الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

159

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الحكم في أمثال ذلك مضافا إلى أن ذلك هو الأحوط في تحصيل البراءة والأوفق بالأصل من جهة أصالة عدم رجحان الفعل ومشروعيته مع انتفاء الشرط المفروض نعم لو كان التقييد على وجه يخالف الظاهر جدا بحيث يكون حمل الأمر على الندب راجحا عليه أو مكافئا له لزم الحمل على الندب أو الوقف بين الأمرين وذلك أمر آخر لا ربط له بما هو الملحوظ في المقام الثاني الدوران بين الندب النفسي والوجوب الغيري كما إذا أمر بالوضوء من جهة خروج المذي واحتمل إرادة الاستحباب النفسي والوجوب الغيري لأجل الصلاة عند وجوبها وقد يتخيل حينئذ كون الوجوب الغيري من جملة الوجوب الغيري المقيد لتقيده بالغير وعدم حصوله إلا من جهة وجوب ذلك الغير فيرجع هذه الصورة إلى الصورة المتقدمة فيكون من الدوران بين المجاز والتقييد ويجري فيه إذن ما مر وفيه أن انصراف الأمر إلى الوجوب النفسي من جهة ظهور الأمر بالشيء في كونه مطلوبا لذاته مرادا لنفسه إما لانصراف المطلق إليه كما هو المختار أو لكونه حقيقة فيه بخصوصه على ما هو أحد المحتملين على القول المشهور حسبما مرت الإشارة إليه فيأتي الكلام فيه من غير جهة التقييد أيضا وحينئذ فقد يتخيل ترجيح الندب نظرا إلى أن فيه مخالفة للظاهر من جهة واحدة بخلاف الحمل على الوجوب فإنه قاض بتقييد الإطلاق وبالخروج عن الظاهر المذكور ومع الغض عن ذلك فأقصى الأمر حينئذ أن يقال بالوقف بين الأمرين إذ لا أقل من مقاومة الوجهين للوجه الأول وفيه أن انصراف الأمر إلى الوجوب أقوى من انصراف الوجوب إلى الوجوب النفسي كما يشهد به ملاحظة العرف أما على القول بكونه حقيقة في مطلق الوجوب فظاهر للزوم المجاز بناء على حمله على الندب بخلاف ما لو حمل على الوجوب الغيري ومن المقرر تقديم الحقيقة على المجاز وأما على المختار فلكون انصرافه إلى الوجوب أقوى من انصراف الوجوب إلى النفسي كيف وأقصى الأمر بناء على ترجيح الوجوب الغيري رفع اليد عن كيفية الوجوب الظاهر من إطلاق الأمر وأما مع ترجيح الندب فإنما يرفع اليد عن أصل الوجوب والثاني أبعد عن الظاهر بالنسبة إلى الأول نعم على القول بكون الأمر حقيقة في خصوص الوجوب النفسي مجازا في غيره وقد يشكل الحال في المقام من جهة دوران الأمر بين المجازين وزيادة الأول بلزوم التقييد معه أيضا ويمكن دفعه بأن حمله على الوجوب الغيري أقرب إلى الحقيقة من الحمل على الندب فبعد تعذر الحقيقة يتعين أقرب المجازات وإن لزم معه التزام التقييد أيضا إذ لا يمنع ذلك من حمله على أقرب المجازات سيما بعد شهادة فهم العرف به كيف وهو الأصل في أمثال هذه المباحث وحصول الفهم المذكور بحسب العرف مما لا يداخله ريب بعد الرجوع إلى المخاطبات العرفية ويعضده فهم الأصحاب وبناؤهم عليه حسبما ادعاه بعض الأجلة في المقام وكان هذا الوجه هو الأظهر في النظر إلا أن يكون في المقام ما يرجح الحمل على الندب أو يجعله مكافئا للحمل على الوجوب على الوجه المذكور فيحمل على الندب أو يتوقف عن الحمل وذلك أمر آخر الثالث الدوران بين الندب العيني والوجوب الكفائي والظاهر حينئذ تقديم الوجوب الكفائي لما عرفت من ترجيح دلالة الأمر على الوجوب على دلالته على سائر الخصوصيات مضافا إلى كونه أوفق بالاحتياط هذا على القول بكونه حقيقة في مطلق الطلب على ما هو المختار أو كونه حقيقة في خصوص الوجوب العيني وأما على القول بكونه حقيقة في مطلق الوجوب مجازا في الندب فالأمر