الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
158
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
فلا وجه للالتزام به من غير قيام دليل عليه نعم إن ثبت وجوب ذلك الغير تعين الوجوب إلى الأصل الأول وقد يستظهر من جماعة من المتأخرين كالشهيدين والمحقق لكون المناقشة في الأصل المذكور نظرا إلى كثرة استعمال الأمر في الوجوب الغيري بحيث يكافئ ذلك ما ذكر من الظهور وربما يدعى بلوغه إلى حد الحقيقة العرفية كما قد يستفاد من كلام الشهيد رحمه الله والظاهر أنه لم يرد به هجر الأول لظهور دوران الوجوب النفسي في الاستعمالات أيضا بل مقصوده على فرض حمل كلامه على ذلك مكافئته للوجه الأول لا ترجيحه عليه وكيف كان فالظاهر وهن ما ذكر من الإشكال إذ حصول الغلبة المذكورة في محل المنع بل الظاهر خلافه نعم لو قام الدليل من الخارج على كل شيء واجبا لغيره أمكن القول بكونه شاهدا على حمل إطلاق الأمر المتعلق به على ذلك أيضا وإن لم يكن هناك منافاة بين وجوبه على الوجهين إلا أن ذلك بعيد وما ادعي من الغلبة قد يتم في المقام إذ قد يقال بكون الغالب في الواجبات الغيرية عدم وجوبها على فرض تسليمها إلى حد يفيد المظنة محل نظر ومجرد الأصل لا يزاحم ظاهر اللفظ نعم قد يدعى في المقام فهم العرف ألا ترى أنه لو قيل تارة إذا أحدثت فتوضّأ وقيل أخرى إذا أحدثت فتوضأ لأجل الصلاة فهم منه كون المقصود بالوجوب المدلول عليه بالكلام الأول أيضا ذلك إلا أن جريان الفهم المذكور في سائر الموارد مما ورد فيه إطلاق الأمر ويثبت الوجوب الغيري أيضا من الإجماع أو غيره غير ظاهر والمتجه أن يقال إنه مع حصول الفهم في المقام كما في المثال المذكور ونحوه لا كلام ومع عدمه فإن ثبت هناك من الجهات العامة أو الخاصة ولو من جهة فهم الأصحاب ما يزاحم الظهور المذكور بحيث يجعله ظاهرا في الغيري فلا إشكال أيضا ولو نفي ذلك بتكافؤ الاحتمالين وحصول التردد بين الوجهين اتجه الوقف ولا يثبت معه إلا الوجوب الغيري ولا اتجه الأخذ بظاهر اللفظ إلا أن يثبت خلافه من الخارج هذا وقد تخلص ممّا فصّلناه ظهور الأمر حين الإطلاق في الوجوب بالوجه الذي قررناه والرجوع إلى المتبادر منه في الاستعمالات وملاحظة المفهوم من الإطلاقات كاف في إثبات ذلك على نحو انصراف الصيغة حين الإطلاق إلى الوجوب وهذا التبادر بناء على المختار من قبيل التبادر الإطلاقي في المقامين وأما على مختار القوم فمع البناء على كونه حقيقة في مطلق الوجوب الشامل بجميع الأقسام كما هو الظاهر من إطلاقهم في المقام بكون التبادر الحاصل بالنسبة إليه وضعيا ويكون انصرافه إلى القسم المذكور حاصلا بالتبادر الإطلاقي وحينئذ يشكل الحال بأن التبادر والحاصل في المقام على نحو واحد فالفرق بينهما على النحو المذكور غير متجه فإما أن يقال بكونه إطلاقيا في المقامين ويسقط بذلك ما هو عمدة مستندهم للقول بكونه حقيقة في الوجوب لاتكالهم فيه على التبادر وفهم العرف أو يقال بكونه وضعيا مستندا إلى الوضع فيهما فلا بد من القول بكونه حقيقة في خصوص الوجوب الموصوف دون غيره من سائر أقسامه بل الظاهر أن الحاصل في المقام تبادر واحد فإن كان إطلاقيا لم يصح الاستناد إليه في إثبات الوضع لخصوص ما يتبادر من اللفظ وقد مر التنبيه على ذلك ومن هنا قد يتخيل في المقام كون الأمر حقيقة في خصوص الوجوب العيني دون التخييري فظاهر كلام