الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

204

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

إليها دليل على انتفاء الوجوب بل وضوح انتفائه وأنت خبير بأن قضاء الأصل بعدم وجوب المقدمة أمر ظاهر لا سترة فيه لكن الشأن في تضعيف ما دل على وجوب المقدمة وستعرف الحال فيه ومنه يظهر فساد التأييد المذكور وكان الوجه في عدم وروده في الأخبار غاية وضوح الحال في وجوبه على الوجه الذي بيناه وعدم تفرع ثمرة مهمة عليه كما عرفت الحال فيه ومنها أنه لو وجبت المقدمة لكان بإيجاب الأمر له وتعلق طلبه به ومن البين أن إيجاب الأمر بشيء يتوقف على تصوره لذلك الشيء ضرورة استحالة الأمر بالشيء مع الذهول عن المأمور به بالمرة ويتوقف على تصوره لإيجابه ضرورة أن صدور الفعل الاختياري يتوقف على تصور ذلك الفعل ولو بوجه ما ومن البين انتفاء ذلك في كثير من صور الأمر بذي المقدمة لوضوح أنه يمكن الأمر بالشيء مع الذهول عن مقدمته بالمرة فضلا عن إيجابه وأجيب عنه بوجوه أحدها منع كون إيجاب الشيء مستلزما لتصوره وتصور إيجابه فإنه إنما يلزم ذلك بالنسبة إلى الإيجاب الأصلي دون التبعي لتبعية إيجابه لإيجاب متبوعه بمعنى حصوله بحصول إيجاب متبوعه فهو من قبيل لوازم الأفعال الحاصلة بحصولها والأفعال المتفرعة على فعل الفاعل لا يلزم أن يكون الفاعل شاعرا لها فإنك إذا أكرمت زيدا ولزم من إكرامك له إهانة عمرو لا يلزمك تصور الإهانة المفروضة ولا القصد إليه قطعا وهو أمر واضح لا يترتب فيه عاقل وقد يقرر ذلك بوجه آخر وحاصله منع المقدمة الأولى فإن وجوب المقدمة لا يتوقف على إيجاب الأمر لها بل إنما يتوقف على إيجاب ذي المقدمة يستلزم وجوب مقدمته من غير أن يحصل هناك إيجاب من الأمر للمقدمة فوجوبها تابع لإيجاب ذيها وآت من قبله ولا يلزم من ذلك التفكيك بين الوجوب والإيجاب فإن إيجاب ذي المقدمة إيجاب أصلي لها فوجوبه أيضا وجوب أصلي وذلك بعينه إيجاب للمقدمة تبعا فوجوبه الحاصل به تبعي أيضا فإن شئت قلت إن كان المقصود مما ذكر في المقدمة الأولى من أن وجوب المقدمة إنما يكون بإيجاب الأمر لها أنه لا بد أن يكون وجوبه بإيجاب مستقل متعلق به فهو ممنوع فإن ذلك إنما يتم لو كان وجوبها أصليا وأما الوجوب التبعي فلا يفتقر إلى ذلك وإن كان المقصود أن وجوبه يفتقر إلى إيجاب الأمر له ولو تبعا لإيجاب غيره فالمقدمة الثانية ممنوع إذ إيجاب الشيء تبعا لا يتوقف على تصوره حسبما قررناه ثانيها منع إمكان الأمر بشيء والذهول عن مقدمته بالمرة وإنما الممكن جواز الذهول عن التفصيل والمانع من تعلق الإيجاب إنما هو الأول دون الثاني وفيه ما لا يخفى ثالثها أنا لا نقول إن الأمر بالشيء يستلزم الأمر بمقدمته مطلقا من أي أمر صدر بل المقصود أنه إذا صدر عن الحكيم العالم الشاعر بها كان مستلزما لإرادة المقدمة والأمر بها كما هو الحال في أوامر الشرع التي هي محط الكلام في المقام وهذا الكلام منظور فيه لوجهين أحدهما مخالفته لما سيجيء من الأدلة الدالة على وجوب المقدمة فإنها إن تمت أفادت الملازمة بين الأمرين بالشيء والأمر بمقدمة من أي آمر صدر حكيما كان أو لا شاعرا للمقدمة