الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

153

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

وقد يجاب عنه أيضا تارة بأن ذكر استعماله فيهما في القرآن والسنة لبيان قضاء الأصل بكونه حقيقة فيهما في الجميع إلا أنه لزم الخروج عن مقتضى الأصل المذكور بالنسبة إلى الندب في عرف الشارع للدليل الدال عليه فبقي الباقي وأخرى بأن المراد استعماله في المعنيين في مجموع المذكورات ولو على سبيل التوزيع فالمقصود أن استعماله في مجموع المذكورات في الوجوب والندب دال على الاشتراك فإن استعماله بحسب اللغة إما في المعنيين أو أحدهما وعلى كل من الوجهين إما يثبت المطلوب أو بعض منه وكذا الحال في العرف بضميمة أصالة عدم النقل بل وكذا الحال بالنسبة إلى استعماله في الكتاب والسنة إلى أنه لما كان الاستعمال الذي يحتمل الحقيقة بالنسبة إليهما هو الوجوب دون الندب كان الثابت به جزء المعنى خاصة كذا ذكره المدقق المحشي وأنت خبير ببعد الوجهين سيما الأخير فإنه مع ما فيه من التعسف الشديد لا يفي بإثبات المقصود على كل الوجوه إذ لو فرض استعماله في الوجوب أو الندب بحسب اللغة وثبت استعماله فيهما بحسب العرف أو الشرع لم يتجه إثبات الاشتراك بحسب اللغة أيضا لأصالة تأخر الحادث أو تجدد المعنى ولا يمكن دفع ذلك بأصالة عدم النقل إذ لا نقل في المقام مضافا إلى أنه لا يعتد فيما ذكره بالأصل المذكور ولا أشار إليه في المقام فضم ذلك إلى الدليل المذكور خروج عن ظاهر كلامه بل صريحه كما لا يخفى قوله بامتناع عدم الاطلاع على التواتر ممن يبحث ويجتهد كأنه أراد بذلك دفع احتمال أن يكون متواترا عند قوم دون آخرين وذلك لأنه إنما يتصور ذلك مع المساهلة في البحث والاجتهاد ومع عدمها تقضي العادة بامتناع الغفلة عنه مع حصوله وهو كما ترى إذ موانع العلم لا ينحصر في عدم الاطلاع على الأخبار بل قد يكون من جهة سبق الشّبهة على أن عدم الاطلاع على بعض تلك الأخبار مما لا مانع منه بحسب العادة فقد يكون ذلك مكملا لعدد التواتر فلا يحصل التواتر بالنسبة إليه قوله والجواب منع الحصر يحتمل أن يريد بذلك منع حصر الدليل في العقلي والنقلي إذ قد يكون مركبا من الأمرين كالرجوع إلى الأمارات الدالة على الحقيقة فإن العلم بتلك الأمارات إنما يكون بالنقل والانتقال منها إلى المقصود بالعقل بملاحظة اللزوم بينهما وقد يورد عليه بإرجاع الكلام المذكور بالنسبة إلى جزئه النقلي فإنه إما أن يكون متواترا أو آحادا والأول يقضي بانتفاء الخلاف والثاني غير كاف في الإثبات أو المركب منه ومن غيره يكون ظنيا كذا أورده في الأحكام ويدفعه جواز الالتزام بالأول ولا يلزم معه انتفاء الخلاف إذ ذاك إنما يلزم لو قلنا باكتفاء النقل فيه وأما مع الحاجة إلى ضمّ العقل إليه فقد يكون ذلك نظريا يختلف فيه الأنظار ويحتمل أن يريد به منع حصر الدليل النقلي في المتواتر والآحاد لحصول الواسطة بينهما وهو الرجوع إلى الاستقراء إذ لا يندرج في الخبر المتواتر ولا الآحاد وإنكار ثبوت الواسطة بين الأمرين كما ذكره بعض الأعلام بين الفساد والقول بقيام الإشكال في ذلك أيضا فاسد فإنه إن أفاد القطع فذاك إلا أن إفادة الأدلة المذكورة له محل نظر وإن أفاد الظن عاد الإشكال مدفوع بأنه لا دليل على عدم حصول العلم منه حتى يقوم شاهد على تعين القول بالوقف ومجرد احتمال عدم إفادته فيه في بادي الرأي لا يقضي بما ذكر إلا أن يقال بأن مقصود المتوقف بيان عدم علمه بالمسألة وعدم حصول القطع له وهو لا