذلك كاف في الحكم بفساده إلا أن يقال إن توسعة الوجوب بدفع التكليف بالمحال فإن الالتزام بذلك إنما يجيء من سوء اختيار المكلف إذ له أداء الموسع في غير ما يزاحم المضيق وقد عرفت ما فيه إذ الظاهر عدم الفرق في المنع من التكليف بالمحال بين ما لا يكون للمكلف مندوحة عنه وما يكون له المندوحة حسبما مرت الإشارة إليه فلا يتم ما حاوله من القول بصحته من جهة حصول التوصل إليه بالمقدمة المفروضة وإن كانت محرمة لوضوح عدم وجوب المقدمة المفروضة ولا يتوقف عليها حتى يسقط وجوبها بحصول الغرض منها من فعل الحرام وحينئذ فالتحقيق في الجواب عن ذلك ما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله دون ما ذكره وأما ما يقال في الجواب عنه من منع كون ترك الضد مقدمة لفعل ضده ومنع كون الصارف عن الضد مقدمة فقد عرفت ما فيه وكذا ما قد يقال من اختلاف الجهتين في المقدمة المفروضة فيجب من إحداهما ويحرم من الأخرى كما هو ظاهر في المثال المذكور فإن الوجوب إنما يتعلق بقطع المسافة على إطلاقه من حيث كونه موصلا إلى الواجب والحرمة متعلقة بالخصوصية لما قد عرفت من ابتناء ذلك على جواز اجتماع الأمر والنهي من جهتين وفساده مقطوع به عند المصنف وغيره من الأصحاب عدا ما تجدد القول به من جماعة من المتأخرين كما سيجيء الكلام فيه إن شاء الله قوله ومن هنا يتجه أن يقال إلى آخره أراد بذلك بيان التفكيك بين القول بوجوب المقدمة والقول باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده وقد يتخيل لذلك وجوه أحدها ما مرت الإشارة إليه من منع كون ترك الضد من مقدمات فعل ضده كما اختاره الفاضل المحشي فلا يكون القول بوجوب المقدمة مستلزما لدلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده وقد