الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

203

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

دون الآخر نعم لو جعل الوجه المذكور دليلا على عدم تعلق الأمر بالمسببات وحدها مع أسبابها لكان له وجه نظرا إلى ما ادعي من اتحادهما في الإيجاد فيكون الأمر بإيجاد المسبب أمرا بإيجاد سببه أيضا لكنك خبير بأنه لا يتم الاحتجاج بالنسبة إلى ذلك أيضا فإنه مع وضوح فساده بما عرفت مدفوع بأن مجرد اتحادهما في الإيجاد لا يستدعي تعلق الأمر بهما إذ قد يكون ملحوظ الأمر حصول أحدهما من غير التفاته إلى حصول الآخر معه فمطلوبية الإيجاد من إحدى الجهتين لا يستلزم مطلوبيته من الجهة الأخرى فضلا عن أن يكون عينه نعم غاية الأمر أن يقال إنه لما كان إيجاد الواجب متحدا مع الآخر بحسب الواقع وكان المطلوب نفس ذلك الإيجاد صح بملاحظة ذلك إسناد التكليف إلى ذلك الأمر الآخر بالعرض والمجاز نظرا إلى اتحاده مع الواجب فيكون الأمر بالمسبب أمرا بالسبب على النحو المذكور نظير ما مرت الإشارة إليه في سائر المقدمات وقد عرفت خروجه عن محل النزاع وعلى الثالث أولا أنه لا دليل على توقف انقطاع التكليف على فعل المكلف به بل لو قيل بحصول الامتثال لو أتى بسببه المستلزم له في العادة نظرا إلى أدائه إلى أداء المطلوب لم يكن بعيدا إذا لم يحصل هناك ما يقتضي بتخلفه عن المسبب كما أنه يحصل عصيان النهي بالإتيان بالسبب المفضي إلى الحرام من حيث أدائه إليه وليس في كلامهم تصريح بخلافه وما ذكر من اختلافهم في زمان سقوط الواجب على قولين منزل على غير الصّورة المفروضة وثانيا أنه لا مانع من التزام بقاء التكليف بعد حصول السبب وما ذكر من اعتبار إمكان الفعل في جواز التكليف إنما هو بالنسبة إلى التكليف الابتدائي دون الاستدامي إذ لا مانع من القول ببقائه إلى صدور الفعل منه لعدم صدق الامتثال قبله فتأمل قوله لأن تعلق الأمر بالمسبب نادر لما كان مراد القائل بتعلق الأمر بالأسباب هو وجوب الأفعال التي يتعلق بها إرادة المكلف واختياره ابتداء دون ما يتسبب عن ذلك من الأفعال كما هو ظاهر كلامه أراد المصنف بيان قلة الثمرة في المسألة فليس هناك فرق يعتد به بين القول باختصاص الوجوب بالأسباب أو المسببات أو تعلقه بالأمرين وذلك لكون الأوامر الشرعية متعلقة في الغالب بنفس الأفعال الصادرة من المكلف ابتداء كالوضوء والغسل والصوم والصلاة ونحوها وتعلق الأمر بفعل توليدي للمكلف على فرض ثبوته نادر قوله وأثر الشك في وجوبه هين لكنك خبير بأن قضية وجوب السبب وجوب نفس الإرادة الملتزمة فإن ذلك هو السبب في صدور الأفعال وليست الأوامر متعلقة بها في الغالب فاختصاص كلام القائل بانصراف الأوامر إلى الأسباب نظرا إلى ما يوهمه من اختصاص القدرة عنده بما يتعلق به الإرادة والاختيار بلا واسطة لا يقضي بتخصيص السبب في المقام بذلك وحينئذ فدعوى تعلق الأمر غالبا بالأسباب كما ترى قوله لنا إنه ليس لصيغة الأمر إلى آخره لما كان مختار المصنف ملفقا من أمرين أعني نفي الدلالة على وجوب المقدمة لفظا أو نفي ملازمته له عقلا أراد إثبات الأول بقوله إنه ليس لصيغة الأمر دلالة إلى آخره وإثبات الثاني بقوله ولا يمتنع تصريح الأمر إلى آخره فجعل كل من الوجهين دليلا مستقلا على المطلوب كما في كلام الفاضل المحشي ليس على ما ينبغي إذ ليس في العبارة ما يفيد ذلك بل ظاهر