الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

24

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

لينتقل عنه إلى المكنى عنه فيكون الموضوع له مقصودا في الكناية من حيث التصور دون التصديق انتهى فإن ظاهر كلامه بل صريحه أن الموضوع له مقصودا في المقام من اللفظ إلا أنه ليس مقصودا بالتصديق بل الغرض منه الانتقال إلى المكنى عنه والتصديق به فيكون المستعمل فيه في الكناية هو الموضوع له حسبما ذكرنا فما أورد عليه بعض الأفاضل من أنه لا بد في المجاز أيضا من تصوير المعنى الحقيقي ليفهم المجازي المشتمل على المناسبة المصححة للاستعمال فدعوى كون الموضوع مقصودا في الكناية دون المجاز تحكم بين الاندفاع للفرق البين بين المقامين فإن المعنى الموضوع له يراد من اللفظ في الكناية بخلاف المجاز إذ لم يستعمل اللفظ فيه إلا في المعنى المجازي غاية الأمر أنه يدل على المعنى الحقيقي بمقتضى الوضع إن كان عالما به وينتقل منه إلى ما استعمل فيه اللفظ بمعونة القرينة وأين ذلك من استعمال اللفظ فيه وإرادة تصويره في ذهن السامع كما في الكناية وقد يقال بجواز كون المستعمل فيه في الكناية هو المعنى الكنائي خاصة غير أنه يجوز معه إرادة الموضوع له أيضا إذ ليس معها قرينة معاندة لإرادة الحقيقة وتوضيح ذلك أن المعنى الكنائي مقصود من الكناية قطعا إما باستعمال اللفظ فيه فلا يكون الموضوع له مرادا أصلا أو باستعماله في الموضوع وانتقاله إليه بتوسطه فيكون الموضوع له مرادا معه أيضا وقد يستظهر ذلك من حدها المعروف من أنها لفظا أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه بحمله على كون اللازم مرادا من العبارة قطعا وأما الموضوع له فيمكن أن يراد معه أيضا بأن يستعمل اللفظ في الموضوع له وينتقل منه إلى اللازم وأن لا يراد معه بأن يستعمل في نفس اللازم فينتقل إليه من المدلول الحقيقي كما في المجاز فعلى الاحتمال الأول يكون حقيقة أصولية وعلى الثاني مجازا أصوليا وحيث إنها محتملة للأمرين وليس معها قرينة صارفة عن إرادة الموضوع له رأسا جعلوها في البيان قسما ثالثا وجعلوا المائز بينها وبين المجاز وجود القرينة المانعة وفيه أن مجرد دوران اللفظ بين الوجهين المذكورين لا يجعلهما قسما ثالثا في المقام غاية الأمر أن يصح حمل اللفظ على الحقيقة بالنحو المذكور وعلى المجاز ومن البين أن عدهم الكناية قسيما للحقيقة والمجاز ليس مبنيا على مجرد الاصطلاح لمجرد قيام الاحتمال المذكور بل ليس إلا لكونها نحوا خاصّا من الاستعمال يخالف المجاز والحقيقة بالتفسير المذكور في كلامهم وهو ما بيناه والظاهر انطباق الحد المذكور على ما ذكرناه إذ قضية ما ذكر في الحد كون المعنى الكنائي مرادا قطعا وكون إرادة الموضوع له معه أيضا محتملا ومن البين أن ذلك إنما يصح مع عدم استعمال اللفظ في المعنى الكنائي ابتداء إذ مع استعماله كذلك فيه لا يصح استعماله في المعنى الحقيقي أيضا إلا على القول بجواز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه وليس ذلك من الكناية في شيء كما سنبينه إن شاء الله فالمقصود من إرادة اللازم منها ليس باستعمالها فيه أيضا ابتداء بل بكونه مقصودا بالإفادة من العبادة وإن كان بتوسط فهم ملزومه وحينئذ فيمكن أن يكون الملزوم مقصودا بالإفادة أيضا فيراد بالكلام المذكور إفادة أمرين وأن لا يكون بأن يكون المراد منه إفادة اللازم خاصة وليس المقصود جواز ذلك فعلا في جميع الكنايات بل المراد أن إرادة المعنى الكنائي من حيث هو لا تنافي إرادة المعنى الموضوع له كما تنافيها إرادة المعنى المجازي فالاحتمال المذكور قائم في الكناية في نفسها مع قطع النظر عن الخارج فلا ينافيه قيام قرينة خارجة مانعة عن إرادة الموضوع له حسب ما مر بيانه كيف ولو حمل العبادة على غير ذلك لزم اندراج الكناية المجامعة للقرينة المانعة عن كون الموضوع له مقصودا بالإفادة في