الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

232

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الإجماع على ذلك بالخصوص فلا ربط له إذن بالقول بوجوب المقدمة [ الجواب من الدليل الثاني ] قوله فإن العقل يستبعد قد عرفت أن مجرد استبعاد العقل لا ينهض حجة شرعية على إثبات الحكم في الشريعة فالاستناد إليه في المقام مما لا وجه له أصلا ثم إن المراد بالعلة في المقام هو المقتضي لحصول الحرام إذا صادف اجتماع الشرائط ولا يريد به خصوص العلة التامة لخروجه عن المصطلح كيف ولو أراد به ذلك لزمه القول بوجوب الشروط فإنها من أجزاء العلة التامة ومن البين أن تحريم الكل يستدعي تحريم أجزائه ولا يقول المصنف رحمه الله به ويمكن أن يريد به الجزء الأخير من العلة التامة فإنه الذي يتفرع عليه حصول الحرام فما يقال من أن ما ذكره إنما يوجه إذا كان علة تامة للازم ليس على ما ينبغي والمراد بتحريمه كونه محظورا في الشريعة مطلوبا تركه على ما هو المقصود من الحرام وليس المراد به أن يترتب عليه عقوبة أخرى سوى العقوبة المترتبة على اللازم لوضوح فساده في المقام وليس استحقاق العقوبة كذلك من لوازم التحريم مطلقا حتى يلزم القول بحصوله بعد القول بتحريمه والمراد بكون تحريم المعلول مقتضيا لتحريم علته هو قضاؤه بتحريم علته المفضية إلى الحرام بأن يكون وجود الحرام مسبّبا عنه لا مجرد ما يكون من شأنه العلية وإن لم يستند وجود الحرام إليه هذا إذا تسبب الحرام عن إحدى تلك العلل فقارنها وجود غيرها من غير أن يتسبب ذلك الحرام عنها وأما إذا لم يأت به وكان له أسباب عديدة فظاهر ما ذكره المصنف تحريم الجمع لكون كل منها سببا لحصول الحرام فقضيته قضاء تحريم المعلول بتحريم علته هو حرمة جميع تلك الأسباب وقد يورد في المقام بأن تحريم تسليم المصنف كون تحريم المعلول قاضيا بتحريم علته يستلزم قوله بوجوب المقدمة الغير السببية أيضا لكون ترك الواجب محرما قطعا وكون ترك كل من مقدماته علة لترك الواجب ومستلزما له وإن لم يكن هناك استلزام من جانب الوجود وتخصيص العلة والمعلول بالوجوديين تحكم صرف لاطراد العلة وكذا القول بتخصيص أحدهما بذلك فلا يصح له حينئذ نفي وجوب غير السبب حسبما اختاره قلت وقد مر تفصيل الكلام في ذلك عند ذكر الدليل المذكور في عداد أدلة القول بوجوب المقدمة فلا حاجة إلى إعادته وبملاحظته تبين الحال في الإلزام المذكور قوله فإن انتفاء التحريم في أحد المعلولين إلى آخره لا يخفى أن قضيته ما ذكره من قضاء تحريم المعلول بتحريم العلة أنه مع انتفاء التحريم عن المعلول لا قضاء فيه بتحريم العلة وأما قضاؤه بانتفاء التحريم عن العلة فلا لوضوح أن انتفاء الملزوم لا يقضي بانتفاء اللازم وأقصى ما يفيده انتفاء السبب الخاص انتفاء المسبب من تلك الجهة لا مطلقا وهو لم يقم حجة على أن إباحة المعلول قاضية بإباحة العلة كما أن تحريمه قاض بحرمتها فغاية الأمر عدم تحريمها من تلك الجهة وهو لا ينافي حرمتها من جهة أخرى إذ نفي التحريم عن الفعل من جهة خاصة لا يستلزم نفيه مطلقا كيف ومن البين أن شيئا من المحرمات لا تحريم فيها من جميع الجهات وإنما يحرم من الجهة المقبحة له وكذا الحال في المقام فإن