الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

18

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

محمولات المسائل وسائر التصورات التي يتوقف عليها التصديق بالمقدمات قريبة كانت أو بعيدة مذكورة في ذلك الفن أو غيره فاقتصاره في التصورات على ذكر التصورات الثلاث ليس على ما ينبغي وربما يحمل ذلك على المثال قوله ويسمى مجموع ذلك بالمبادي لا يخفى أن المبادي على ما ذكر هو ما يتوقف عليه التصديق بمسائل الفن فإن كانت تصديقات كانت مبادي تصديقية وإن كانت تصورات كانت مبادي تصورية وحينئذ يشكل الحال في عد المبادي من أجزاء العلوم كما هو المعروف بينهم إذ يلزم حينئذ جعل كثير من مسائل سائر العلوم جزءا من العلم الذي يتوقف عليها وهو خلاف المعهود وكان المعهود من أجزاء العلوم غير المعنى المذكور ولذا خص بعضهم المبادي التصديقية بالقضايا التي يتألف منها قياسات العلم والمبادي التصورية بحدود الموضوع وأجزائه وجزئياته وعوارضه الذاتية وبالجملة المناسب أن يراد من المبادي المجعول جزء من العلوم التصورات والتصديقات المذكورة في الفن مما يتوقف عليه التصديق بمسائل ذلك الفن فالأولى هي حدود الأمور المذكورة والمحمولات وحدود سائر التصورات المأخوذة في التصديقات المذكورة في الفن والثانية هي التي يتألف منها قياسات العلم فيكون للمبادي إطلاقات والمراد منها في المقام هو الأخير ولذا قوبل في المقام بالموضوع والمسائل إذ هما الجزءان الآخران للعلوم وحينئذ فالتعميم المذكور في المبادي التصديقية ليس على ما ينبغي وإنما المناسب لذلك هو بالمعنى الأول فلا تغفل وهناك إطلاق ثالث للمبادي ذكره ابن الحاجب وهو إطلاقه على ما يبتدأ به قبل الشروع في المقصود من الفن والنسبة بينه وبين كل من الإطلاقين المتقدمين هي العموم من وجه قوله عن الأحكام الخمسة إلى آخره قد يقال إنه يبحث في علم الفقه من سائر الأحكام الوضعية كالسببية والمانعية والشرطية وغيرها فلا وجه لتخصيص المبحوث عنه بالأمور السبعة وقد يدفع بأنه ليس في كلامه ما يفيد الحصر في المذكورات وإنما اقتصر عليها إذ هي الأحوال المتعلقة بأفعال المكلفين في الغالب وقد يقال برجوع السببية والشرطية ونحوهما إلى الأحكام المذكورة فإنّ مرجع سببيته الدلوك مثلا لوجوب الصلاة هو وجوب الصلاة عند الدلوك وعدم وجوبها قبله ومعنى اشتراط البيع بالملك أو إجازة المالك عدم صحته مع انتفائهما وهكذا وفيه أن مرجع الصحة والفساد أيضا إلى الأحكام التكليفية كما نص عليه غير واحد منهم ولذا قيل بانحصار الأحكام في الخمسة التكليفية فإن بني على استقلال كل من التكليفية والوضعية في كونه حكما شرعيّا كما هو المختار اتجه ذكر الجميع وإلا كان المتجه ترك ذكر الصحة والفساد أيضا قوله من حيث كونها عوارض لأفعال المكلفين يرد عليه أن اعتبار خصوص أفعال المكلفين يقضي بخروج ما كان من الأحكام المذكورة متعلقا بأفعال الأطفال والمجانين كالحكم بفساد عقودهم وإيقاعاتهم وفساد عبادات المجنون واستحباب سائر العبادات للصبي المميز بناء على شرعية عباداته كما هو الأظهر ونحو ذلك من الأحكام المتعلقة بأفعالهم وقد يذب عنه بالتزام الاستطراد في المباحث المذكورة وقد يورد عليه بأن كثيرا من مباحث الفقه لا يتعلق بأفعال المكلفين كمباحث الميراث سيما إذا كان الوارث والمورث غير مكلف والتزام الاستطراد فيه بعيد جدا وقد يوجه ذلك بأن المقصود هناك هو الأحكام المتفرعة عليه المتعلقة بالمكلفين فتأمل قوله من حيث الاقتضاء والتخيير فيه أنه لا وجه لقصر جهة البحث في الوجهين المذكورين مع تعميمه في المحمولات اللاحقة فكان ينبغي ذكر جهتي الصحة والفساد وقد يؤول بالتعميم في لفظ الاقتضاء بحيث يشتمل ذلك وكان الأولى أن يقول كونها متعلقات