سياقها يأبى عنه فلا داعي لحملها عليه مضافا إلى أنها لو حملت على ذلك كان استناده إلى الوجه الأول فاسد جدا إذ أقصى ما يفيده نفي الدلالة اللفظية ولا إشعار فيه بنفي الدلالة العقلية التابعة لملازمة إيجاب الشيء لإيجاب مقدمته قوله ولا يمتنع عند العقل إلى آخره فلو كان هناك ملازمة عقلية بين الأمرين لامتنع عند العقل تصريح الأمر بعدم وجوبه لما فيه من الحكم بتفكيك الملزوم عن اللازم وفيه أولا أنه لو تم فإنما يتم في دفع اللزوم البين ولو كان بمعناه الأعم وأما اللزوم الغير البين المفتقر إلى ملاحظة الوسط في الحكم بالملازمة فتجويز العقل للانفكاك بينهما وتجويزه في بادي النظر ترك المقدمة لا يفيد جوازه بحسب الواقع وبتقرير آخر إن أريد بجواز التصريح بجواز تركها إدراك العقل لجوازه بحسب الواقع فالملازمة مسلمة لكن بطلان التالي ممنوع كيف وهو أول الدعوى ومجرد تجويز العقل في بادي الرأي تصريحه بجواز تركها لا يفيد جوازه بحسب الواقع وإن أريد به امتناع التصريح بعدمه في ظاهر نظر العقل فالملازمة ممنوع لإمكان أن يكون هناك ملازمة بين الأمرين ويكون تجويز العقل للتصريح بنفيه مبنيا على جهله بالحال وثانيا بالمنع من جواز تصريح الأمر بجواز تركها كيف وقد نص المصنف بعد ذلك بعدم جواز تصريح الشارع بجواز تركها ومعلوم أن المانع من ذلك هو العقل إذ لا نص يدل عليه فلا خصوصية حينئذ لذلك بتصريح الشارع بل يعم غيره فبين كلاميه تدافع بين والتحقيق أن يقال إنه إن أريد بجواز تصريح الأمر بجواز تركها تصريحه بالجواز بملاحظة ذاتها فمسلم ولا يفيد ذلك المدعى إذ أقصى الأمر أن يفيد ذلك عدم وجوبها لنفسها ولا كلام فيه وإن أريد جواز التصريح بجواز تركها ولو بملاحظة توقف الواجب عليها وأداء تركها إلى تركه فهو ممنوع بل من البين خلافه والاعتبار الصّحيح شاهد عليه وقد أجاب عنه بعض الأفاضل بمنع الملازمة إذ جواز تصريح الأمر بخلافه لا يمنع من اقتضائه وجوبها عين الإطلاق كما أن إفادة الظواهر ثبوت مداليلها لا ينافي التصريح بخلافه لقيام القرائن الظنية اللفظية أو غيرها عليه وبالجملة أن استلزام إيجاب الشيء وجوب مقدمته ظني فلا ينافي جواز التصريح بخلافه ولا يخفى ما فيه بعد ملاحظة ما قررناه كيف ولو كان الاقتضاء المذكور ظنيا لم ينهض حجة في المقام لعدم اندراجه في الدلالات اللفظية التي يكتفي فيها بمجرد المظنة والظنون المستندة إلى الوجوه العقلية لا عبرة بها في استفادة الأحكام الشرعية ثم إن الدليل المذكور هو حجة القائل بعدم وجوب المقدمة مطلقا وكان المصنف يفصل في تجويز العقل تصريح الأمر بتجويز ترك المقدمة بين المقدمة السببية وغيرها حتى يصح جعله دليلا على نفي الوجوب في غير الأسباب ومن ذلك يظهر وجه آخر لضعف الاحتجاج المذكور إذ لو صح حكم العقل بذلك فلا فرق بين السبب وغيره وإن لم يكن يحكم به بالنسبة إلى المسبب فلا يحكم به بالنظر إلى غيره أيضا لاتحاد المناط فيها هذا [ في ذكر جملة أخرى من أدلة المانعين من وجوب المقدمة مطلقا وما يرد عليها . ] وللمانعين من وجوب المقدمة مطلقا حجج أخرى موهونة لا بأس بالإشارة إلى جملة منها الأصل بعد تضعيف حجج الموجبين مضافا إلى أن المسألة مما يعم بها البلية ويشتد إليها الحاجة فعدم قيام الدليل في مثلها على الوجوب بل عدم تصريح الشارع به وعدم سؤال أحد من الأصحاب عنها مع غاية الاحتياج