الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
230
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
عليه حسبما صرح به المفصل المذكور كما يقتضيه هذه الحجة المقررة وهي عمدة حججهم على المسألة والمعول عليها كما ستعرف الحال فيها وتقريرها أن ترك كل من الأضداد الخاصة من مقدمات حصول الواجب نظرا إلى استحالة اجتماع كل منها مع فعل الواجب فيكون مانعا من حصولها وترك المانع من جملة المقدمات وقد مر أن مقدمة الواجب واجبة فتكون ترك الضد واجبا وإذا كان تركه واجبا كان فعله حراما وهو معنى النهي عنه وقد يورد عليه بوجوه أحدها المنع من كون ترك الضد من مقدمات الفعل وإنما هو من الأمور المقارنة له وليس مجرد استحالة اجتماع الضد مع أداء الواجب قاضيا بكونه من موانع الواجب ليكون تركه مقدمة لفعله فإن الأمور اللازمة للموانع مما يستحيل اجتماعها مع الفعل مع أنها ليست مانعة منه ولا تركها مقدمة لحصوله وقد يحتج على ذلك أيضا بوجوه أحدها أنه لو كان ترك الضد مقدمة لفعل ضده لكان فعل الضد مقدمة لترك ضده بالأولى إذ التوقف المدعى في الأول من قبيل توقف المشروط على الشرط وفي الثاني من قبيل توقف المسبب على السبب فإن من البين أن فعل الضد مستلزم لترك الآخر وسبب لتركه والتوقف على المقدمة السببية أوضح من غيره والتالي فاسد جدا وإلا لزم صحة قول الكعبي بانتفاء المباح فالمقدم مثله ثانيها أنه لو كان كذلك لزم الدور فإنه لو كان فعل الضد من موانع فعل الواجب كان فعل الواجب مانعا منه أيضا ضرورة حصول المضادة من الجانبين وكما أن ترك المانع من مقدمات حصول الفعل فكذا وجود المانع سبب لارتفاع الفعل فيكون فعل الواجب متوقفا على ترك الضد وترك الضد متوقفا على فعل الواجب ضرورة توقف المسبب على سببه غاية الأمر اختلاف جهة التوقف من الجانبين فإن أحدهما من قبيل توقف المشروط على الشرط والآخر من توقف المسبب على السبب وهو غير مانع من لزوم الدور ثالثها أن من المعلوم بالوجدان أنه إذا حصل إرادة المأمور به وانتفي الصارف عنه حصل هناك كل من فعل المأمور به وترك ضده فيكونان إذن معلولي علة واحدة فلا وجه إذن لجعل ترك الضد من مقدمات الفعل فكما أن السبب الباعث على حصول أحد النقيضين هو الباعث على رفع الآخر فكذا السبب لحصول أحد الضدين هو السبب لرفع الآخر فلا ترتب بين ترك الضد والإتيان بالفعل لوضوح عدم حصول الترتب بين معلولي علة واحدة إذ هما موجودان في مرتبة واحدة لا تقدم لأحدهما على الآخر في ملاحظة العقل ويرد على الأول أنه إن أريد بكون فعل الضد سببا لترك الآخر انحصار السبب فيه حتى إنه يتعين على المكلف الإتيان به ليتفرع عليه ما يجب عليه من ترك ضده فهو بين الفساد ضرورة أنه كما يصحّ استناد الترك إلى وجود المانع كذا يصح استناده إلى عدم الشرط أو السبب وإن أريد به كونه سببا للترك في الجملة وإن جاز أن يكون هناك سبب آخر لحصوله فلا يستلزم ذلك حينئذ ما يريده الكعبي من انتفاء المباح إذ مع استناد الترك إلى غيره لا يكون فعل الضد واجبا لظهور أن سبب الواجب إنما يكون واجبا إذا كان هو المؤدي إلى حصوله وأما