بعضهم إسناد القول بذلك إلى جماعة من المتأخرين منهم السيوري في كنز العرفان والمحقق الأردبيلي والمصنف والمحقق الخوانساري وإن كان المنقول من كلامهم في المقام غير واف بذلك والمحكي عن جماعة آخرين كونه حقيقة في الأعم من الأمرين وقد ذكر للجانبين حجج معظمها في غاية الوهن ويجري الوجهان المذكوران فيما سوى الوجوب التخييري عن سائر أقسام الوجوب بما لا ينصرف إليه الإطلاق وبعد ما عرفت ما مر وهو الحق في المقام لا حاجة إلى إطالة الكلام في المرام هذا وما ذكرناه من الانصراف كما يجري في صيغة الأمر وما بمعناه كذا يجري في لفظ الوجوب وما يؤدي مؤداة إذا تعلق بفعل من الأفعال وأما إذا ثبت وجوب شيء بالعقل أو الإجماع ودار بين وجهين أو وجوه من المذكورات فالظاهر البناء على الوقف إذ لا ترجيح لأحد الوجوه في حد ذاته ولا إطلاق حينئذ ليؤخذ بمقتضاه ويرجع حينئذ في العمل إلى الأصول الفقهية فمع الدوران بين الوجوب التعييني والتخييري يؤخذ بالأول لحصول اليقين بالبراءة بأداء ذلك الفعل دون غيره وكذا مع الدوران بين العيني والكفائي ومع الدوران بين الوجوب المطلق والمشروط لا يحكم بالوجوب إلا مع حصول الشرط وقد ينزل على ذلك ما يحكى عن السيد من القول بمكافئة احتمالي الوجوب المطلق والمشروط عند عدم دليل على التعيين ولا يحكم حينئذ بالوجوب إلا مع حصول الشرط كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله ومع الدوران بين الوجوب النفسي والغيري لا يحكم بالوجوب إلا على نحو ما يقتضيه البناء على وجوبه للغير إذ لا إطلاق في المقام فيقتصر فيما خالف الأصل على القدر المتيقن لكن لا يجري عليه حكم الواجب الغيري من البناء على سقوطه بمجرد حصوله ولو بالإتيان به على الوجه المحرم أخذا بيقين الشغل حتى يتبين الفراغ ومع الدوران بين الوجوب والندب يبنى على الثاني أخذا بأصالة عدم المنع من الترك وقد يتأمل في الأخذ بالأصل المذكور وقد أشرنا إليه وإلى ما يزيفه رابعها قد عرفت ظهور الأمر مع الإطلاق في الطلب الإيجابي المطلق النفسي العيني التعييني فإن لم يكن هناك قرينة على خلاف ذلك تعين الحمل عليه وإن كان هناك قرينة على ثبوت ما يخالف أحد القيود المذكورة تعين ذلك من غير لزوم تجوز في اللفظ كما عرفت وأما إذا قامت قرينة صارفة عن انصرافه إلى الصورة المذكورة ودار الأمر في المخالفة بين وجهين أو وجوه فهناك صور عشر للدوران الثنائي بينها الأول الدوران بين الندب المطلق والوجوب المقيد وقد يتراءى حينئذ تساوي الاحتمالين نظرا إلى أن الأمر المطلق كما يقتضي الوجوب كذا يقتضي الإطلاق وكما أن حمله على الندب خلاف الأصل فكذا التزام التقييد فيه نعم قد يقال علي القول بكون الأمر حقيقة في خصوص الوجوب أن ذلك من الدوران بين التقييد والمجاز ومن المقرر ترجيح التقييد نظرا إلى شيوعه كالتخصيص بل هو أولى منه على ما مر تفصيل القول فيه في محله وربما يعارضه شيوع استعمال الأمر أيضا في الندب فلا يترجح التقييد على المجاز المفروض ويدفعه أن بلوغ استعمال الأمر في الندب إلى حد يكافئ التقييد غير ظاهر بل الظاهر خلافه كما يشهد به فهم العرف فالظاهر بناء على المشهور تقديم الوجوب المشروط على الاستحباب المطلق والأظهر أيضا ذلك بناء على المختار إذ دلالة إطلاق الطلب على الوجوب أظهر من دلالته على الإطلاق فيقدم عليه عند التعارض ويشهد بذلك فهم العرف وهو