الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
223
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
وسلم تنزيلها منزلة الدلالة المطابقية في تعلق الخطاب بمدلوله كان النهي عنه أصليا لكن القول بحصول الالتزام اللفظي في محل الخلاف على فرض ثبوت القائل به موهون جدا كما ستعرفه إن شاء الله ومع ذلك لا يترتب ثمرة على القول بتعلق الخطاب به أصالة والبناء على ثبوته تبعا حسبما مر الكلام فيه في مقدمة الواجب وحينئذ فما ذكره بعض الأفاضل من أن الخلاف في المسألة في النهي الأصلي المتعلق بالضد دون التبعي فهو ليس من محط النزاع في شيء بين الوهن وهو نظير ما ذكره في مقدمة الواجب من كون الخلاف في وجوبها الأصلي بل النفسي أيضا حسبما مر الإشارة وقد بينا هناك ما يرد عليه وما يتوهم في المقام من أن ما فرع على الخلاف المذكور من فساد الضد إذا كان عبادة موسعة يدل على إرادة التحريم الأصلي لعدم ترتب الفساد على النهي التبعي مدفوع بأنه إن كان عدم ترتب الفساد على النهي التبعي من جهة عدم تعلق صريح النهي به فهو بين الفساد لوضوح أن الفساد المستفاد من النهي المتعلق بالعبادة ليس من جهة دلالة اللفظ عليه ابتداء بل من جهة دلالة اللفظ منافاة التحريم لصحة العبادة وحينئذ فأي فرق بين استفادة التحريم من اللفظ ابتداء أو من العقل بواسطة اللفظ كما في المقام أو من العقل المستقل وإن كان من جهة كون النهي المتعلق به حينئذ غيريا إذ لا منافاة فيه للرجحان المعتبر في العبادة ليكون قاضيا بفسادها ففيه أولا أن دعوى كون النهي المتعلق بالضد الخاص نفسيّا ليكون هناك تكليفان أصليان مستقلان مما يشهد به الوجدان السليم بفساده بل هو واضح الفساد بحيث لا مجال لتوهم الخلاف فيه كما مرت الإشارة إليه وثانيا أنه لا داعي إلى حمل كلامهم على هذا الوجه السخيف ومجرد ما ذكر من الوجه لا يقضي به إذ التزام دلالة النهي الغيري المتعلق بالعبادة على الفساد أهون من ذلك بمراتب بل لا غبار عليه في ظاهر النظر نظرا إلى أن صحة العبادة يتوقف على تعلق الأمر بها ومع فرض تعلق النهي الغيري بها لا مجال لتعلق الأمر لاستحالة تعلق الأمر والنهي بشيء واحد ولو من جهتين على ما هو المعروف بينهم وكون النهي غيريّا لا يقضي بجواز الاجتماع إذ الجهة القاضية بالمنع في غيره قاضية بالنسبة إليه أيضا لاتحاد المناط في المنع إذ مع كون ترك العمل مطلوبا للشارع ولو لأجل الغير لا يعقل أن يكون فعله مطلوبا أيضا نعم هناك وجه دقيق لعدم ترتب الفساد على النهي الغيري في المقام غير ما يتخيل في بادي النظر يأتي بيانه إن شاء الله ولا يقضي ذلك بصرف كلامهم في المقام عن ظاهره وحمله على ذلك الوجه الفاسد والحاصل أنه لو فرض فساد الدعوى المذكورة فمن الظاهر أنه ليس أمرا ظاهرا وعلى فرض ظهوره فليس في الوضوح كوضوح فساد التزام تكليفين نفسيين حاصلين في المقام حتى يصح جعل ذلك شاهدا على حمل كلامهم على ذلك الاحتمال الذي لا ينبغي وقوع الخلاف فيه بين أهل العلم غاية الأمر أن يقال بفساد ما بنوا عليه من الثمرة بعد التأمل حسبما يأتي بيانه إن شاء الله فتلخص مما قررنا أن النزاع في المقام في تعلق النهي الغيري التبعي بالضد فالقائل بكون الأمر بالشيء مستلزما للنهي عن ضده إنما يعني به ذلك والقائل بعدمه يمنع عن حصول النهي عن الضد من أصله غاية الأمر أن يقول بكون الضد مما لا بد من تركه أو كون تركه مطلوبا لمطلوبية المأمور به لعدم انفكاكه عنه بأن يكون هناك طلب