الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

171

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

مع عدم التعيين لم يكن فرق بين القسمين وإلا كان عدم إمكان التعيين قاضيا بالمنع من وقوع التكليف على الوجه المفروض ولما كان كل من جواز التكليف على الوجه المذكور وتحقق الامتثال معلوما قضى ذلك بحصوله في المقام وأيضا من الظاهر كون المطلوب بالأمر هو أداء المأمور به وإيجاده في الخارج والمفروض تحققه كذلك فأي مانع من تحقق الواجب نعم لو كان قصد امتثال خصوص الأمر المتعلق بالفعل شرطا في أداء الواجب فربما أشكل الحال في المقام وقد عرفت أنه لا وجه لاشتراطه والقول بلزوم قصد الامتثال في العبادة قطعا فلا يتم ذلك بالنسبة إليها مدفوع بما عرفت من أن القدر المعتبر في العبادة هو قصد الامتثال على سبيل الإطلاق وأما اعتبار كونه امتثالا لخصوص الأمر المخصوص فمما لا دليل على اعتباره فإن قلت لا شك أنه مع عدم تعيين الفعل الواقع منه لأداء خصوص كل من المطلوبين لا يمكن انصراف ما يأتي به أولا إلى خصوص شيء منهما لبطلان الترجيح بلا مرجح حسبما مر نظيره في الصّورة المتقدمة وكذا الحال فيما يأتي به ثانيا فكيف يصح الحكم بأداء الواجبين مع إمكان الحكم بانصراف شيء من الفعلين إلى شيء من الواجبين ومع الغض عن ذلك فأقصى ما يقال في المقام كون مجموع الفعلين أداء لمجموع الواجبين من غير ملاحظة لخصوص كل من الفعلين بالنسبة إلى خصوص كل من الأمرين ولا يتم ذلك فيما إذا أتى بأحد الفعلين كذلك ولا يتمكن من الآخر أو تعمد بتركه مثلا إذ لا يمكن صرفه حينئذ إلى خصوص شيء من التكليفين وكونه أداء لأحد الواجبين على سبيل الإبهام غير متصور أيضا إذ لا يعقل حصول المبهم في الخارج قلنا قد عرفت أن التفصيل من الأمرين المفروضين هو وجوب الإتيان بالطبيعة المفروضة مرتين من غير فرق بين مفاد التعبيرين فكما أنه إذا أتى هناك بأحد الفردين فقد حصل أحد الواجبين قطعا فكذا في المقام وإن لم يتعين ذلك أداء لخصوص ما أمر به في كل من الأمرين إذ لا يعتبر ذلك في أداء الواجب فهو إذن قد أدى أحد الواجبين وبقي الآخر ولم يتعين خصوص المؤدى والثاني في الذمة وليس ذلك من قبيل الحكم بوجود المبهم في الخارج إذ لا إبهام في الفعل الواقع في الخارج ولا من جهة وقوعه فهو أداء لبعض ما ثبت وجوبه بالأمرين وقد يستشكل في المقام بأنه قد اشتغلت الذمة بأداء ما تعلق به كل من الأمرين المفروضين وبعد الإتيان بالفعل المفروض لا يمكن الحكم بتفريغ الذمة عن خصوص شيء من التكليفية ضرورة بطلان الترجيح من غير مرجح والحكم بسقوط واحد منهما على سبيل الإبهام إثبات الحكم الوجودي للمبهم الواقعي وهو محال فلا بد من القول ببقاء الأمرين فلا يكون الفعل المفروض أداء لشيء من الواجبين ويمكن دفعه بأنه لا مانع من الحكم بسقوط أحد الواجبين الثابتين في الذمة لتيعين أحد الأمرين في الذمة كما أنه يمكن الحكم باشتغالها بأحد الشيئين فحينئذ يحكم بسقوط أحد الواجبين الثابتين في الذمة وثبوت الآخر فيها كذلك بعد ما حكم بثبوتهما معا وعدم صحة الحكم بسقوط كل من الواجبين لا يقتضي الحكم ببقائهما معا لانقلاب كيفية الاشتغال حينئذ فهي إذن غير مشغولة بخصوص كل من الواجبين غير برية من خصوص كل منهما بل