الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
224
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الخلاف أيضا بينهم في كيفية الاقتضاء في المقامين بعد اقتضاء أصل الدلالة حسبما قرره المصنف وسنشير إليه إن شاء اللّه في الضد العام ثالثها أن جماعة من المتأخرين قرروا النزاع في المسألة في الواجب المضيق إذا كان ما يضاده واجبا موسعا وقالوا إن الواجبين إما أن يكونا موسعين أو مضيقين أو المأمور به مضيقا والضد موسعا أو بالعكس وذكروا أنه لا خلاف في شيء من الأقسام إلا الثالث أما الحال في الموسعين فظاهر وأما المضيقان فإن كان اهتمام الشارع بهما على نحو واحد تخير المكلف بينهما وإن كان أحدهما أهم من الآخر اختص الأهم بالوجوب دون الآخر وبعضهم قسم الواجب حينئذ إلى ما يكون من حق اللّه أو من حق الناس أو أحدهما من حق اللّه والآخر من حق الناس ففي الأول والثاني يتخير المكلف بينهما إلا أن يثبت أهمية أحدهما وفي الثالث يقدم الثاني إلا أن يعلم كون الأول أهم منه ومرجع ذلك إلى الوجه الأول المتقدم إذ ليس تقديم حق الناس على حقه تعالى الأهمية في الجملة ففيه بيان لما هو الأهم على وجه كلي أما الوجه الرابع فالحال فيه ظاهر لوضوح عدم قضاء الأمر بالموسع بالنهي عن المضيق لعدم مزاحمته له وقد ناقشهم بعض الأفاضل في أمرين أحدهما في عد الموسع مأمورا به والمضيق ضدا مع أنه ينبغي أن يكون بالعكس الأمر لكون المضيق مطلوبا للشارع في ذلك الزمان البتة فيكون الموسع ضدا له ولذا بنى الفاضل المذكور على إسقاط القسم الرابع وجعل الوجوه ثلاثة ويدفعه أن صحة إطلاق كل من اللفظين مبني على حصول مدلوله في المقام والمفروض حصوله فأي مناقشة في إطلاق لفظه عليه وتضيق الطلب في جانب الضد وتوسعته في جانب المأمور به لا يمنع من إطلاق المأمور به على الموسع والضد على الآخر لوضوح تعلق الأمر بالموسع وكون الآخر ضدا له وإنما يطلق المأمور به حينئذ على الموسع حيث إن المقصود معرفة اقتضائه النهي عن ضده وعدمه فيقال إن تعلق الأمر بالموسع لا يقتضي تعلق النهي بضده المفروض فلا بد في هذا اللحاظ من اعتبار الموسع مأمورا به والآخر ضدا له وإن كان مضيقا وهو ظاهر وكون بقاء الأمر بالموسع حينئذ محلا للكلام لا يمنع من إطلاق اللفظ عليه مع تعلق الأمر به في الجملة كما هو الحال في غيره وثانيهما أن أهمية أحد الواجبين في نظر الشارع إنما يقتضي بأولوية اختيار المكلف له وأين ذلك من اختصاص التكليف به بحسب الشرع إلا أن يقوم هناك دليل شرعي على وجوب تقديم الأهم كما في الصلاة اليومية بالنسبة إلى صلاة الكسوف وهو أمر آخر وفيه أن المقصود من الأهمية في المقام هو ما يكون وجوبه أشد في نظر الشرع واهتمامه به أكثر ولا ريب أنه إذا كان الحال على ذلك كان الأخذ بالأهم كذلك متعينا عند الدوران بينه وبين غيره وثبوت الأهمية على الوجه المذكور أمر ظاهر من ملاحظة الشرع وممارسة الأدلة الشرعية من غير حاجة إلى قيام دليل خاص عليه فإذا ثبت ذلك من الشرع قضي بتقديم الأهم كما هو ظاهر من ملاحظة موارده هذا ولا يذهب عليك أن ما ذكره الجماعة من تخصيص محل النزاع بالصورة المذكورة غير مذكور في كلام المعظم بل كلماتهم مطلقة وإنما تعرض للتفصيل المذكور جماعة من المتأخرين وكان الحامل لهم على تخصيص الخلاف بالواجبين ظهور الثمرة بالنسبة إلى ذلك إذ لو لم يكن الضد مأمورا به