واحد يتعلق بالمأمور به بالذات وبترك الضد بالعرض على ما مرت الإشارة إلى نظيره في مقدمة الواجب ثانيها أنه لا خلاف لأحد في كون صيغة الأمر مغايرة لصيغة النهي وأنه لا اتحاد بين الصيغتين في الوجود حتى يكون صيغة افعل عين صيغة لا تفعل وكذا في عدم حصول الملازمة بين الصيغتين لوضوح خلافه بالحس فلا يقع في مثله التشاجر بين العلماء وإنما الخلاف في المقام في كون صيغة الأمر بالشيء قاضيا بمفاد النهي عن الضد حتى يكون الحاصل بصيغة الأمر أمرين أعني الأمر بالشيء والنهي عن ضده سواء كانا حاصلين بحصول واحد أو حصولين يتبع الثاني منهما للأول في الوجود أو أنه ليس الحاصل هناك إلا الأمر بالشيء لا غير ثم إنه لا تأمل في وقوع الخلاف بينهم في اقتضاء الأمر للنهي بالنسبة إلى الأضداد الخاصة كما هو ظاهر من ملاحظة كلماتهم وفي وقوع الخلاف بالنسبة إلى الضد العام بمعنى الترك تأمل نظرا إلى وضوح اقتضاء الأمر له بحيث لا مجال للريب فيه فيبعد وقوع النزاع في مثله إلا أن يكون الخلاف فيه في كيفية الاقتضاء حسبما يشير إليه المصنف ولذا حكي الإجماع على ثبوت أصل الاقتضاء لكن يظهر من كلمات جماعة من الأصوليين وقوع الخلاف أيضا منهم السيد العميدي في المنسية حيث عنون البحث في الضد العام بمعنى الترك وجعله مضادا للمأمور به بالذات وما يشتمل على الترك من أحد الأضداد الوجودية مضادا له بالعرض فقال بكون الأمر بالشيء قاضيا بالنهي عن ضده العام بالمعنى المذكور بالذات وعن سائر الأضداد الوجودية بالعرض وقد حكي الخلاف فيه عن جمهور المعتزلة وكثير من الأشاعرة وعزي اختياره إلى محققي الفريقين من المتأخرين وهذا كما ترى صريح في وقوع الخلاف في الأمرين وربما يلوح ذلك من العلامة في النهاية وقد استقرب القول بإفادة الأمر بالشيء النهي عن ضده العام بمعنى الترك إذا لم يكن الأمر غافلا عنه وربما يستفاد القول به من السيد قدس سره في الذريعة حيث قال إن الذي يقتضيه الأمر كون فاعله مريدا للمأمور به وأنه ليس من الواجب أن يكره الترك ثم ذكر الأمر المتعلق بالنوافل مع أنه سبحانه ما نهى عن تركها ولا كره أضدادها فالظاهر على هذا وقوع الخلاف بالنسبة إلى الضد العام أيضا إلا أنه ضعيف جدّا ويمكن تصوير القول بعدم الاقتضاء فيه بوجهين أحدهما أن يكون مبنيا على القول بجواز التكليف بالمحال فيجوز عنده الأمر بالفعل وبالترك معا فلا يدل مجرد الأمر بالشيء على المنع من تركه وفيه أن قضية القول المذكور جواز حصول المنع من الترك والأمر به معا فلا يلزم من حصول الأمر بالفعل والترك معا إلا حصول المنع من الترك والأمر بالترك فيكون المنع من الترك حاصلا في المقام أيضا كما يقول به من لا يجوز التكليف بالمحال من غير فرق كيف والقائل بجواز التكليف بالمحال لا يقول ببطلان دلالة التضمن أو الالتزام غاية الأمر أن يقول بجواز اجتماع الأمرين ثانيهما أن يكون ملحوظ القائل المذكور أنه ليس الحاصل في المقام إلا تكليف إيجابي فقط من غير أن يتحقق هناك تحريم بل إنما يكون المنع من الترك حاصلا بالتزام العقل من غير أن يكون هناك أمر آخر غير الإلزام المذكور فليس هناك إذن نهي عن الضد وأنت خبير بأنه إن تم التقرير المذكور حسبما يجيء بيانه إن شاء الله أفاد كون الأمر بالشيء عين النهي عن ضده بحسب الخارج فيعود النزاع لفظيا حيث إن القائل بعدم الدلالة يقول إنه ليس هناك شيء وراء إيجاب الفعل والآخر يقول إن المنع من الترك حاصل بحصول الإيجاب المذكور ثم إنه قد وقع