الأظهر لكونه من الدوران بين الحقيقة والمجاز وقد يشكل ذلك بملاحظة غلبة استعماله في الندب بالنسبة إلى إطلاقه على الوجوب الكفائي سيما على أحد الوجهين الأولين وفيه أن حصول الغلبة الباعثة على الفهم غير ظاهر بل الظاهر خلافه فالحمل على الندب غير متجه كالتوقف بين الوجهين الرابع الدوران بين الندب التعييني والوجوب التخييري ولا يبعد أيضا ترجيح جانب الوجود لما عرفت ويشكل الحال فيما إذا لم يكن الفعل الآخر الذي فرض التخيير بينهما مما ثبت شرعيته بدليل آخر لمعارضة الوجه المذكور بأصالة عدم شرعيته ورجحانه وفيه أن الأصل لا يقاوم الظاهر فبعد ثبوت الوجوب بمقتضى الظاهر يتعين البناء على التخيير نظرا إلى قيام الدليل عليه وذلك كاف في إثبات شرعيته ومع ذلك فالأحوط في المقام هو الإتيان به دون غيره مما يقوم مقامه الخامس الدوران بين الوجوب المقيد النفسي والمطلق الغيري وهذا الوجه في الحقيقة ما لا يمكن تحققه إذ كل واجب غيري يتقيد وجوبه بوجوب ذلك الغير فهو في الحقيقة دوران بين المقيد النفسي والمقيد الغيري إلا أنه لما لم يتوقف تقيد الوجوب الغيري على ثبوت مقيد من الخارج بخلاف ما فرض من الوجوب النفسي عدا الوجوب فيه مطلقا فيحتمل إذن تقديم النفسي مطلقا لاشتراكهما في التقييد ويحتمل التفصيل بين ما إذا كان وجوب ذلك الغير مطلقا أو مقيدا أيضا فإن كان مقيدا اتجه الوجه المذكور وإلا احتمل ترجيح الغيري والتوقف بين الوجهين والتفصيل بين ما إذا كان القيد المأخوذ في المقيد غالب الحصول فيرجح المقيد في الأول والغيري في الثاني السادس والسابع الدوران بين الوجوب المقيد والكفائي أو التخييري المطلق والظاهر توقف الترجيح على ملاحظة خصوص المقام فإن كان هناك مرجح لأحد الوجهين بني عليه وإلا توقف بينهما ويرجع في التكليف إلى أصول الفقاهة فمع انتفاء القيد المفروض يبنى أصالة البراءة ومع حصوله يتعين الإتيان به دون ما احتمل التخيير بينه وبينه أخذا بيقين الفراغ بعد تيقن الاشتغال الثامن والتاسع الدوران بين الوجوب الغيري والنفسي الكفائي والتخييري ويحتمل أن يكون الحال فيه كالسابق فمع انتفاء الترجيح يرجع فيه إلى أصول الفقاهة ويحتمل ترجيح أحد الأخيرين نظرا إلى أن المرجوحية في الوجوب الغيري من جهتين العاشر الدوران بين الوجوب الكفائي والتخييري والظاهر أنه لا ترجيح بينهما فيرجع في العمل إلى الأصل فإن لم يقم به غيره تعين عليه الإتيان به أخذا بيقين البراءة بعد تيقن الاشتغال وإن قام به غيره تخير بين الإتيان به وببدله لحصول اليقين بالبراءة على الوجهين أما مع الإتيان ببدله فإنه لو كان كفائيا سقط عنه الواجب بفعل الغير ولو كان تخييريا سقط بفعل البدل وإلا ظاهره الاقتصار على فعله إن لم يقم دليل آخر على مشروعيته ما يكون بدلا عنه على تقدير انتفاء التخيير وأنت بعد التأمل فيما قررناه تعرف الحال فيما لو دار الأمر بين ما يزيد على وجهين من الوجوه المذكورة ودار الحال في المخالفة بين واحد منها أو كانت المخالفة فيها مختلفة في الزيادة والنقيصة كان الخروج عن الأصل في أحدهما من وجهين وفي الآخر من جهة واحدة فيبنى في الجميع على ما هو الراجح بعد ملاحظة الوجوه المذكورة ومع المعادلة يرجع في الحكم على أصول الفقاهة خامسها أن قضية الأمر بعد دلالته على الوجوب بأي وجه كان من الوجوه المتقدمة هو وجوب الإتيان بالمأمور به وأداء الفعل الذي تعلق ذلك الأمر به من غير اعتبار أمر آخر في حصوله إلا أن يدل دليل على اعتبار ما يزيد على ذلك والوجه أن ظاهر الأمر هو وجوب