الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

193

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

المذكور على تركه أو ترك غيره وذلك حاصل في المقدمة وفيه أنه لو بني على التعميم المذكور لزم انتقاض الحد بسائر الأحكام لشمول الحد حينئذ للمندوب والمباح بل المكروه والحرام إذا جامع ترك أحدهما ترك الواجب إذ يصدق حينئذ على كل منها أنه ما يذم تاركه وإن لم يكن الذم على تركه بل على ترك غيره مضافا إلى أن البناء على التعميم المذكور خروج عن ظاهر العبارة فإن المستفاد مما يذم أو يعاقب تاركه أن يكون في تركه سببا لذمه أو عقابه لا ما إذا كان تاركه تاركا لغيره وكان استحقاق الذم أو العقوبة حاصلا من جهة ترك ذلك الغير من دون مدخلية تركه فيه وهو ظاهر ويمكن دفع ذلك بأن تارك المقدمة مستحق للذم أو العقوبة بسبب تركها لها لا على تركها بل على ترك ذيها فلها بعث على استحقاق الذم أو العقوبة لا أصالة بل أداء على ترك غيرها وتوضيح المقام أن ترك الفعل إما أن يكون باعثا على استحقاق الذم أو العقوبة أو لا يكون باعثا على استحقاق ذلك وإنما يكون مجامعا لترك فعل آخر يستحق الذم أو العقوبة على ترك ذلك الفعل فيمكن بملاحظة اتحاد العنوانين في المصداق الحكم باستحقاق ذلك الفعل للذم أو العقوبة وعلى الأول فإما أن يكون ترك الفعل المفروض باعثا على استحقاق الذم أو العقوبة من حيث كونه تركا فيكون مسببا للاستحقاق المذكور أصالة أو يكون باعثا على ذلك من جهة أدائه إلى ترك فعل آخر يكون الاستحقاق المذكور من جهة ذلك الترك عليه فيكون ترك ذلك الفعل سببا للاستحقاق المذكور تبعا لترك غيره من حيث أدائه إليه فهذه وجوه ثلاثة ومن البين أنه إذا لم يكن الترك باعثا على استحقاق الذم أو العقاب لا أصالة ولا تبعا لم يندرج في الحد المذكور لوضوح أنه لا يقال عرفا إن الزنا ما يذم تاركه يعني إذا جامع ترك بعض الواجب وإن صح الحكم المذكور في لسان العقل إلا أنه خارج عن الطريقة الجارية في المخاطبات العرفية وأما الوجهان الآخران فالظاهر اندراجهما في الحد وقد يكون الوجوب في أحدهما نفسيا وفي الآخر غيريّا فالواجب الغيري أيضا مما يستحق تاركه الذم أو العقوبة من جهة تركه لكن لا لذاته بل لأدائه إلى ترك غيره فالتارك للذهاب إلى الحج مع الرفقة الأخيرة بعد حصول الاستطاعة مستحق للذم أو العقوبة حين تركه له لا لأجل ترك الذهاب من حيث ذاته بل من حيث أدائه إلى ترك الحج فهو عاص مخالف للأمر المتعلق بالحج أصالة عند ترك المقدمة والطلب المتعلق به تبعا وإن فرض تعلق الأمر بها أصالة كما سيجيء بيانه إن شاء اللّه تعالى ولا يمنع من تحقق العصيان بالنسبة إلى ذي المقدمة عدم مجيء زمان أدائه إذ حقيقة العصيان مخالفة الأمر كما يصدق المخالفة بترك الفعل الواجب في الزمان المضروب له كذا يصدق بترك المقدمة الموصل إليه بحيث لا يتمكن منه بعد تركه ولو قبل مجيء الزمان المعين لأداء الفعل إذا تعلق الوجوب به عند ترك مقدمته فيكون عاصيا مستحقا للعقوبة والعرف أقوى شاهد على ذلك نعم لا بد في تحقق المخالفة بحسب الواقع حصول سائر شرائط التكليف بالنسبة إليه في وقت الأداء وأما إذا حصل هناك مانع آخر من أداء الفعل انكشف عدم تعلق الأمر