مشغولة بأحدهما برية من أحدهما وحينئذ فهل يتعين عليه الإتيان بالآخر أيضا على نحو الإجمال أو يتخير بينه وبين تعيينه أداء خصوص أحد الواجبين وجهان والمتجه منهما هو الثاني لكون أداء الواجب في الأول على نحو كلي صالح لوقوعه أداء لكل من الواجبين فإذا تعين أحدهما فيما أتى به ثانيا تعين له ويقضي بصرف فعله الأول إلى الآخر فإن قلت إنه لو كان أحد الفعلين المفروضين واجبا والآخر مندوبا وأتى بالفعل مطلقا لم يصح الحكم بسقوط أحد التكليفين المفروضين بالخصوص كما هو الحال فيما إذا اتفقا في الحكم لما عرفت من لزوم الترجيح بلا مرجح ولا وجه هنا للحكم بسقوط أحدهما على سبيل الإطلاق حسبما ذكر هناك لاختلاف الحكمين نوعا مع أن الفعل الواقع في الخارج لا يخلو عن الاتصاف بالوجوب أو الندب مثلا ومع البناء على الوجه المذكور لا يصح اتصاف خصوص شيء من الفعلين الواقعين في المقام بخصوص شيء من الحكمين حسبما عرفت قلت يمكن دفع ذلك بوجهين أحدهما أنه لا مانع من اتصاف أحد الفعلين الحاصلين بالوجوب والآخر بالندب من غير أن يتميز خصوص الواجب عن المندوب ألا ترى أنه إذا وجب السيد على عبده دفع درهم إلى الفقير وندب دفع درهم آخر إليه فدفع إليه العبد درهمين من غير أن يتعين أحدهما بخصوصه لأداء الواجب والآخر لأداء المندوب فإنه لا يشك أهل العرف في صدق الامتثال وحصول البراءة والخروج عن عهدة التكليف مع عدم تعين خصوص الواجب والمندوب والوجه فيه ظاهر أيضا فإن قضية إطلاق الأمر حصول كل من المطلوبين بأداء الطبيعة المطلقة حسبما قرر في الصورة المتقدمة ولا دليل على لزوم اعتبار التعين سوى ما يتخيل من عدم انصراف شيء من الفعلين إلا أنه متصف أحدهما بالوجوب قطعا وهو كاف في أداء الواجب لحصول المطلوب به فيكون المتصف بالوجوب في الخارج هو أحد الفعلين الحاصلين من غير أن يتصف به خصوص شيء منهما فيكون الواجب في الخارج أمرا دائرا بين الأمرين فإن قلت إن للوجوب صفة خارجة لا بد له من متعلق متعين في الخارج ليصح قيامه به فكيف يمكن أن يتصف به الأمر المبهم الدائر بين شيئين قلت وجوب الفعل إنما يتعلق بذمة المكلف فكما أنه لا مانع من تعلق الوجوب بالطبائع الكلية كما هو الحال في معظم التكاليف المتعلقة بذمة المكلف لا مانع أيضا من كون أحد أفراد الكلي متصفا بالوجوب والآخر بالندب كذا لا مانع من حصول الواجب بأحد الفردين المتعلقين في الخارج فيكون الوجوب قائما بمفهوم أحدهما الصّادق على كل منهما على سبيل البدلية فإن قلت إنه ليس في الخارج إلا خصوص كل من الفردين والمفروض عدم اتصاف شيء منهما بالوجوب فأين محل الوجوب قلت ليس الوجوب كسائر الصفات الخارجية الموجودة في الخارج وإنما هو أمر اعتباري متعلق بالفعل ملحوظا إلى ذمة المكلف ولا مانع من تعلقه بأحد الفعلين خارجا في لحاظ العقل تبعا لوجود الفردين إذ مع الحكم بوجود الفردين يحكم بوجود أحدهما الصادق على كل منهما قطعا فلا مانع من أن يكون ذلك هو متعلق الوجوب فيكون الوجوب قائما به والواجب حاصلا بحصوله يرشدك إلى ذلك أنه إذا أوجب السيد على عبده أحد فعلين وندب عليه الآخر من دون تعيين فأتى بهما معا كما إذا أوجب عليه دفع أحد الرقيفين إلى الفقير وندب عليه رفع الآخر فدفعهما معا لم يكن هناك ريب في تحقق الامتثال كما يشهد