المجاز كما هو اللازم على التفسير المذكور فلا ينعكس الحد ومما قررنا ظهر ما في كلام التفتازاني في شرح التلخيص حيث نص في غير موضع منه على أن المستعمل فيه في الكناية إنما هو غير ما وضع له اللفظ إلا أنه يجوز إرادة الموضوع له أيضا قال في أوائل بحث الحقيقة والمجاز إن الكناية لم يستعمل في الموضوع له بل إنما استعمل في لازم الموضوع له مع جواز إرادة الملزوم ومجرد جواز إرادة الملزوم لا يوجب كون اللفظ مستعملا فيه انتهى إذ من الظاهر أنه إن قام هناك قرينة توجب الصرف عن الموضوع له فلا مجال لاحتمال إرادته ويندرج ذلك إذن في المجاز وليس من الكناية في شيء وإن لم تقم هناك قرينة صارفة تعين الحمل على الحقيقة أخذا بالقاعدة المعلومة التي جرت عليها المخاطبات من بدو اللغة فقيام احتمال إرادة الموضوع له على الوجه المذكور مما لا وجه له فإن قلت إنه لا بد من قيام القرينة على إرادة المعنى الكنائي قطعا لكن يقوم هناك احتمال إرادة الموضوع له معه وعدمها وهو الفارق بينها وبين المجاز قلت إن كان المقصود من الاحتمال المذكور استعماله في كل من المعنيين المذكورين كان مبنيا على جواز استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي وعدم كونه مرجوحا بالنسبة إلى استعماله في المجازي خاصة وأما مع عدم جوازه أو مرجوحيته بالنسبة إلى استعماله في خصوص المجازي فلا مجال لهذا الاحتمال وإن أريد استعماله في المجموع المركب من المعنيين فلا شك في كون الاستعمال هناك مجازيا متوقفا على وجود القرينة الصّارفة وليس ذلك من الكناية في شيء وهو ظاهر وقد ينزل ما ذكره على ما ذكره على ما بيناه ويظهر الوجه فيه بملاحظة ما يأتي بيانه في آخر هذه الفائدة فتلخص ممّا ذكرنا أن الكناية مستعملة في الابتداء في معناه الحقيقي لينتقل منه إلى الأمر الخارج عنه سواء كان المقصود هو إفادة ذلك الأمر الخارج خاصة أو إفادة المعنى الحقيقي معه أيضا ومن البين أن في ذلك أيضا مخالفة للظاهر فلا تحمل العبارة عليه إلا مع قيام قرينة على كون الغرض السوق له الكلام بيان غير مدلوله الحقيقي في الجملة سواء كان المدلول الحقيقي مقصودا بالإفادة أو لا وهذا الوجه كما ترى طريق خاص في التعبير يخالف التعبير بكل من الحقيقة والمجاز ويقع فيه الاختلاف في الدلالة وضوحا وخفاء على نحو المجاز ولذا جعلوه أحد المقاصد في فن البيان وجعلوا الكناية قسيمه للحقيقة والمجاز فقسموا الألفاظ على أقسام ثلاثة واعتبروا في المجاز الاقتران بالقرينة المعاندة لإرادة الحقيقة فتأمل ومنها الاستعارة على قول السكاكي حيث ذهب إلى أنها مستعملة في معناهما الحقيقي وأن التصرف فيها في أمر عقلي فلا يطلق اسم المشبه على المشبه به إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه فإذا كان نقل اسم المشبه به إلى المشبه من حيث نقل معناه لم يكن مجازا لغويا نظرا إلى حده واحتج لذلك بأنه لولا ابتناء الاستعارة على ما ذكر لم تكن مشتملة على المبالغة إذ لا مبالغة في نقل مجرد اللفظ كما في نقل لفظ المشبه به إلى المشبه بالوضع الجديد مع ما هو ظاهر من حصول المبالغة فيها زيادة على التشبيه ورد ذلك بظهور إطلاق اسم المشبه به على المشبه وظهور عدم اندراج المشبه في المشبه به على سبيل الحقيقة فلا محالة يكون مستعملا في غير ما وضع له وهو معنى المجاز والمبالغة إنما تحصل هناك من جهة ملاحظة المشابهة في تشبيه المضمر في النفس فالفرق بينها وبين نقل الاسم بالوضع الجديد ظاهر فالفرق بينه وبين التشبيه التصريح بالمغايرة وعدم اندراج المشبه في المشبه به هناك وإبهام اندراجه فيه في الاستعارة نظرا إلى ظاهر اللفظ لإضمار التشبيه في النفس فيكون أبلغ في إظهار المشابهة حيث أطلق عليه اسم المشبه به ولذا اختار جمهور أهل البيان كونها من قبيل المجاز اللفظي أقول إن مجرد إطلاق اسم المشبه به على المشبه مع كون المشبه خارجا عن أفراده الحقيقية