الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

23

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الغالب في أوضاع الألفاظ أن تكون بإزاء المعاني التي يستعمل اللفظ فيها كما هو الحال في معظم الألفاظ الدائرة في اللغات وحينئذ فقد يكون ذلك المعنى أمرا حاصلا بقصده في نفسه مع قطع النظر عن اللفظ الدال عليه فليس من شأن اللفظ إلا إحضار ذلك المعنى ببال السامع وقد يكون ذلك المعنى حاصلا بقصده من اللفظ من غير أن يحصل هناك معنى قبل أداء اللفظ فيكون اللفظ آلة لإيجاد معناه وأداة لحصوله ويجري كل من القسمين في المركبات والمفردات فالأول من المركبات الأخبارات والثاني منها الإنشاءات ولذا قالوا إن الخبر ما له خارج يطابقه أو لا يطابقه والإنشاء ما ليس له خارج بل يحصل معناه بقصده من اللفظ والنوع الأول من المفردات معظم الألفاظ الموضوعة فإنها إنما تقضي بإحضار معانيها ببال السامع من غير أن تفيد إثبات تلك المعاني في الخارج وهي أعم من أن تكون ثابتة في الواقع أو لا والنوع الثاني منها كأسماء الإشارة والأفعال الإنشائية بالنسبة إلى وضعها النسبي وعده من الحروف كحروف النداء والحروف المشبهة بالفعل ونحوها فإن كلا من الإشارة والنسبة الخاصة والنداء والتأكيد حاصل من استعمال هذا واضرب ويا وإنّ في معانيها فمفاد تلك الألفاظ إيجاد معانيها الإفرادية في الخارج نظير الإنشاءات في المعاني التركيبية هذا وقد يكون وضع اللفظ بإزاء معنى يستعمل فيه وحينئذ فقد يكون موضوعا بإزاء أمور أخر غير إفادة المعاني كأن المصدرية وما الكافة وتنوين الترنم ونحوها وقد يجعل له فائدة معنوية كالتأكيد المستفاد من بعض الحروف الزائدة كمن في قولك ما في الدار من رجل وقد لا يكون فيه ذلك أيضا كبعض آخر من الحروف الزائدة والظاهر خروج الجميع عن قسمي الحقيقة والمجاز كما يظهر من ملاحظة إحداهما وقد يعبر عن هذا النوع من الوضع في غير الصورة الأخيرة بالوضع الإفادي كما قد يعبر عن الأول بالوضع الاستعمالي وقد يكون الوضع لأجل أن يتركب منه الألفاظ الموضوعة كوضع حروف التهجي وقد يعبر عنه بالوضع التحصلي الثالثة قد يكون المقصود باستعمال اللفظ إفادة الموضوع له وقد يكون المقصود إفادة غير ما وضع له ابتداء وحينئذ فالغالب أن يكون الموضوع له واسطة في الانتقال إليه بمعونة القرينة الدالة عليه من غير أن يراد ذلك من اللفظ بل إنما يكون واسطة في الانتقال خاصة وقد لا يكون المعنى الموضوع له واسطة في الانتقال إليه أيضا بل يكون القرينة هي المفهمة لإرادة ذلك المعنى من غير انتقال إلى معناه الموضوع أصلا كما أشرنا إليه وقد يكون المقصود بالإفادة غير ما وضع له لكن يراد من اللفظ خصوص ما وضع له ابتداء لينتقل منه إلى المعنى المقصود ولا إشكال في كون الاستعمال على النحو الأول حقيقة وعلى الوجه الثاني مجازا أما الثالث فيندرج في الحقيقة بملاحظة ما يتراءى من ظاهر حدها نظرا إلى استعمال اللفظ حينئذ في المعنى الحقيقي ابتداء وإن جعل ذلك واسطة في الانتقال إلى غيره وفيه ما سيأتي الإشارة إليه وهذه الطريقة أيضا شائعة في الاستعمالات منها العام المخصوص على ما هو الأظهر فيه من استعماله في العموم ودلالة المخصص على ما هو المراد بحسب الواقع حسبما يأتي الكلام فيه في محله ومنها الكناية حيث إن الانتقال من المعنى الكنائي إنما يكون بتوسط إرادة الموضوع له من اللفظ ابتداء لينتقل منه إلى لازمة المقصود بالإفادة وقد جعلها علماء البيان قسيما للحقيقة والمجاز حيث اعتبروا في المجاز لزوم القرينة المعاندة لإرادة الحقيقة وجعلوا الكناية خالية عنها قلت والظاهر أن مقصودهم بذلك عدم