أو لا وثانيهما أنه قد يكون الآمر حكيما شاعرا بها ومع ذلك لا يوجبها كما إذا كان نافيا للملازمة بين إيجاب الشيء وإيجاب مقدمته على ما هو حال المنكرين لوجوب المقدمة أو كان شاكا فيه نعم لو كان الآمر حكيما شاعرا بالمقدمة معتقدا للملازمة بين الأمرين كان إيجابه للشيء مستلزما لإيجابه لمقدمته ولا يتم ذلك في الأوامر الشرعية إلا بعد إثبات الملازمة المذكورة وهو دون ظاهر ويمكن دفعه بأنا إنما نقول بكون الأمر بالشيء مستلزما للأمر بمقدمته إذا كان الآمر حكيما شاعرا للمقدمة غير مسبوقة بالشبهة القاضية بإنكار وجوب المقدمة أو الشك فيه ومنها أنه لو كان وجوب المقدمة لازما لوجوب ذيها لاستحال الانفكاك بينهما مع أنا نرى جواز ذلك فإن من يقول بعدم وجوب المقدمة إذا تعلق منه الأمر بذي المقدمة لا يحصل منه إيجاب مقدمته ولا يرى وجوبها على المأمور ويدفعه أنه إنما ينكر حصول وجوب المقدمة بإيجابه لذي المقدمة ولا ينافي ذلك حصول وجوبها بذلك بحسب الواقع وغفلته عنه وتصريحه حينئذ بعدم إيجابه للمقدمة يناقض ذلك وإن كان غافلا عن مناقضته له ومنها أن كل واجب متعلق للخطاب فإن الوجوب قسم من أقسام الحكم الشرعي الذي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين وينعكس ذلك بعكس النقيض إلى قولنا كل ما ليس متعلقا للخطاب لا يكون واجبا فحينئذ نقول إن المقدمة ليست متعلقة للخطاب وكل ما ليس متعلقا للخطاب فليس واجبا ينتج أن المقدمة ليست واجبة وقد ظهر الحال في الكبرى وأما الصغرى فلوضوح أن الخطاب المتعلق بذي المقدمة لا يشمل مقدمته حتى يكون متعلقا للخطاب وجوابه ظاهر مما مر فإنه إن أريد بكون كل واجب متعلقا للخطاب خصوص الخطاب الأصلي فالكلية ممنوع وما ذكر في حد الحكم إنما يراد به الأعم من الأصلي والتبعي وإن أريد به الأعم من الأمرين فالصغرى المذكورة ممنوع وما ذكر في بيانه إنما يفيد عدم تعلق الخطاب الأصلي بها ومنها أنه لو وجبت المقدمة لتحقق العصيان بتركها والتالي باطل لتعلق للعصيان بترك ذي المقدمة خاصة وجوابه واضح فإنه إن أريد به لزوم العصيان بتركها لذاتها فالملازمة ممنوع والسند ظاهر مما مر فإن ذلك من خواص الواجب النفسي ولا يمكن تحققه في الواجب الغيري وإن أريد به تحقق العصيان ولو من حيث أدائها إلى ترك غيرها فالملازمة مسلمة لكن بطلان التالي ممنوع لوضوح ترتب العصيان على ترك المقدمة على الوجه المذكور ومنها أنه لو وجبت المقدمة لثبت قول الكعبي بانتفاء المباح وفساد التالي ظاهر أما الملازمة فلأن ترك الحرام واجب وهو لا يتم إلا بفعل من الأفعال لعدم خلو المكلف عن فعل والمفروض وجوب ما لا يتم الواجب إلا به فيكون تلك الأفعال واجبة على سبيل التخيير وجوابه أن اندفاع شبهة الكعبي غير متوقف على نفي وجوب المقدمة بل هي ضعيفة على القول بوجوبها أيضا كما سيجيء الكلام فيها إن شاء الله تعالى ومنها أنه لو كانت المقدمة واجبة لوجب فيها النية لوجوب امتثال الواجبات ولا يتحقق ذلك إلا بقصد الطاعة والتالي باطل بالإجماع ووهنه واضح فإنه إن كانت المقدمة عبادة كالوضوء والغسل أو العبادة المتكررة لأجل تحصيل العلم الواجب كما في الصلاة