الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

17

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

ما يلون عارضا للشيء لنفس ذاته من غير واسطة في العروض أو لأمر مساو للذات سواء كان داخلا في الذات أو خارجا كما نص عليه جماعة من محققي المتأخرين فيكون حينئذ كل من العوارض الذاتية والغريبة أقساما ثلاثة والواسطة الملحوظة في المقام إنما هي واسطة في العروض دون الثبوت فما ذكره بعض الأجلة وحكاه عن التفتازاني في شرح الرسالة من أن المقصود بها الواسطة في الثبوت فاسد كما عرفت تفصيل الحال فيه مما قررنا ثالثها أن تفسير الموضوع بالمعنى المذكور لا يكاد ينطبق على شيء من موضوعات العلوم من وجهين الأول أنه ما من علم إلا وقد يبحث فيه عن الأحوال اللاحقة للأنواع الواقعة تحت موضوعه أو الأصناف المندرجة فيه وقد نصوا على أن الموضوع في مسائل الفنون إما أجزاء الموضوع أو جزئياته أو عوارضه الذاتية والعوارض الخاصة اللاحقة للجزئيات ليس إعراضا ذاتية بالنسبة إلى موضوع العلم إذ ليس عروضها لذات الموضوع ولا لأمر مساو له على ما اخترناه ولا لذاتي أعم أيضا على ما ذكروه بل إنما يكون لأمر أخص وإلا لما اختص بالنوع أو الصنف المفروض وقد أجاب عنه المحقق الدواني بوجهين الأول أن ما ذكروه في حد الموضوع طي في العبارة ومعناه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية أو عوارضه الذاتية لأنواعه أو لأعراضه الذاتية وكأنهم أجملوه في المقام ثقة بما فصّلوه في موضوعات المسائل ثانيهما الفرق بين محمول العلم ومحمول المسألة كما فرقوا بين موضوعهما فمحمول العلم على ما ينحل إليه تلك الأحوال التي هي محمولات المسائل وهو المفهوم المردد بين جميعها وهو عرض ذاتي لموضوع العلم وإن كان كل واحد عرضا غريبا بالنظر إليه ويضعف الوجهين مع ما فيهما من التعسف أن الأول يقضي باختلاط العلوم وعدم امتياز علم الأدنى عن الأعلى كسائر العلوم بالنسبة إلى علم الإلهي حيث نصوا على أن الموضوعات في سائر العلوم من العوارض الذاتية لموضوع علم الإلهي فيكون البحث عن عوارضه الذاتية المذكورة في سائر العلوم المدونة مندرجا في علم الإلهي حسبما ذكر في التوحيد وقد يجعل من ذلك علم الطب بالنسبة إلى الطبيعي إذ الموضوع فيه من أنواع الجسم الطبيعي من حيث الصحة والمرض وهما من العوارض الذاتية له والثاني إنما يتم لو كان الملحوظ في تلك المباحث ما ذكر من القدر المشترك وليس كذلك إذ المبحوث عنه في الموارد المذكورة إنما هو الأحوال الخاصة وليس القدر المشترك إلا اعتبارا صرفا لا يلاحظ حين البحث أصلا وتنظير ذلك بإرجاع الموضوع في المسائل والأبواب إلى موضوع الفن غير متجه لوضوح الفرق ضرورة أن البحث عن كل منهما بحث عن موضوع الفن وهذا بخلاف إرجاع المحمولات إلى المفهوم المردد فإن إثبات تلك المحمولات ليس إثباتا للمفهوم المردد قطعا نعم غاية الأمر استلزام ذلك صدقه وليس ذلك منظورا في شيء من العلوم كما ذكرنا فيظهر بما ذكرنا ضعف ما ذكره ومن وجهين الثاني أن المتداول في المباحث العلمية هو البحث عن الأمور العارضة لموضوعاتها بتوسط أمر أعم من تلك الموضوعات ألا ترى أن الفقهاء يبحثون عن وجوب الأفعال وحرمتها ونحوهما مع أن تلك الأحكام إنما تعرض للأفعال باعتبار تعلق طلب الشارع لفعلها أو تركها ونحو ذلك وهي أمور نعم خصوص كل من تلك الموضوعات وغيرها وأجيب عنه بأنه يعتبر عندهم في الأمر الأعم في الفرض المذكور أن لا يكون أعم من موضوع العلم والحال كذلك في المحمولات المعروضة ونحوها إذ ليست الاعتبارات المفروضة أعم من موضوع العلم ويدفعه أن مجرد عدم أعميته من موضوع الفن غير نافع في المقام إذ ليست حينئذ أعراضها ذاتية لخصوص ما يتعلق بها عن موضوعها إذ المفروض عروضها لأمر أعم منها ولا بالنسبة إلى موضوع الفن إذ لا يلزم أن يكون من الأمور المساوية له بل قد يكون أخص منه كما في المثال المفروض فالتحقيق في الجواب عن الإيرادين المذكورين أن يقال إن مجرد أخصية العرض وأعميته من معروضه لا يقضي بكونه عرضا غريبا بالنسبة إليه كيف وقد عرفت أن العارض بتوسط الأمر الأعم أو الأخص أو المباين من الأعراض الذاتية إذا كانت الواسطة ثبوتية ومن البين أن أخصيته الواسطة قاضية بأخصية العرض والأعم والمباين مما يمكن معهما وجود ذلك العرض في غير ذلك الموضوع أيضا فقد يكون أعم من المعروض ألا ترى أن عروض الفصل للجنس وعروض العرض للصنف أو الشخص للطبيعة النوعية من الأعراض الذاتية بالنسبة إلى معروضاتها مع أن الكل عارضة لنفس الذات من دون واسطة في العروض ولا مساواة لشيء منها للمعروض نعم العارض بتوسط تلك العوارض في عروضه من الأعراض الغريبة وإن كانت الواسطة ذاتية بل مستندة إلى نفس الذات بذاتها بأن تكون نفس الذات كافية عروضها لما عرفت من أن عروض تلك الصفة ليس لها لخصوصية في ذلك الموضوع فليس عروض تلك العوارض لاستعداد حاصل في ذات المعروض وإنما هو من جهة الاستعداد الحاصل في الواسطة التي هي أعم أو أخص من الموضوع وحيث لم تكن لخصوصية تلك الذات استعداد للعروض لم يكن العرض ذاتيا بالنسبة إليها حسب ما مر من التحقيق في معناه وليس تهيؤها لعروض المعروض باعثا على التهيؤ لعروض ما يعرضه إذ مع العموم يكون التهيؤ في الأعم ومع الخصوص لا يكون متهيئا له إلا بعد تخصيصها بما يجعلها مستعدا لذلك فلا استعداد لنفس الذات وهذا بخلاف ما لو كانت الواسطة مساوية للمعروض على ما مر إذا تقرر ذلك فقد ظهر اندفاع الإيرادين فإن ما ذكر من كون تلك الأعراض لاحقة بتوسط الأعم أو الأخص لا ينافي كونها أعراضا ذاتية بالنسبة إلى الموضوع لكون الواسطة فيها واسطة في الثبوت وتلك العوارض لاحقة لذات الموضوع بتوسط تلك الأمور فصولا كانت أو عوارض ألا ترى أن الرفع العارض للفاعل عارض لذات الكلمة وإن كان بتوسط الفاعلية في ثبوته وكذا نصب المفعول وسائر عوارض الكلمات بسبب ما يعرض لها من الخصوصيات وكذا الحال في عروضه للحركة بالإرادة للجسم في ضمن الحيوان فإنها من الأعراض الذاتية للجسم وإن كان المبدأ لعروضها هو الإرادة التي هي أخص منه وهي من الأعراض الذاتية للحيوان فإن الحركة المفروضة من العوارض الذاتية للجسم والواسطة فيها من الأعراض الذاتية للحيوان الغريبة بالنسبة إلى الجسم فقد ظهر مما ذكرنا أن كون الموضوع في المسائل هو جزئيات موضوع الفن من الأنواع أو الأصناف المندرجة تحته لا ينافي كون الأعراض المذكورة أعراضا ذاتية بالنسبة إلى موضوع الفن وكذا الحال فيما ذكروه من كون الموضوع في المسائل هو أجزاء الموضوع أو عوارضه الذاتية فإنهم يصنون بها الأجزاء والعوارض المساوية وقد عرفت أن العوارض اللاحقة لهما من العوارض الذاتية للموضوع فتأمل قوله ومن مقدمات كأنه أراد بالمقدمات التصديقات التي يتوقف عليها التصديق بمسائل العلم وظاهر إطلاقه يعم ما لو كان التوقف عليها قريبا أو بعيدا أخذ جزء من القياسات المرتبة في العلم أو لا فيشتمل مسائل سائر الفنون المشتملة التي يتوقف عليها مسائل الفن والمقدمات التي تستعمل في الفن لإثبات المطالب المذكورة ولذا عد العلوم الآتية من مبادي الفقه قوله ومن تصورات الموضوع قضية ما ذكر من التعميم في التصديقات تعميم التصورات أيضا كسائر التصورات التي يتوقف عليها التصديق بمسائل الفن سواء كانت حدودا للموضوع أو لأجزائه أو لجزئياته أو لعوارضه الذاتية مما يقع موضوعا في مسائل العلم وكذا حدود