الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

161

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

عليه العقل لا يزيد على وجوب أداء الفعل والإتيان به من غير اعتبار لما يزيد عليه وقد دلت الأوامر المذكورة على اعتبار تلك الزيادة قلت إنّ ما دل على وجوب الطاعة يعم امتثال الأوامر والنواهي ومن البين أن جل النواهي بل كلها إنما يقصد منها ترك المنهي عنه من غير تقييد شيء منها بملاحظة قصد الامتثال والإطاعة وكذا الحال في الأوامر المتعلقة بغير العبادات فلو بني على إرادة ظاهر معنى الطاعة لزم تقييدها بالأكثر وهو مرجوحية في ذاته بعيد عن سياق تلك الأدلة فإن المقصود وجوب طاعتهم في جميع ما يأمرون به وينهون عنه وكذا وجوب اعتبار ملاحظة طاعة النبي صلى اللَّه عليه وآله والإمام عليه السلام في الإتيان بما يأمرون به كأنه مما لم يقل به أحد ومن البين وروده على سياق واحد وقد ورد نحوه في طاعة الزوجة والعبد للزوج والسيد ومن البين عدم وجوب اعتبار الملاحظة المذكورة فالأولى إذن حمل الطاعة على ترك المخالفة والعصيان فيما يأمرون به وينهون عنه فهي كالمؤكدة لمضمون الأوامر الواردة عنهم وكان التعبير عنه بذلك نظرا إلى ما هو الغالب من كون الإتيان بالمأمور به وترك المنهي عنه إنما يكون من جهة الأمر أو النهي الوارد عنهم إذ حصول الفعل أو الترك في محل الوجوب أو الحرمة على سبيل الاتفاق بعيد عن مجاري العبارات في كثير من المقامات ومع الغض عن ذلك لو أخذ بظواهر تلك الأوامر فلا يقضي بذلك بتقييد المطلوب في سائر الأوامر إذ غاية ما يفيد هذه الأوامر وجوب تحصيل معنى الامتثال والانقياد وهو أمر آخر وراء وجوب الإتيان بالمأمور به الذي هو مدلول الأمر على الوجه المذكور فأقصى ما يلزم حينئذ أنه مع إتيانه بالمأمور به لا على وجه الامتثال أن لا يكون إتيانا بالمأمور به بهذه الأوامر ولا يستلزم ذلك عدم إتيانه بما أمر به في تلك مع إطلاقها وعدم قيام دليل على تقييدها فتحصل بما قررناه أن وجوب إيقاع الفعل على وجه الإطاعة والانقياد إنما يثبت بعد قيام الدليل عليه من الخارج والأدلة المفروضة على فرض دلالتها على اعتبار قصد الطاعة أدلة خارجة قاضية بكون الأصل في كل واجب أن يكون عبادة وذلك مما لا دخل له بمدلول الأمر ولو التزاما على حسب ما نحن بصدده فإن القدر اللازم لمدلوله هو وجوب الفعل بالمعنى المصطلح على فرض كون الأمر ممن يحرم عصيانه ومخالفته وأما وجوب الإتيان بالفعل على سبيل الانقياد والإطاعة فمما لا دلالة في الأمر ولو بعد ملاحظة حال الأمر عليه وإن قلنا بكونه ممن يجب الإتيان بمطلوبه من حيث إنه أمر به ليجب قصد الطاعة والانقياد في جميع ما يوجبه فإن ذلك لو ثبت فإنما هو مطلوب آخر وتكليف مستقل لا وجه لتقييد مدلول الأمر به إلا أن يدل دليل على التقييد أيضا فتلخص من ذلك أن القدر الثابت من ملاحظة الأمر وحال الأمر كون الواجب الإتيان بما تعلق الطلب به على سبيل القصد والإرادة سواء كان ذلك على سبيل وجه الامتثال والإطاعة أو لا إلا أن يدل دليل على تقييد الفعل المأمور به بذلك كما في العبادات ثم لا يذهب عليك أنه إن كان الغرض من إيجاب الفعل مجرد تحققه في الخارج حيث تعلق المصلحة بنفس وقوع الفعل فلا إشكال في الاكتفاء حينئذ في سقوط التكليف بمجرد حصول ذلك الفعل سواء صدر من المأمور على سبيل القصد إليه والإرادة له أو وقع على سبيل السهو والغفلة