الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

170

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

هناك محصل للبحث عن مسألة التداخل فإنه إن علم اجتماع الطبيعتين في مصداق واحد وحصولهما معا في فرد واحد كان ذلك قولا بالتداخل ولا يصح إنكاره حينئذ ممن ينكر أصالة التداخل لقيام الدليل حينئذ على حصول الأمرين وإن لم يعلم حصولهما في مصداق واحد وعدمه والمفروض خروجه عن موضع البحث إذ لا يصح على القول بأصالة التداخل تداخلهما في المقام بمقتضى الأصل حسبما ذكر فلا يبقى مورد للبحث عن التداخل ليصح ورود القولين عليه قلت المنظور بالبحث في مسألة التداخل اجتماع المطلوبين في مصداق واحد والاجتزاء به عنهما وهو فرع اجتماع نفس الطبيعتين وتصادقهما إذ مع مباينتهما لا مجال لاحتمال الاجتماع ومع احتمالها لا مجال للحكم به ليحكم بفراغة الذمة عن التكليفين بأدائه وما ذكر من أن الحكم بالاجتماع هو مفاد التداخل فلا مجال إذن لإنكاره موهون جدا لوضوح الفرق بين اجتماع المطلوبين في فعل واحد ليقوم في حصول الامتثال مقام الفعلين وحصول الطبيعتين في مصداق واحد والمنكر للتداخل لا يمنع من الثاني وإنما يقول بمنع الأول لدعوى فهمه تقييد الطبيعة المطلوبة بكل من الأمرين بغير ما تؤدي به الآخر كما في قوله جئني بهاشمي وجئني بعالم فإنه مع البناء على عدم التداخل لو أتى بهاشمي عالم لم يجزه علمها مع حصول الطبيعتين به قطعا فمجرد اجتماع الطبيعتين لا يقضي بحصول المطلوبين لاقتضاء كل من الأمرين أداء الطبيعة المطلوبة مستقلا مغايرا لما تؤدي به الآخر فيجزي مصداق الاجتماع عن أحد الأمرين دون كليهما فإن قلت لو كان مجرد احتمال المتباين وعدم اجتماع الطبيعتين قاضيا بعدم الحكم بالتداخل لم يثمر المسألة في كثيرة من المقامات لقيام الاحتمال المذكور كما في الأغسال ونحوها قلت إن مجرد قيام الاحتمال المذكور غير مانع من التداخل مع قضاء الإطلاق بحصول الطبيعتين في مصداق واحد كما إذا قال اغتسل للجنابة واغتسل للجمعة فإنه إذا أتى بغسل واحد للأمرين فقد صدق معه حصول الغسل للجنابة والجمعة ولا يمنع منه احتمال المباينة بين الغسلين وعدم اجتماعهما في مصداق فإنه مدفوع بظاهر الإطلاق فتأمل الثامن أنه إذا تعلق أمران بالمكلف وكان المطلوب بهما متحدا في الصورة فهل يتوقف أداء المأمور به على تعيين كل من الفعلين بالنية على وجه ينصرف ما يأتي به إلى خصوص أحد الفعلين أو يكتفي الإتيان بفعلين على طبق الأمرين وجهان والمصحح في ذلك التفصيل حسبما نقرّره إن شاء الله وتفصيل الكلام في ذلك أن يقال إن المطلوبين المتحدين إما أن يكونا متفقين في الحقيقة ليكون المطلوب بالأمرين فردان من طبيعة واحدة أو يكونا مختلفين فيها وعلى كل من الوجهين فإما أن يكون انصراف تلك الصّورة إلى كل منهما منوطا بالنية بحيث يكون كل منهما منوطا بقيد لا يحصل إلا مع قصده كما في دفع المال على وجه الزكاة والخمس وأداء ركعتين على أنهما فريضة حاضرة أو نافلة أو يكون انصرافه إلى أحدهما غير متوقف على ضم قيد وإنما يتوقف عليه انصرافه إلى الآخر كما في دفع المال إلى الفقير على وجه العطية ودفعه إليه على وجه الزكاة فإن مجرد الدفع إليه من غير اعتبار شيء معه ينصرف إلى العطية المطلقة لحصولها بنفس الدفع من غير حاجة إلى ضم شيء آخر إليه بخلاف كونه زكاة لافتقاره إلى ضم ذلك الاعتبار فعلى الثاني ينصرف الفعل مع الإطلاق إلى ما يحتاج إلى ضم القيد ويكون انصرافه إلى الآخر متوقفا على ضم القيد لا ينصرف إليه من دونه وعلى الأول لا بد في حصول البراءة من التكليفين على انضمام نيته ولو أتى بالفعل مطلقا بطل ولم يحتسب من شيء منهما إذ المفروض توقف حصول كل منهما على ضم النية فمع الإطلاق وعدم الانضمام لا يقع شيء من الخصوصيتين وأيضا فإما أن يقال بانصرافه إليهما أو إلى أحدهما مبهما أو معينا أو لا ينصرف إلى شيء منهما والأول فاسد وكذا الثاني لعدم وقوع المبهم في الخارج ومثله الثالث لبطلان الترجيح بلا مرجح فانحصر الأمر في الرابع وهو المطلوب وإن كان مطلوبان من طبيعة واحدة فإما أن يكون كل من المطلوبين أو أحدهما مقيدا بقيد غير ما أخذ في الآخر أو يكونا مطلقين ليكون مفاد الأمرين مفاد الأمرين بإتيان الطبيعة مرتين أو يكون أحدهما مطلقا والآخر مقيدا فعلى الأول لا بد من ضم النية إلى كل منهما لينصرف بها إلى ما هو مطلوب الأمر نظرا إلى أن الظاهر بكل من الأمرين خصوص المقيد ولا يحصل ذلك دون ضم النية بعد اتحادهما في الصورة كما إذا وجب عليه صلاة ركعتين لميت مخصوص ووجب عليه صلاة ركعتين أخريين لميت آخر فلو أتى بفعلين على وجه الإطلاق لم ينصرف إلى شيء من الأمرين كيف وقد عرفت في الصورة المتقدمة دوران الأمر بين وجوه أربعة لا سبيل إلى ثلاثة منها فيتعين الرابع ومعه ينبغي التكليفان على حالهما وكذا الحال في الثالث بالنسبة إلى انصرافه إلى المقيد ومع الإطلاق وعدم ملاحظة الخصوصية ينصرف حينئذ إلى جهة الإطلاق نظير ما مر في الصورة المتقدمة وأما على الثاني فهل يتوقف أداء كل منهما على ملاحظة خصوص الأمر المتعلق به ليتعين الفعل الواقع أو يصح مع الإطلاق أيضا فيحصل امتثال الأمرين إن أتى به مرتين وإلا كان امتثالا لأمر واحد وجهان والذي يقتضيه ظاهر القاعدة في ذلك عدم لزوم التعيين وجواز الإتيان به على وجه الإطلاق إذ المفروض كون الجميع من طبيعة واحدة من غير أن يتقيد بشيء سوى التعدد في الأداء والمفروض أيضا حصول الأمر به على حسبما تعلق الأمر به فلا بد من حصول الواجب وسقوط التكليف فهو بمنزلة ما إذا تعلق الأمر بالإتيان بتلك الطبيعة مرتين على أن يكون كل من المرتين واجبا مستقلا في نظر الأمر إذ لا شك حينئذ في حصول الامتثال بالإتيان بالطبيعة مرتين من غير اعتبار نية التعيين في أداء كل من الفردين بل لا يمكن فيه ذلك لعدم تميز كل من الأمرين على الآخر نظرا إلى حصولهما بصيغة واحدة فإن قلت إنه لما كان التكليف بالفعل هناك بصيغة واحدة كان طريق الامتثال فيه على الوجه المذكور إذ المفروض اتحاد صيغة الأمر والمقصود بكل فعل هو امتثال ذلك الأمر مضافا إلى ما ذكر من عدم إمكان التعيين وأما مع تعدد الأمرين كما هو المفروض في المقام فلا وجه لذلك لاختلاف التكليفين وإمكان ملاحظة كل منهما في أداء الواجب فلا بد من ملاحظته ليتحقق بذلك الغير أداؤه قلت العبرة في المقام بتعدد نفس التكليف والمفروض حصول تكليفين في الصورتين من غير أن يكون الجميع تكليفا واحدا في شيء من الوجهين فلا فرق بين أداء المطلوب بصيغة أو صيغتين فإذا تحقق الامتثال في الصورة الأولى فينبغي تحققه في الثانية أيضا وإمكان التعيين وعدمه لا يقضي بالفرق ضرورة أنه إن أمكن صدق الامتثال