خطاب الشرع [ المقصد الثاني في تحقيق مهمات المباحث الأصولية . ] [ المطلب الأول في نبذة من مباحث الألفاظ . ] [ في تقسيمات اللفظ . ] قوله اللفظ والمعنى إن اتحدا المراد بالمعنى هو المفهوم الذي يقصد من اللفظ دون ما يلاحظ حين الوضع سواء كان ذلك اللفظ موضوعا بإزائه على جهة الخصوص أو العموم أو لم يكن موضوعا له والمراد باتحادهما أن يكونا متحدين في الملاحظة وإن كان اللفظ المعين لذلك المعنى متعددا في الواقع أو تعدد المعنى المعين بإزائه فيجري التقسيم المذكور بالنسبة إلى اللفظ والمعنى في جميع الأقسام الآتية إلا أن اختلاف الأقسام بحسب الملاحظة للزوم ملاحظة الكثرة من جانب واحد أو جانبين في تلك الأقسام بخلاف هذا وإن لم يكن ملاحظة الوحدة معتبرة في المقام أيضا إلا أنه لما كانت الكلية والجزئية باعتبار ملاحظة نفس المفهوم من حيث تجويز صدقه على الكثيرين وعدمه لزم اتحاد المعنى الملحوظ من تلك الجهة وإن فرض ضم غيره إليه إذ لا مدخل له في الاتصاف المذكور أصلا فليس الملحوظ في تلك الملاحظة إلا معنى واحدا ولو فرض ضم معنى آخر إليه فهو بملاحظة أخرى لا ربط له بذلك وبتلك الملاحظة ومن ثم لاحظ الوحدة في المقام لتقابل الأقسام ثم إن المتصف بالصفات المذكورة بالذات هو المعاني خاصة وإنما تتصف الألفاظ بها على سبيل التبعية كما أن الصفات الآتية يتصف بها الألفاظ بالذات ولا تتصف المعاني بها إلا بالتبعية على فرضه قوله إما أن يمنع نفس تصور المعنى إلى آخره أراد بذلك أن تكون نفس تصور المعنى مانعة عن الصدق على الكثرة مع قطع النظر عن جميع ما هو خارج عنه فيكون المعتبر في القسم الآخر أن لا تكون نفس تصور المعنى مانعة عن الصدق على الكثرة وإن امتنع صدقه عليها بحسب الواقع نظرا إلى غير الجهة المذكورة إما بامتناع صدقه على شيء من الإفراد أو امتناع صدقه باعتبار صدقه على ما عدا الواحد وهذا البيان في التقسيم أولى مما ذكر من بناء التقسيم على امتناع فرض صدقه على كثيرين وعدمه في القسمين المذكورين لما في لفظ الفرض من الاشتراك بين التقدير والتجويز ولا يصح الحد إلا على الأخير ولخروج الكلي الذي يمتنع صدقه على شيء مطلقا كشريك الباري أو على ما يزيد على الواحد كواجب الوجود عن حد الكلي واندراجه في الجزئي لعدم تجويز صدقه على كثيرين وقد يذب عنه بإمكان تصحيح الحد بالفرق بين استحالة الفرض وفرض المستحيل والمذكور في الحد هو امتناع الفرض والممتنع في الكلي المفروض إنما هو المفروض دون الفرض وفيه ما لا يخفى نظرا إلى امتناع تجويز العقل ذلك في بعض الكليات مما يكون امتناع صدقها على الإفراد ضروريا كاللاشيء والممتنع وأيضا يلزم اختلاف حال المفهوم في الكلية والجزئية باختلافه في التجويز المذكور فإنه قبل قيام البرهان على امتناع صدقه على كثيرين يندرج في الحد المذكور وبعد قيام البرهان عليه عند العقل يخرج عنه ثم إنه قد يورد على تقسيم المذكورات تارة بأن الشبح المرئي من البعيد مما يجوز العقل بصدقه على أمور عديدة مع أنه ليس بكلي وقد نص الشيخ على أن الطفل يدرك شبحا واحدا من أمه بحيث يصدق على غيرها ولذا يتخيل أن يكون كل وارد عليه هي أمه فيصدق ذلك على كثير مع كونه جزئيا حقيقيا وأخرى بأن كلا من المفاهيم الجزئية مطابق لصورة التي في أذهان الجماعة فيلزم أن يكون كليا وما يقال من أن الكلية والجزئية من العوارض الذهنية فهي إنما تعرض للمفاهيم الحاصلة في الذهن دون الأمور الخارجة مدفوع بأنا لا نلاحظ المفهوم الذكور من حيث وجوده في الخارج بل من حيث تصور المتصور له فإن ذلك المفهوم الحاصل في العقل مع كونه جزئيا حقيقيا منطبق على جميع تلك الصور الحاصلة الكثيرة في الأذهان العديدة ويندفع الأول بأن المقصود امتناع صدق المفهوم على الكثرة على سبيل