يفتقر إلى الاستدلال وأخذ ما ذكر من المقدمات وقد ظهر بما قررنا ضعف ما ذكره في الأحكام حيث قال بعد ما أورد على نفسه بأن ما ذكرتموه مبني على أن مدار ما نحن فيه على القطع قلنا نحن في هذه المسألة غير متعرضين لنفي ولا إثبات بل نحن متوقفون فمن رام إثبات اللغة فيما نحن فيه بطريق ظني أمكن له أن يقال له متى يكتفي بذلك فيما نحن فيه إذا كان شرط إثباته القطع أم لا ولا بد عند توجه التقسيم من تنزيل الكلام على الممنوع أو المسلم وكل واحد منهما متعذر لما سبق انتهى فإن من الظاهر أن من يقول بحجية الظن فلا بد أن ينتهي حجية ذلك الظن عنده إلى اليقين لوضوح عدم حجية الظن في نفسه في شيء من الموضوعات والأحكام وقضية ما ذكره عدم نهوض دليل قاطع عنده على حجية الظن هنا فليس توقفه في المقام إلا من جهة عدم قيام دليل على الترجيح لا من جهة قيام الدليل على إمكان الترجيح ليلزم البناء على الوقف وحينئذ فلا وجه للاستناد إلى ما ذكره من الدليل فإن مفاده إن تم هو لزوم البناء في المقام على الوقف لعدم إمكان الترجيح كما هو أحد الوجهين في الوقف وهو الذي يعد قولا في المسألة ويتوقف إثباته على إقامة الدليل وإلا فعدم العلم بأحد الشقين مما لا يحتاج إلى البيان وإقامة البرهان بل أقصى ما يراد له تزييف الأدلة المذكورة لسائر الأقوال قوله ومرجعها إلى تتبع مظان إلى آخره قد يكون مراده بذلك الاستقراء بملاحظة مواقع استعمال اللفظ والأمارات الخارجية الدالة على ما يفهم من اللفظ عند الإطلاق فيستنبط به الوضع وهو أحد طرق إثبات الأوضاع حسبما مر بيانه إلا أن ذلك ليس شيئا من الوجوه المذكورة المتقدمة وقد يقال إن مراده بالأمارات الأدلة المتقدمة الدالة على كونه حقيقة في الوجوب لكنك خبير بأن كلا من تلك الأدلة ظنية فهي مشاركة لما ذكره المستدل من أخبار الآحاد في المفسدة إلا أن يدعى قطعية بعضها أو يقال بحصول القطع من ضم بعضها إلى البعض أو يكون مبني الجواب على منع اعتبار القطع في المقام وحينئذ وإن لم يحتج إلى منع الحصر للاكتفاء حينئذ بنقل الآحاد إلا أن كلامه مبني على بيان ما هو الواقع إذ لم يستند أحد في المقام إلى نقل الآحاد قوله بحيث صار من المجازات الراجحة إلى آخره المقصود صيرورة المجاز المذكور من المجازات المشهورة في عرفهم عليهم السلام الراجحة على سائر المجازات بحسب الحمل أو على الحقيقة من جهة الاستعمالات المساوية إرادتها من اللفظ لإرادة الحقيقة عند انتفاء القرائن الخارجة وهو مبني على اختيار التوقف عند دوران الأمر بين المشهور والحقيقة المرجوحة حسبما عزي إليه اختيار ذلك كما مرت الإشارة إليه وكأنه استنبط ذلك من العبارة المذكورة فتكون الصيغة المذكورة كاشفة وقد يجعل ذلك وضعا مخصصا بدعوى بلوغ الشهرة إلى الحد المذكور وعدم تجاوزه عن تلك الدرجة فيوافق ما حققناه في بيان الحال في المجاز المشهور إلا أنه غير معروف بينهم وكيف كان فقد أورد عليه بأن شيوع استعماله في المعنى المذكور إن كان بانضمام القرينة المقارنة فذلك لا يستلزم تساوي الاحتمالين في المجرد عنها إذ لا غلبة هناك وإن كان مع التجرد عن القرينة المقارنة بانكشاف المقصود من الخارج بملاحظة القرائن المنفصلة أمكن القول بذلك لكن إثبات شيوع استعماله على الوجه المذكور مشكل قلت لا يخفى أن شيوع استعمال اللفظ في معناه المجازي قاض برجحان المجاز على ما كان عليه قبل الشيوع سواء كان استعماله فيه على الوجه الأول أو الثاني أو الملفق منهما فكلما زاد الشيوع قوي المجاز