الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
231
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
ضده حسبما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى فإن قلت إنا نجري الإيراد حينئذ بالنسبة إلى غلبة الداعي إلى المأمور به وغلبة الداعي إلى ضده لكونهما ضدين أيضا وقد صار رجحان الداعي إلى الفعل سببا لانتفاء رجحان الداعي إلى ضده والمفروض توقف حصول الضد على انتفاء الآخر فيلزم الدور المذكور قلت لا سببيّته بين الأمرين بل رجحان الداعي إلى الفعل إنما يكون بمرجوحية الداعي إلى الضد فهو حاصل في مرتبة حصول الآخر من غير توقف بينهما يقدم ذلك على الآخر في الرتبة فرجحان الداعي إلى المأمور به مكافأ في الوجود بمرجوحية الداعي إلى ضده إذ الرجحانية والمرجوحية من الأمور المتضايفة ومن المقرر عدم تقدم أحد المتضايفين على الآخر في الوجود ورجحان الداعي إلى الضد مع رجحان الداعي إلى المأمور به وإن لم يكونا متضايفين إلا أن رجحان الداعي إلى الضد منفي بعين مرجوحية الداعي إليه من غير ترتب بينهما فإن مرجوحيته عين عدم رجحانه على الآخر فرجحان الداعي إلى المأمور به مكافأ لمرجوحية الداعي إلى ضده الذي هو مفاد عدم رجحانه من غير حصول توقف بين الأمور المذكورة وتوضيح المقام أن الأمرين المتقابلين إن كان تقابلهما من قبيل تقابل الإيجاب والسلب فلا توقف لحصول أحد الطرفين على ارتفاع الآخر إذ حصول كل من الجانبين عين ارتفاع الآخر وكذا الحال في تقابل العدم والملكة وقد عرفت عدم التوقف في تقابل التضايف أيضا وأما المتقابلين على سبيل التضاد فيتوقف وجود كل على عدم الآخر إلا أن يرجع الأمر فيهما إلى أحد الوجوه الآخر كما في المقام وعلى الثالث أن القول بكون فعل المأمور به وترك ضده معلولين لعلة واحدة فاسد لوضوح كون كل من الضدين مانعا من حصول الآخر وظهور كون ارتفاع المانع من مقدمات الفعل والفرق بين الضد والنقيض ظاهر لظهور أن حصول كل من النقيضين بعينه رفع للآخر فليس هناك أمران يعدان معلولين لعلة واحدة بخلاف المقام إذ ليس حيثية وجود أحد الضدين هي بعينها مفاد رفع الآخر وإنما يستلزمه وما يتراءى من حصول الأمرين بإرادة الفعل وانتفاء الصارف عنه لا يفيد كونهما معلولين لعلة واحدة لإمكان كون ذلك سببا أولا لانتفاء الضد ثم كون المجموع سببا لحصول الفعل فيكون عدم الضد متقدما في الرتبة على حصول الفعل وإن كان مقارنا له في الزمان فإن قلت إذا كان ترك الضد لازما للإرادة الملزمة للفعل حاصلا بحصولها فلا داعي للقول بوجوبه بعد وجوب ملزومه فالحال فيه كسائر لوازم المقدمات وقد عرفت أنه لا وجوب لشيء منها وإن لم تكن منفكة عن الواجب قلت قد عرفت أن انتفاء أحد الضدين من مقدمات حصول الآخر غاية الأمر أن يكون من لوازم مقدمة أخرى للفعل فإن ذلك لا يقضي بعدم وجوبه قبل وجوب ملزومه إذ أقصى الأمر عدم اقتضائه كونه من لوازم المقدمة وجوبه من جهة وجوب الفعل وهو لا ينافي اقتضاء وجوب الفعل وجوبه من حيث كونه مقدمة له إلا أن يقال باختصاص ما دل على وجوب المقدمة لغيره وهو فاسد لما عرفت من إطلاق أدلة القول بوجوب المقدمة وإذا عرفت تفصيل ما قررناه ظهر لك فساد