الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
160
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الإتيان بما تعلقت الصيغة به فإذا حصل ذلك من الأمور صدق الإتيان بما أوجبه الأمر ومع حصوله يسقط الطلب لحصول متعلقة فيحصل أدلة الواجب بمجرد الإتيان من غير حاجة إلى ضم شيء آخر إليه فقضية الأصل إذن إذا تعلق الطلب بطبيعة اتصاف أي فرد أتي به بعد الطلب المفروض بالوجوب وحصول الواجب به سواء كان الإتيان به على وجه القصد إلى ذلك الفعل وإرادته أو لا كما إذا وقع منه على وجه الغفلة والذهول أو حال النوم ونحوه أو اشتبه عليه وأتى به على أنه غير ما كلف به وسواء غفل عن التكليف المتعلق به أو لا وسواء أتى به على قصد الامتثال أو غيره وقد يورد عليه بوجوه منها أن متعلق الطلب وإن كان مطلق الطبيعة من غير تقييدها بشيء بمقتضى ظاهر الأمر لكن تعلق الطلب إنما يكون مع تفطن الفاعل به وعدم غفلته عنه لوضوح استحالة التكليف بالفعل مع غفلة المأمور وذهوله عن ذلك الفعل وحينئذ فقضية تعلق الطلب بالطبيعة هو الإتيان بالفعل على وجه القصد إليه فلا يكون الصادر على سبيل الغفلة مندرجا في المأمور به وكذا إذا أتى به معتقد كونه مغايرا لما أمر به ومنها أن ظاهر ما يستفاد من الأمر في فهم العرف أن ما يتعلق الطلب به هو ما يكون صادرا على وجه العمد دون الغفلة أو الالتباس بغيره كما يشهد به ملاحظة الاستعمالات فلا يندرج فيه الأفعال الصادرة على غير ذلك الوجه وإن شملها الطبيعة المطلقة ومنها أن الفعل المتعلق للطلب إنما يتصف بالوجوب من حيث كونه مأمورا به فيتوقف وجوبه على توجه الأمر إلى الفاعل ومن البين أن تعلقه به إنما يكون مع علمه بالتكليف إذ لا تكليف مع الغفلة فكون ما يأتي به أداء للواجب إنما هو بعد علمه بالتكليف فلو أتى به قبل ذلك ثم انكشف التكليف به لم يكن ما أتى به واجبا حتى يسقط به ذلك التكليف فلا يكون الإتيان بالفعل أداء للمأمور به إلا بعد تعلق الأمر به ومنها أن القدر اللازم مع الغض عما ذكر هو اتصاف الطبيعة المطلقة المتعلقة للطلب بالوجوب الذي هو مدلول الأمر أعني مجرد كونه مطلوبا بالطلب الحتمي حسبما مر القول فيه لكن الوجوب المصطلح وهو الذي دل عليه الأمر بالالتزام نظرا إلى ملاحظة حال الآمر بكونه ممن يجب طاعته عقلا أو شرعا على ما هو مقصود الأصول في البحث عن ذلك فلا يثبت ذلك نظرا إلى قضاء الملاحظة المذكورة بوجوب امتثال الأمر وإطاعته ومن البين أن صدق الامتثال وتحققه يتوقف على كون أداء الفعل بقصد موافقة الأمر لا مطلقا فلا يتصف بالوجوب إلا ما وقع على الوجه المذكور فلا يكون الإتيان به على غير النحو المذكور للواجب ليحصل سقوط التكليف به والذي يقتضيه التأمل في المقام أن مفاد الأمر هو الإتيان بالفعل على سبيل القصد والإرادة لما ذكر من الوجهين الأولين فلو أتي به على سبيل السهو والغفلة أو في حالة النوم ونحوها لم يتصف ذلك الفعل بالوجوب ولم يكن أداء للمأمور به وما يستفاد من ظاهر كلام بعض الأفاضل من إدراج ذلك في أداء المأمور به كما ترى وكيف يصح اتصاف فعل النائم والغافل بالوجوب مع وضوح عدم قابليته لتعلق التكليف وعدم صحة إيجاب الأمر لما يصدر عنه في حال الغفلة والنوم والقول بأن القدر المسلم من عدم تعلق التكليف بالغافل هو ما كان من أول الأمر وأما بعد تفطنه بالتكليف وغفلته بعد