الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

174

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

في بيان أن الأمر هل يدل على الوحدة أو التكرار أم لا بسم اللّه الرّحمن الرّحيم وبه نستعين الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وأفضل المتقين محمد الصادق الأمين وعلى سيد الوصيين وإمام المتقين عليّ أمير المؤمنين وعلى الأئمة الطاهرين وأولادهما المعصومين الأئمة المختارين قوله الحق أن صيغة الأمر إلى آخره قد يتراءى في المقام أن القائل بكون الأمر للمرة أو التكرار قائل بكون المطلوب بالأمر الفرد والنافي لدلالته عليهما قائل بتعلقه بالطبائع حيث يقول بدلالته على مجرد طلب مطلق الحدث من غير دلالة على مرة ولا تكرار وليس كذلك بل يصح القول بكل من الأقوال المذكورة على كل من الوجهين المذكورين إذ يمكن ملاحظة المرة والتكرار قيدا للطبيعة أو الفرد تقول أوجد الطبيعة مرة أو مكررة وأوجد الفرد كذلك نعم إيجادها مرة أو مكررة كمطلق إيجادها إنما يكون بإيجاد الفرد وهو لا يستلزم تعلق الأمر بالفرد وكذا النافي لدلالته على الأمرين يصح له القول بكون المطلوب بالأمر هو الفرد في الجملة من غير دلالة على الوحدة والتكرار وهو ظاهر نعم القائل بوضع الأمر للمرة أو التكرار لا يقول بوضعه للطبيعة المطلقة ضرورة تقييدها عنده بأحد القيدين المذكورين وهو غير القول بتعلقه بالفرد وذلك لا يستلزم أيضا أن يكون القائل المذكور قائلا بتقييد الحدث المتعلق للطلب بذلك بل قد يقول بكون المقصود بالحدث نفس الطبيعة المطلقة ويكون الدلالة على المرة أو التكرار من جهة الصيغة وهذا هو الظاهر من القائل بالتكرار إذ لا وجه للقول بإفادة مدلوله الحدثي ذلك وأما القول بالمرة فيتصور على كل من الوجهين المذكورين ثم إنه يمكن تقرير النزاع في المقام في بيان ما وضع له صيغة الأمر على نحو ما مر في الأصل السابق وهو الظاهر من كلماتهم في عنوان المسألة ويستفاد من ملاحظة أدلتهم ومطاوي كلماتهم وقد يقع التصريح منهم بذلك في بعض المقامات ويمكن أن يكون النزاع فيما يستفاد من الصيغة حين الإطلاق سواء كان من جهة الوضع له بخصوصه أو انصراف الإطلاق إليه وهو الذي يساعده ملاحظة الاستعمالات إذ القول بوضع الصيغة لخصوص المرة حتى يكون الأمر بالفعل مرتين أو ما يزيد عليه مجازا في غاية البعد بل لا يبعد القطع بفساده وكذا لو علق الفعل بالمرة بناء على القول بوضعه للتكرار بل قد لا تكون المادة قابلة للتكرار فينبغي أن تكون تلك الصيغة مجازا دائما فتأمل قوله وإنما يدل على طلب الماهية إلى آخره يعني من غير أن يدل على ما يزيد على ذلك فلا يفيد كون الماهية مطلوبة في ضمن المرة أو دائما قوله فقالوا بإفادتها التكرار إلى آخره القول به محكي عن أبي حنيفة والمعتزلة والأستاذ أبي إسحاق وأصحابه ثم إن الدوام والتكرار يفترقان بحسب المفهوم من حيث إن التكرار ظاهر في الأفراد المتعددة المنفصلة والظاهر من الدوام هو الفرد الواحد المستدام أو الأعم منه ومن الأول والظاهر أن المراد بهما في المقام أمر واحد فعلي القول به يتحقق بكل من الوجهين ولا يبعد اختلاف الحال فيه على حسب الاختلاف الأفعال قوله ونزلوها منزلة أن يقال افعل أبدا القول بالتكرار يتصوّر على وجهين أحدهما أن يراد به مطلق التكرار الشامل للمرتين وما فوقهما أو خصوص المرتين ثانيهما أن يراد به التكرار على وجه الدوام وهو المحكي عن القائل بالتكرار حكاه السيد والغزالي والعضدي وغيرهم وهو الذي يقتضيه ملاحظة أدلتهم وعلى كل من الوجهين فإما أن يكون التكرار مأخوذا في المأمور به على وجه لا يحصل الامتثال أصلا إلا بالإتيان به مكررا على الوجه المفروض أو يكون عنوانا عن الأفعال المتكررة فيكون كل من تلك الأفراد واجبا مستقلا يحصل بكل واحد منها امتثال الأمر ويكون الإتيان بكل منها واجبا فينحل التكليف المذكور إلى تكاليف عديدة وكذا الحال في الفعل الواحد المستدام إذا لوحظ تجزيته على أبعاض الزمان والظاهر بناؤهم على الثاني على حسب التكرار الملحوظ في النهي فإن كل ترك للمنهي عنه امتثال مستقل من غير أن يتوقف حصول الامتثال ببعضها ثم إن المنصوص به في كلام بعضهم تقييد التكرار المدلول بالصيغة بما يكون ممكنا ونص الآمدي بأن المراد التكرار الممكن عقلا وشرعا ولا يبعد أن يريد بالممكن العقلي ما يعم العادي فيما لو بلغ إلى حد يتعسر الإتيان به جدا بحيث يعد متعذرا في العرف بل لا يبعد انصرافه إلى التكرار على النحو المتعارف فلا ينافي الاشتغال بالأكل المعتاد والنوم المعتاد ونحوهما وكيف كان فلو زاحمه واجب آخر لم يمنع أحدهما من أداء الآخر بل إن كان الآخر واجبا مرة أو مرات معينة لزم تكرار المأمور به على وجه لا يزاحم الإتيان به كذلك وإن كان مطلقا أيضا كان الحال فيهما سواء فيعتبر تكرارهما على نحو واحد لعدم الترجيح وكذا الحال في الأوامر المطلقة العديدة ويمكن أن يكون ذلك ونحوه من تقييد الإطلاق فيكون كل من الأمرين أو الأوامر مقيد الإطلاق الدوام المستفاد من الآخر ولو كان أحد الأمرين مطلقا والآخر مقيدا بالدوام احتمل كونها كالمطلقين ويرجح المقيد بالدوام فيؤتى بالآخر مرة قوله فجعلوها للمرة القول به محكي عن جمع كثير وحكي عن أبي الحسين أيضا وكذا عن ظاهر الشافعي [ في تفسير الأقوال . ] ثم إن القول بالمرة يتصور على وجوه أحدها أن يراد به المرة بشرط لا وهي المرة المقيدة بالوحدة فينحل الأمر إلى أمر ونهي أعني طلب إيجاد الفعل مرة وطلب تركه زائدا عليها ويتصور ذلك على وجهين أحدهما أن يكون كل من طلب الفعل والترك مستقلا حتى إنه إذا أتى بالفعل مرتين كان مطيعا عاصيا ثانيهما أن يكون طلبه للفعل مقيدا بترك الزائد فيكون فعله الثاني عصيانا ومانعا من حصول الامتثال بالأول فيكون الحكم