ما ذكر من منع كون ترك الضد مقدمة ومنع اقتضاء استحالة الاجتماع مع الفعل قاضيا بكون تركه مقدمة لما عرفت من الدليل المثبت للتوقف وما ذكر من النقض سندا للمنع الأخير واضح الفساد للفرق البين بين الأضداد والموانع وما يلازمها فإن استحالة الاجتماع هناك ذاتية وهنا بالعرض والمانعية إنما يتم بالأول دون الأخير ثانيها أن القول بوجوب المقدمة لا يقضي بوجوب ترك الضد مطلقا وإنما يقضي بوجوب ترك الضد الموصل إلى أداء الواجب فإن ما دل على وجوب المقدمة إنما يفيد وجوبها من حيث إيصالها إلى الواجب لا مطلقا فإذا لم يكن المكلف مريدا لفعل الواجب لم يكن ترك الضد موصلا إلى الواجب فلا يكون الحكم بوجوب المقدمة قاضيا بوجوب ذلك نظرا إلى انتفاء التوصل به حينئذ إلى الواجب وإذا لم يكن حينئذ ترك الضد واجبا فمن أين يجيء النهي عنه ويدفعه ما عرفت من أن ما دل على وجوب المقدمة إنما يفيد وجوبها من حيث كونها موصلة إلى الواجب لا خصوص ما هو الموصل إليه وقضية ذلك وجوب ترك الضد في المقام من حيث إيصاله إلى أداء الواجب بأن يجتمع مع إرادة الواجب وسائر مقدماته ليتفرع عليها أداء الواجب ولا يمنع من وجوبه مقارنته لانتفاء سائر المقدمات إذ مطلوب الأمر حينئذ إيجاد الجميع وعدم إقدام المكلف على إيجادها لا يقضي بخروج شيء منها عن الوجوب فعدم حصول الإيصال بها فعلا لا ينافي وجوبها من حيث حصول الإيصال بها بأن يأتي بسائر المقدمات أيضا فيتبعه الإيصال فحينئذ إذا لم يأت لغيرها كان تاركا لما لم يأت بها من المقدمات دون ما أتى به أيضا حسبما يقتضيه التقرير المذكور ثالثها المنع من وجوب المقدمة مطلقا أو خصوص المقدمة الغير السببية كما اختاره المصنف رحمه الله وقد أشار إليه بقوله فإنا نمنع وجوب المقدمة إلى آخره وجوابه ما تبين من ثبوت وجوب المقدمة مطلقا وبطلان القول بنفي وجوبها على الإطلاق أو على التفصيل حسبما مر القول فيه رابعها أن المقدمة إنما تجب للتوصل إلى الواجب كما يقتضيه الدليل الدال عليه وقضية ذلك اختصاص الوجوب بحال إمكان حصول التوصل بها لا مطلقا ولا ريب أنه مع وجود الصارف عن المأمور به وعدم الداعي إليه المستمر أن مع الأضداد الخاصة لا يمكن التوصّل بها فلا وجوب لها خامسها أن حجة القول بوجوب المقدمة على تقدير تسليمها إنما ينهض دليلا على الوجوب عند التأمل فيها حالكون المكلف مريدا للفعل المتوقف عليها دون ما إذا لم يكن مريدا له كما هو الحال عند اشتغاله بفعل الضد وهذان الوجهان يأتي الإشارة إليهما في كلام المصنف في آخر المسألة ويأتي الإشارة إلى ما يزيفهما [ الدليل الثاني ] قوله وهو محرم قطعا لما عرفت من الاتفاق على دلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضده العام بمعنى الترك وإن وقع الكلام في كيفية تلك الدلالة حسبما مر قوله لأن مستلزم المحرم محرم هذا إما مبني على ما مر من وجوب المقدمة السببية فكما يكون سبب الواجب واجبا فكذا يكون سبب المحرم محرما لاتحاد المناط فيهما وهذا هو الذي بنى عليه المصنف ره في الجواب أو مبني على ثبوت تحريم الأسباب المفضية إلى الحرام أما من تتبع موارد حكم الشرع بحيث يعلم بناء الشرع على تحريم تلك الأسباب أو لدعوى