إذا كان السبب المؤدي إليه أمرا آخر لم يكن ذلك السبب واجبا أصلا وإنما يكون مقارنا لحصوله غاية الأمر أنه لو فرض كون ترك الضد المحرم مسببا عن فعل ضده لزم أن يكون ذلك الضد واجبا وذلك لا يقضي بانتفاء المباح مطلقا على أنّا نقول بامتناع ذلك لأن فعل الضد مسبوق دائما بإرادته وهي كافية في حصول ترك الحرام سابقة على فعل الضد فلا يكون فعل الضد هو الباعث على ترك ضده في شيء من المقدمات وسيجيء تفصيل القول في ذلك في دفع شبهة الكعبي وعلى الثاني أن وجود الضد من موانع الضد الآخر مطلقا فلا يمكن فعل الآخر إلا بعد تركه وليس في وجود الآخر إلا شائبة كونه سببا لترك ذلك الضد إذ لا ينحصر السبب في ترك الشيء في وجود ترك الشيء في وجود المانع منه فإن انتفاء كل من أجزاء العلة التامة علة تامة لتركه ومع استناده إلى أحد تلك الأسباب لا توقف له على السبب المفروض حتى يرد الدور فإن قلت إنه مع فرض انتفاء سائر الأسباب وانحصار الأمر في السبب المفروض يجيء الدّور وهو كاف في مقصود المجيب قلت إنه لا يمكن انحصار السبب المؤدي إلى الترك في فعل الضد حسبما عرفت لكونه مسبوقا بإرادته وهي كافية في سببيّة الترك لوضوح أن السبب الداعي إلى أحد الضدين صارف عن الآخر فلا يتحقق استناد الترك إليه بالفعل في شيء من الصور لا يقال إنه يجري الكلام المذكور حينئذ بالنسبة إلى ذلك السبب الداعي إلى المأمور به لمضادته لضد المأمور به أيضا نظرا إلى امتناع اجتماعه معه فيقرر لزوم الدور بالنسبة إليه لأنا نمنع من ثبوت المضادة بينهما ومجرد امتناع الجمع بين الأمرين لا يقضي بالمضادة إذ قد يكون الامتناع بالعرض كما في المقام فإن امتناع اجتماعه معه من جهة مضادته للسبب الموصل إليه أعني إرادة ذلك الضد نظرا إلى امتناع اجتماع الإرادتين ولذا كان صارفا عن ذلك الضد كيف ومن البين أن إرادة أحد الضدين لا يتوقف على ترك الضد الآخر بوجه من الوجوه ولذا يصح استناد ذلك الترك إلى ترك الإرادة دون العكس لا يقال إنّا نجري الكلام حينئذ بالنسبة إلى الإرادة المفروضة وإرادة ذلك الضد إذ لا شك في ثبوت المضادة بينهما فنقول إن حصول الإرادة المذكورة سبب لعدم إرادة ضده لما ذكر من أن وجود أحد الضدين سبب لانتفاء الآخر مع أن وجودها يتوقف على انتفاء الآخر بناء على كون عدم الضد شرطا في حصول الضد الآخر لأنا نقول إن إرادة الفعل وعدمها إنما يتفرع عن حصول الداعي وعدمه فقد لا يوجد الداعي إلى الضد أصلا فيتفرع عليه عدم إرادته من غير أن يتسبب ذلك عن إرادة ضده بوجه من الوجوه وقد يكون الداعي إليه موجودا لكن يغلبه الداعي إلى المأمور به وحينئذ فلا يكون عدم إرادة الضد مستندا أيضا إلى إرادة المأمور به ليكون توقف إرادة المأمور به على عدم إرادة ضده موجبا للدور بل إنما يستند إلى ما يتقدمها من غلبة الداعي إلى المأمور به ومغلوبية الجانب الآخر الباعث على إرادة المأمور به وعدم إرادة الآخر فيكون وجود أحد الضدين وانتفاء الآخر مستندا في الجملة إلى علة واحدة من غير أن يكون وجود أحدهما علة في رفع الآخر ليلزم الإيراد ولا ينافي ذلك توقف حصول الفعل على عدم إرادة