به بحسب الواقع فلا مخالفة للأمر بحسب الواقع وإن كان عاصيا من جهة التحري وهو أمر آخر ثانيها [ في بيان قسمي الشرط أي المطلق والمشروط ] أن الواجب باعتبار ما يتوقف عليه في الجملة قسمان أحدهما أن يتوقف وجوده عليه من غير أن يتوقف عليه وجوبه كالصلاة بالنسبة إلى الطهارة وثانيهما أن يتوقف وجوبه عليه سواء توقف عليه وجوده كالعقل بالنسبة إلى العبادات الشرعية أو لم يتوقف عليه كالبلوغ بالنسبة إليها بناء على القول بصحة عبادات الصبي ومن البين أن الثاني لا يتصف بالوجوب قبل وجود مقدمته إذ المفروض توقف وجوبه على وجوده ولذا لا تأمل الحد في عدم وجوب مقدمته إذ لا يتعلق الوجوب بذيها قبل حصولها وبعد حصولها لا يمكن تعلق الوجوب بها وقد ظهر مما بينا أن الواجب المطلق والمشروط إنما يعتبران بالإضافة إلى خصوص كل مقدمة فإن توقف عليها الوجود دون الوجوب كان الواجب مطلقا بالنسبة إليها وإلا كان مشروطا لوضوح أنه لا واجب يكون مطلقا بالنسبة إلى جميع مقدماته ولا مشروطا بالنسبة إلى جميعها وقد ظهر بذلك أن ما ذكره جماعة في تعريف الواجبات المشروطة من أنه ما يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده والواجب المطلق ما لا يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده ليس على ما ينبغي إذ قد يتوقف الوجوب على ما لا يتوقف عليه الوجود فيلزمه خروجه من المشروط واندراجه في المطلق فينتقض به حد المشروط جمعا والمطلق منعا وكيف كان فهل يكون إطلاق الواجب على المشروط قبل تحقق مقدمته مجازا أو حقيقة نص جماعة منهم بالأول فجعلوه من باب تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه وحينئذ فلا حاجة إلى تقييد الأمر الواجب في المقام بالمطلق للاكتفاء بظاهر الاستعمال المنصرف إلى الحقيقة ويلوح من كلام السيد كون إطلاق الواجب عليه على سبيل الحقيقة أيضا ولا يذهب أن إطلاق الواجب عليه إن كان من جهة ثبوت العنوان المذكور له حين الإطلاق بملاحظة تلبسه به في المستقبل فلا ريب في كونه مجازا للاتفاق على كون المشتق مجازا في المستقبل وإن كان بملاحظة حال تلبسه به في المستقبل فيراد كونه واجبا عند حصول شرائطه وجوبه كان إطلاقه عليه حقيقة وإن لم يكن الشرائط حاصلة عند الإطلاق كما تقول إن الحج والزكاة من الواجبات في شريعة الإسلام فإن المقصود بذلك وجوبها عند وجود شرائط الوجوب من غير أن يكون هناك تجوز في الإطلاق فإطلاق جماعة أن إطلاق الواجب عليه قبل حصول الشرط على سبيل المجاز ليس على ما ينبغي وأبعد منه دعوى كون الأمر المطلق حقيقة في خصوص الواجب المطلق فإذا تعلق الأمر بالواجب المقيد كان مجازا استنادا إلى تبادر الأمر في حال إطلاقه في المطلق فيكون مجازا في غيره وهو ضعيف جدا وكيف ولو كان كذلك لكان جميع الأوامر الواردة في الشريعة مجازات لوضوح كونها مفيدة بشرائط عديدة منها البلوغ والعقل وتبادر إطلاق الأمر في المطلق إطلاق حاصل من ظهور الإطلاق لكون التقييد على خلاف الأصل كما هو الحال في سائر الإطلاقات ومن البيان أن تقييد سائر الإطلاقات لا يلزم أن يكون على سبيل التجوز وإن أمكن أن يكون مجازا أيضا فيما إذا أدرج التقييد في معنى اللفظ والحاصل أن تقييد الأمر بشرط أو شرائط لا