ذلك وصدور الفعل منه إذن على سبيل الذهول والغفلة فلا مانع من اندراجه في المكلف به كما يستفاد من كلام الفاضل المذكور أيضا غير متجه ضرورة أن السبب الباعث على عدم تعلق التكليف به من أول الأمر قاض بعدم تعلقه به بعد ذلك من غير فرق أصلا فلا داعي هناك إلى التفصيل وجريان حكم الواجب على الفعل مع طريان الغفلة في أثناء العمل أو عروض النوم كما في الصوم ونحوه لا يدل على بقاء التكليف حين الغفلة غاية الأمر الاكتفاء هناك بالاستدامة الحكمية وإجراء حكم النية الواقعة في أول الفعل إلى آخره لقيام الدليل عليه وأما الغفلة عن الأمر ولو من أول الأمر مع إتيانه بالفعل على سبيل القصد والإرادة فغير مانع عن اتصافه بالوجوب وما ذكر من أن التكليف يتوقف على العلم فلا تكليف مع الغفلة عن الأمر حتى يتصف الفعل بالوجوب حسبما مر مدفوع بالفرق بين حصول التكليف بحسب الواقع وتعلقه بالمكلف بالنظر إلى الظاهر وغاية ما يلزم من التقرير المذكور عدم ثبوت التكليف في الظاهر إلا بعد العلم به والمقصود اتصافه بالوجوب بحسب الواقع وإن لم يكن المكلف عالما به وتظهر الفائدة بعد انكشاف الحال فإن قلت كيف يعقل اتصاف الفعل بالوجوب مع فرض عدم تعلق التكليف به في ظاهر الشرع وهل يعقل حصول التكليف من دون تعلق بالمكلف قلت لا شبهة في كون التكليف أمرا ارتباطيا تعلقيا لكن هناك تعلقا في الواقع وهو كون صدور الفعل منه محبوبا للأمر بحيث لا يجوز تركه ويبغض انتفاؤه في ذاته وإن كان المكلف معذورا من جهة جهله فالفعل على كيفيته أو علم بها لم يكن له الإقدام عليه على حسبما عرفوا به الحسن والقبح في الظاهر وهو أن يراد من المكلف الإقدام على الفعل بحسب ظاهر الشرع سواء كان مطابقا لما هو المطلوب بحسب الواقع أو لا فالنسبة بين التعلقين هو العموم من وجه والوجوب على الوجه الأخير يتوقف على العلم بخلاف الوجه الأول ولتحقيق الكلام في ذلك مقام آخر وقد مرت الإشارة إليه في تعريف الفقه ولعلنا نفصّل القول فيه فيما يأتي في المقام اللائق به إن شاء الله تعالى ومما قررناه يظهر أن اشتباه المأمور به لغيره وأدائه على أنه غير المأمور به لا ينافي اتصافه بالوجوب نظرا إلى الواقع كما هو المقصود وأما ما ذكر في الإيراد الرابع من اعتبار قصد الامتثال والإطاعة في أداء الواجب المصطلح نظرا إلى الوجه المذكور فمدفوع بأن غاية ما يتوقف عليه الوجوب المصطلح كون الأمر ممن لا يقبح مخالفته وعصيانه على خلاف غيره ممن لا يجب تحصيل مطلوبه ولا يقبح لا يصح مخالفة أمره وإرادته وهذا المعنى هو المراد من كون الأمر ممن يجب طاعته عقلا أو شرعا فإن المراد به قبح العصيان والمخالفة ومع الغض عنه فالقدر اللازم هو ما قلناه وتوقفه على ما يزيد عليه مما لا دليل عليه واللازم مما ذكرنا وجوب مطلق الفعل سواء كان بقصد الامتثال أو لا والحاصل أن الوجوب الحاصل في المقام إنما هو على طبق الإيجاب الصادر من الأمر فكما أن قضية أمره هو إيجاب مطلق الفعل وإرادة حصوله سواء كان بقصد الامتثال أو غيره ولا دليل على اختصاص وجوب الفعل بنحو خاص فكذلك الوجوب اللازم منه إنما يكون على ذلك الوجه أيضا فإن قلت إن الأوامر الدالة على وجوب طاعة الله تعالى والرسول والأئمة عليهم السلام من الكتاب والسنة كافية في ذلك نظرا إلى عدم صدق الطاعة إلا مع وقوع الفعل على وجه الامتثال غاية الأمر أن ما يدل