اعتبار قيام القرينة على كون المراد هو بيان معنى الكناية خاصة كما هو الشأن في المجاز بل يعم ما لو كان المراد هو ذلك وأريد به بيان الأمرين معا فالمعتبر في الكناية هو كون معنى الكناية مقصودا بالإفادة من الكلام سواء كان الموضوع له أيضا مقصودا بالإفادة معه أو لا فهي أعم من الوجهين بخلاف المجاز فإن المقصود فيه إفادة المعنى المجازي خاصة من دون إفادة المعنى الحقيقي فهو ملزوم للقرينة المعاندة والسر فيه ظاهر مما قررنا فإنه لما كان اللفظ في المجاز مستعملا في معناه المجازي لزمه وجود القرينة المعاندة حسبما ذكروه لمنافاة استعماله في المعنى المجازي لاستعماله في المعنى الحقيقي وأما في الكناية فلما كان المستعمل فيه هو الموضوع له وأريد الانتقال إلى المعنى الكنائي بتوسطه كان قيام القرينة على كون المقصود من الكلام إفادة ذلك غير مانع من كون إفادة الموضوع له مقصودا معه أيضا فلذا قالوا إن القرينة المعاندة غير لازمة في الكناية إذ يتم استعمالها بدونها وقيامها في بعض المقامات من المقارنات الاتفاقية وليس من الأمور المعتبرة في تحققها وأما قيام القرينة من الحال أو المقال على كون المعنى الكنائي مقصودا بالذات في الجملة فمما لا مجال للتأمل فيه إذ لا شك في انصراف الإطلاق مع عدمه إلى الحقيقة على الوجه الأول فهي مشاركة للمجاز في لزوم القرينة المفهمة لمشاركتهما في الخروج عن الظاهر وإنما التفاوت بينهما في كون المستعمل فيه في المجاز ابتداء غير الموضوع له غالبا وفي الكناية هو الموضوع له والمقصود منه الانتقال إلى لازمه أو ملزومه والحكم به فإن قلت إن المعنى الحقيقي قد يراد ابتداء في بعض المجازات ويقصد منه الانتقال إلى المعنى المجازي كما يأتي الإشارة إلى عدة منها فلا يتم ما ذكر من الوجه في الفرق بينه وبين الكناية ولا يمكن الفرق أيضا باعتبار وجود القرينة المعاندة في المجاز وعدمه في الكناية لإمكان وجود القرينة المعاندة للكناية أيضا وإن لم تكن من لوازمها وأي فرق بينها وبين المجاز في هذه الصورة وقد ظهر ذلك أيضا عدم اتجاه ما ذكر من الوجه في اعتبار القرينة المعاندة في المجاز دون الكناية قلت الانتقال في الكناية إنما يكون من أحد المتلازمين في الوجود إلى الآخر فيحكم بثبوت أحدهما حتى ينتقل إلى ثبوت الآخر هناك قد يقصد إثبات اللازم خاصة فيكون الحكم بثبوت الآخر لمجرد الوصلة إليه وقد يراد منه إثبات الأمرين من غير منافاة بين القصدين أصلا بخلاف الحال في المجاز وإن فرض جعل إرادة معنى الحقيقي وصلة إلى الانتقال إليه بمعونة القرينة فإنه لما كان الانتقال علي غير النحو المذكور لم يمكن الجمع بينهما كما في التمثيل والعام المخصوص ونحوهما فالفارق بينهما كون التعبير في الكناية على نحو لا ينافي إرادة غير الموضوع له بخلاف المجاز إذا لم نقل بجواز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بل ولو قلنا بجوازه للمنافاة بينهما أيضا بحسب الإرادة الخاصة المتعلقة بكل منهما ولذا نص أهل البيان بكون المجاز ملزوما للقرينة المعاندة لإرادة الحقيقة فالقصدان في الكناية مرتبطان بخلاف الاستعمالات التي في الحقيقة والمجاز لانفصال كل من الإرادتين هناك من الآخر فكان كل منهما هو المراد من اللفظ دون الآخر حسبما يأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى هذا على ما هو الأظهر في تفسير الكناية ويستفاد من كلام السكاكي حيث نص على أن الحقيقة في المفرد والكناية يشتركان في كونهما حقيقتين وتفترقان في التصريح وعدمه ومن التفتازاني في التلويح حيث قال إنه لا بد في الكناية من أن يقصد تصوير المعنى الأصلي في ذهن السامع