الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
192
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بين هؤلاء في ظاهر كلامهم وإنما حكي ذلك قولا للبعض وقد عرفت توضيح القول بما ذكره المدقق المحشي من أنه لا شك أن الفور لو كان مدلولا للصيغة لكان قيدا للفعل إذ لا يرتكب أحد أن مدلول الأمر شيئان منفصلان أحدهما عن الآخر فكان معنى الصيغة حينئذ أن افعل الفعل في الوقت الفلاني أي الوقت للصيغة المتعقب لزمان التكلم ومن البين أيضا أنه لا فرق بين التقييد بزمان وزمان فيما يترتب على التوقيت محل نظر إذ فيه أولا ما عرفت من الفرق بين تقييد المطلوب بقيد مصرح به وبين دلالة الصيغة على لزوم الخصوصية لاحتمال دلالته عليه على وجه لا يتقيد به ذلك المطلوب فإن ذلك إنما يتبع وضع الواضع فإذا كان فهم العرف مساعدا عليه فأي مانع منه وقياسه على الآخر فاسد لا وجه له وثانيا أن ما ذكره إنما يتم لو كان مفاد الصيغة هو خصوص الفعل في أول أزمنة الإمكان حتى إنه لو كان الفعل في أول الأزمنة منه فات الفورية وأما إن قيل بوجوب الفور بمعنى لزوم التعجيل فيه على حسب الإمكان فيندرج الفور على حسب مراتب التأخير فلا يعقل كون تقييد المطلوب به قاضيا بسقوط الواجب حينئذ بفوات الفعل في أول أزمنة الإمكان بل هو قاض بخلافه فما ذكره المصنف من المبنى غير ظاهر والتحقيق فيه ما ذكره العلامة كما أشرنا وحيث إن المسألة لغوية فلا بد من ترجيح أحد الوجهين اللذين ذكرهما بالرجوع إلى اللغة أو فهم أهل العرف ليستكشف به الوضع اللغوي حسبما قررنا قوله ولا ريب في فواته بفوات وقته يريد بذلك بيان الحق في المسألة وأنه بناء على الوجه المذكور يفيد التوقيت ومع إفادته التوقيت لا ريب في فواته بفوات وقته بناء على ما هو الحق في تلك المسألة وإن خالف فيه من خالف فإن مجرد وجود الخلاف في المسألة لا يجعلها ظنيّة فضلا عن كونها مجهولة فتبين بذلك أنه على القول بذلك له صيغة الأمر على الفور بكون الفوات هو القول بفوات الوجوب عند فوات الفور ولا ينافي وجود القول بعدم فوات الوقت وكونه محلا للخلاف نعم لو أراد بذلك بيان عدم الخلاف في الفوات على القول المذكور تم ذلك وليس بصدده بل هو فاسد قطعا فالإيراد بكون ذلك معركة للآراء وقد قال جم غفير بكون القضاء بالأمر الأول بمجرد كون الفور مدلول الصيغة لا يكفي في تحقيق المقام كما ترى إذ ليس مقصود المصنف تحقيق المقام بمجرد كون مدلول الصيغة بل ذلك بعد ما قرر كون مفاد الصيغة هو التوقيت بما تقرر عنده واتضح من فوات الموقت بفوات وقته ولا ينافي ذلك وقوع الخلاف فيه قوله فحيث يعصي المكلف بمخالفة أورد عليه بأن طلب الفور والسرعة إن لم يقض تقييد الطلب بالزمان المعين لم يكن قاضيا في الصورة الأولى أيضا وإن اقتضى المتقيد به فلا يصرفه عن ذلك كون الدال عليه خارجا كما إذا دل دليل من خارج على كون الواجب موقتا فإن ذلك الواجب أيضا يفوت بفوات وقته من غير فرق بينه وبين ما دل الخطاب الأول على توقيته فلا فرق في ذلك بين الصورتين حسبما ضعفه إذ ليس مناط كلام المصنف الفرق بين التوقيتين بل غرضه أنه لو دل نفس الصيغة على إرادة إيقاعه في الزمان الأول كان ذلك لا محالة مفيدا للطلب المذكور وحيث إنه طلب واحد يلزم منه التوقيت إذ ليس مفاد التوقيت إلا طلب الفعل في الوقت وأما لو دل الخارج على وجوب المسارعة فلا يلزم منه التوقيت وتقييد الطلب الأول به حتى يكون المطلوب مقيدا بالوقت المفروض إذ لا دلالة في ذلك على اتحاد المطلوب بل الظاهر من إطلاق الدليلين تعدد المطلوب فنفس الفعل على إطلاقه مطلقا والمسارعة إليه مطلوب آخر فلا باعث للحكم بفوات الفعل عند فوات الفور نعم لو دل الدليل الخارجي على توقيت ذلك الواجب بالفور كما هو الحال في الموقت الذي ثبت التوقيت فيه من الخارج كان الأمر على ما ذكره قوله ما دل على وجوب المسارعة والاستباق من الآيتين لا دلالة فيه على ذلك فدعوى أن مجرد الأمر على ما ذكره الأول بالمسارعة والاستباق قاض بتوقيت الفعل بذلك حقيقة خالية عن الدليل بل الأصل وظاهر الإطلاق قاضيان بخلافه قوله والذي يظهر من سياق كلامهم لا يخفى أن كلامهم كالصريح في ذلك فإن الكلام في مفاد الصيغة ومقتضاه على ما هو الحال في دلالته على الوجوب فالترديد الذي ذكره المصنف في المقام غير متجه نعم هناك قول لبعض المتأخرين بوجوب الفور من الخارج بدلالة الشرع عليه وهو قول شاذ ليس التفريع المذكور مبنيا عليه كما لا يخفى [ في مقدمة الواجب . ] قوله الأكثرون على أن الأمر بالشيء هذه المسألة إنما يرتبط بالأوامر من جهة مدلولها الذي هو الوجوب وإلا فلا اختصاص بها بالأوامر إذ هو من أحكام الوجوب سواء كان الدال عليه أمرا أو غيره فالمقصود أن وجوب الشيء هل يستلزم وجوب ما لا يتم ذلك الشيء إلا به فيكون ذلك قاضيا بدلالة ما يفيد ثبوت الأول على الثاني أو أنه لا ملازمة بين الأمرين فلا دلالة وإذا كان الحكم المذكور من أحكام الوجوب ولواحقه فهو من الأحكام المرتبطة بالمبادي الأحكامية بل هو ألصق بها ولذا اختار الحاجبي ذكرها هناك وشيخنا البهائي ويمكن إدراجها في الأدلة العقلية أيضا لاستقلال العقل بالملازمة بين الأمرين فكما أن العقل قد يدرك بعض الأحكام بنفسه مع قطع النظر من ورودها في الشرع فكذا قد يدرك ثبوت بعض الأحكام بعد حكم الشرع بثبوت حكم آخر لاستقلاله بالملازمة بين الأمرين فثبوت الملازمة حكم عقلي وصرف ثبوت المقدمة شرعي ويتفرع عليها ثبوت اللازم فإثبات الملازمة بين الأمرين كما هو محط البحث في المقام مما يستقل به العقل وإن كان الحكم بثبوت اللازم بعد ورود الشرع بثبوت الملزوم وملفقا من العقل والنقل ولذا أدرجها بعضهم في الأدلة العقلية وكيف كان فتحقيق الكلام في المسألة يتوقف على رسم مقدمات أحدها [ في بيان تعريف الواجب . ] أن الواجب ما يذم تاركه في الجملة أو ما يستحق تاركه العقوبة كذلك ولا يرد عليه المخير لوضوح استحقاق تاركه الذم أو العقاب على فرض ترك الجميع فإن ترك كل منها دخل في الاستحقاق المفروض ولا الموسع ولو فرض فوت المكلف فجأة في أثناء الوقت نظرا إلى استحقاقه الذم أو العقوبة على ترك الطبيعة المأمور بها رأسا في تمام الوقت المضروب وقد يورد عليه بأن وجوب المقدمة على القول به إذ لا استحقاق للذم ولا العقوبة على تركها عند القائل بوجوبها كما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى وإنّما استحقاق الذم والعقاب على ترك ذيها ويمكن الجواب بأن المأخوذ في الحد هو استحقاق تاركه الذم أو العقوبة وهو يعم ما لو كان الاستحقاق