وسواء قصد به الامتثال والإطاعة أو لم يقصد ذلك إلا أنه مع الإتيان به بقصد الامتثال يكون مطيعا ممتثلا ومع الإتيان به على وجه التعمد والإرادة من دون ملاحظة الامتثال يكون آتيا بالواجب من غير أن يحصل به الإطاعة والامتثال ولو أتى به ساهيا ونحوه يكون مسقطا للواجب من غير أن يكون الفعل متصفا بالوجوب وأداء المأمور به لو أتى بذلك الفعل غير من كلف به فإنه يوجب سقوط التكليف عن المكلف من غير أن يتصف ذلك بالوجوب ولو تعلق الغرض بخصوص صدوره من المكلف على سبيل القصد والإرادة فليس هناك إلا الوجهان الأولان ولو تعلق الغرض مع ذلك بإيقاعه على سبيل الامتثال والإطاعة خاصة تعين الوجه الأول ولا يحصل هناك سقوط الواجب من جهة الفعل ولا إرادته إلا مع حصول الانقياد والإطاعة ومعظم الأوامر الشرعية يدور بين الوجه الأول والأخير فإن ما كان منها من العبادات لم يقع شيء منها إلا مع قصد الطاعة والانقياد وما كان من غيرها فليس المقصود منه في الغالب إلا حصول نفس الفعل سواء كان الإتيان به بقصد الامتثال أو لا وسواء كان إيقاعه بالقصد إلى الفعل وإرادته أو على سبيل السهو والغفلة فيما لا يمكن حصوله كذلك بل ولو وقع من غير المكلف به لكن قضية الأصل مع الدوران بين الوجوه المذكورة هو الوجه الثاني فلا يتحقق سقوط الواجب بمجرد صدور الفعل منه على سبيل الغفلة ونحوها ولا يفعل الغير حسبما عرفت من قضاء ظاهر الأمر بإيجاب الفعل الصادر على سبيل القصد والإرادة فسقوط التكليف بغير الإتيان به على النّحو المذكور يتوقف على قيام الدليل على كون المقصود هو حصول مجرد الفعل كما أن البناء الإتيان على اعتبار قصد الإطاعة والانقياد يحتاج إلى قيام دليل عليه فظهر مما ذكرنا أنه لا يتوقف أداء الواجب على ما يزيد على قصد الفعل وإرادته فلا حاجة في حصوله إلى قصد الطاعة والقربة إلا أن يثبت كونه عبادة فيتوقف حينئذ على مجرد قصد القربة من غير أن يتوقف كغيرها على تعيين الفعل إذا كان متعينا في الواقع ولا إلى تعيين شيء من أوصافه من الوجوب والندب والأداء والقضاء إذ الواجب هو حصول الفعل بالقصد إليه وهو حاصل بإيجادها كذلك من غير حاجة إلى ضم شيء من المذكورات إلا أن يتوقف تعيين الفعل على ضم بعضها فيتعين ذلك من تلك الجهة نعم لو ضم إليه قصد الامتثال والإطاعة حصل استحقاق المدح والثواب بخلاف ما لو يضمه فإنه إذن لا يستحق المدح والثواب بل إنما يندفع به العقاب ومن هنا ظهر أن أخذ المدح على الفعل أو الثواب عليه في تحديد الواجب ليس على ما ينبغي إذ ليس استحقاق ذلك إلا في المعنى الأعم سادسها أن تعدد الأمر المتعلق بالمكلف ظاهر في تعدد التكليف كما يقتضيه رجحان التأسيس على التأكيد ويشهد به فهم العرف نعم لو تعلق الأمران بمفهوم واحد وكان كل منهما متوجها إلى مكلف لم يكن ذلك ظاهرا في تعدد الواجب في الشريعة حتى يكون الأمر المتوجه إلى كل منهما دليلا على ثبوت واجب غير ما يدل عليه الآخر لحصول التأسيس حينئذ مع اتحاد الواجب في الشرع نظرا إلى تعدد الواجبين بالنسبة إلى المكلفين فلا قاضي بتعدد الواجب في الشريعة مع قضاء أصالة البراءة بالاتحاد ثم إن هناك صور أوقع الكلام في اتحاد التكليف فيها وعدمه مع تعدد الأمر لا بأس بالإشارة إليها وتفصيل القول في ذلك أن يقال إنه إذ أورد أمران من الشارع فإما أن يتعلقا بمفهوم واحد أو بمفهومين مختلفين وعلى الأول فإما أن يكون الأمران متعاقبين أو لا فهنا مسائل