لم يتفرع عليه الثمرة المفروضة من الحكم بفساده على القول باقتضائه النهي عنه وإخراج صورة توسعة الأمر من جهة ظهور عدم حرمة الترك قبل تضييق الأمر فلا يعقل تحريم أضداده الخاصة حتى يتبعه الفساد وأما إخراج الواجبين المضيقين فلعدم إمكان تعلق الأمر بهما على الوجه المذكور فإما أن يبنى على التخيير أو يحكم بتعيين الأهم فعلى الأول لا وجه للنهي عن الضد وعلى الثاني لا مسرح لاحتمال الصحة في الآخر قلت وأنت خبير بما فيه أما أولا فبأنه لا داعي إلى تخصيص النزاع بالصورة المفروضة مع إطلاق كلام الأصوليين واختصاص الثمرة بالصورة المفروضة على فرض تسليمه لا يقضي بتخصيص النزاع لإمكان وقوعه على سبيل إطلاق وإن أثمر الخلاف في صورة مخصوصة إذ لا يعتبر في ثمرة الخلاف جريانها في جميع جزئيات المسألة وأما ثانيا فلأن اختصاص الثمرة بالصورة المفروضة محل نظر لإمكان جريانها في غير الواجبات فإنه إذا كان الضد من العقود أو الإيقاعات أمكن القول بفساده من جهة النهي المتعلق به بناء على القول باقتضائه الفساد في المعاملات مطلقا وأيضا فلو كان الضد في نفسه من الأفعال المباحة فإن قلنا بتعلق النهي به لم يصح الاستئجار عليه ولم يستحق العامل أخذ الأجرة عليه لاندراجه إذن في أجود المحرمات ثم إن جريان الثمرة بالنسبة إلى المندوبات كالصلاة المندوبة والتلاوة والزيارة ونحوها ظاهر ولا وجه لتخصيص الحكم بالواجب وأما ثالثا فلأن الحكم بخروج المضيقين عن محل الخلاف غير ظاهر وما ذكر من الوجه إنما يقتضي بعدم جواز تعلق التكليف بهما معا وأما إذا كان التكليف بهما على الترتيب فمما لا مانع منه حسبما يأتي تفصيل القول فيه إن شاء الله وما ذكروه من خروج الأمر بالموسع عن محل الكلام فإنما يصح إذا لوحظ بالنسبة إلى الفعل الواقع في أجزاء الوقت قبل تضيق الواجب إذ من البين حينئذ عدم اقتضائه النهي عن ضده مطلقا ولو عن ضده العام بمعنى الترك إذ لا منع حينئذ عن تركه ولا يقتضي ذلك بتخلف اقتضاء الأمر بالشيء عن المنع عن تركه بل ولا النهي عن أضداده بناء على القول به بل قضائه بذلك حينئذ على نحو دلالته على الوجوب فكما أنه يفيد وجوب الفعل في تمام الوقت بمعنى إلزامه بأدائه في المدة المضروبة في الجملة فيفيد المنع عن إخلاء تمام الوقت عن الفعل المفروض وتركه فيه بل والمنع عن أضداده الوجودية المانعة عن الإتيان به كذلك فتلخص بما قررنا أن القول باقتضاء الأمر النهي عن ضده لا ينافي عدم حصول النهي عن ترك الواجب في أجزاء الوقت قبل حصول الضيق فإن قضاءه بالمنهي عن الضد إنما هو على طبق الأمر المتعلق به حسبما ذكرنا ولا يستلزم ذلك حصول المنع من الترك ولا النهي عن أضداده بالنسبة إلى ما يحصل به أداء الواجب ويتصف بالوجوب من جهة تحقق الواجب به كما هو الحال في جزئيات الواجب العيني فإنها متصفة بالوجوب من حيث تحقق الواجب بها مع أنه لا منع من ترك شيء من خصوص تلك الآحاد مع عدم انحصار الأمر في أداء الواجب به ويجري ما ذكرناه في الموسع بالنسبة إلى الواجب التخييري أيضا إذا كان ما أتى به من الضد ضد البعض ما خير فيه دون غيره بل وبالنسبة إلى الكفائي أيضا إذا علم قيام الغير به على فرض تركه والداعي إلى إخراج الموسع على حسبما ذكروه قاض بإخراج ما ذكره أيضا لحصول جواز الترك في المقامين في الجملة إلا أن يقال باندراجها في الموسع وهو بعيد جدا خارج عن مقتضى الاصطلاح