القبح الحاصل في العلة من جهة قبح معلوله وأداؤه إلى القبح منفي بانتفاء القبح عن معلوله وأين ذلك من قضاء ذلك بالحكم بإباحته فما ذكره من أن انتفاء التحريم في أحد المعلولين يستدعي انتفاءه في العلة ليختص المعلول الآخر بالتحريم من دون علته ضعيف جدا إذ قد عرفت أن قضية انتفاء التحريم في أحد المعلولين عدم تحريم علته من تلك الجهة وهو لا ينافي تحريمه من جهة أخرى وهي حرمة معلول الآخر ثم إن قضية ما ذكره من قضاء انتفاء التحريم عن المعلول بانتفاء التحريم عن علته على فرض تسليمه دلالة حرمة العلة على تحريم المعلول ضرورة دلالة انتفاء المعلول على انتفاء العلة ولا يقتضي ذلك كون تحريم العلة سببا لتحريم المعلول كما يستفاد من كلام المدقق المحشي إذ الإفادة المذكورة إنما يجيء من جهة اقتضاء ارتفاع الحرمة عن المعلول بارتفاعها عن العلة فإذا حرمت العلة كشف ذلك عن تحريم المعلول إذ لو لم يكن محرما لقضي بعدم تحريم علته وقد فرض خلافه هذا ولا يخفى عليك أن ما ادعاه المصنف من لزوم اتحاد العلة والمعلول وكذا معلولا علة واحدة إن أراد به حصول محرمات عديدة يستحق الآتي بها عقوبات متعددة على حسبها فهو واضح الفساد إذ لا يزيد ما ذكره على حكم المقدمة وقد عرفت أنه لا عقوبة مستقلة على ترك المقدمات ولا قائل به كذلك في المقام وكذا إن أراد به ثبوت التحريم الغيري كذلك بعد ثبوت التحريم النفسي لأحدهما فإنه إنما يتم بالنسبة إلى علة المحرم دون معلوله إذ لا قائل بكون ما يتفرع على الحرام من اللوازم محرما آخر والحاصل أنه إذا تعلق التحريم بشيء كان المحرم هو ذلك الشيء دون غيره مما يتبعه ويلحقه غاية الأمر أن يكون السبب المفضي إليه محرما من جهة الإيصال إليه حسبما قرره ولا دليل على تحريم غيره أصلا كيف ولو صح ما توهم لكان إيجاب الأسباب قاضيا بإيجاب مسبّباتها لتحريم ترك السبب الواجب القاضي بتحريم مسبّبه مع أن الأمر بالعكس بل ربما قيل بأن التكاليف لا يتعلق بالمسببات وإنما يتعلق بأسبابها كما مرت الإشارة إليه وإن أراد به استناد التحريم إلى ما ذكر بالعرض نظرا إلى عدم انفكاكه عن الحرام نظير ما مر في مقدمة الواجب من وجوبها بالعرض لوجوب ذيها فهو كذلك قطعا وقد مر هناك أن ذلك مما لا ينبغي النزاع فيه ولا في جريانه في لوازم الواجب ولوازم المقدمات والأسباب إلا أن حمل العبارة على ذلك بعيد جدا كما هو ظاهر من ملاحظة كلامه إذ ليس الحرام حينئذ إلا شيئا واحدا يتعلق به التحريم بالذات وغير ذلك مما يلزمه ويتبعه إنما يحرم بتحريمه بالتبع والعرض فليس هناك إلا تحريم واحد وهو لا يلائم ما ذكره كيف ولو أراد ذلك لما جاز له إنكاره في القسم الآتي لوضوح جريانه فيه أيضا لدوران الحال فيه مدار عدم جواز الانفكاك ولو بحسب العادة فلا يعقل منعه من ذلك بالنسبة إليه قوله وأما إذا انتفت العلية بينهما إلى آخره لا يخفى أن الأمرين المتلازمين في الوجود إما أن يكونا علة ومعلولا بلا واسطة أو معها كمعلول المعلول مع علة العلة أو يكونا معلولي علة واحدة كذلك وهذه العلية إما بحسب العقل فالتلازم بينهما عقلي أو بحسب العادة فالملازمة عادية ومن الظاهر أن العلية العادية بمنزلة العقلية في تفريع الأحكام في المقام من