الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

154

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

إلى أن يبلغ حد المساواة مع الحقيقة أو الرجحان عليه في صورة الإطلاق أيضا حملا له على الأعم الأغلب وذلك أمر ظاهر بعد الرجوع إلى العرف ومجرّد كون الغلبة مع انضمام القرينة لا يقضي بعدم التردد بينه وبين المعنى الحقيقي مع الخلو عنها نظرا إلى اختصاص الغلبة بصورة مخصوصة فلا يسري إلى غيرها إذ من الظاهر أن الغلبة قد ينتهي إلى حد لا يلحظ معها تلك الخصوصية بل يقضي شيوع استعماله فيه بالتردد بينه وبين المعنى الحقيقي أو غلبته عليه في صورة الإطلاق أيضا كيف ومن البين أن كثرة استعمال اللفظ في المعنى المجازي ولو مع القرينة قاضية بقرب ذلك المجاز إلى الأذهان ولو في حال الإطلاق فيستقرب المخاطب إرادة ذلك المعنى حينئذ عند التفطن وإن كان حمله على المعنى الحقيقي أقرب عنده وكلما قويت الشهرة والغلبة ازداد القرب المفروض فأي مانع حينئذ من بلوغه إلى الحد المذكور ويشهد لذلك ملاحظة غلبة الاستعمال الحاصلة في بعض الموارد الخاصة كما إذا استعمل المتكلم لفظا في محل خاص مرات كثيرة متعاقبة في معنى مجازي مخصوص مع نصب قرينة على إرادة ذلك المعنى فإذا استعمله مرة أخرى غلب تلك الاستعمالات من غير أن يضم قرينة خاصة على إرادة ذلك المعنى كان تقدم تلك الاستعمالات المتكثرة ولو كانت مقترنة بالقرينة باعثا على التوقف في حمل اللفظ على الحقيقة أو صارفا له إلى المعنى المجازي يشهد بذلك التأمل في الاستعمالات فجريان ذلك في الشهرة المطلقة الحاصلة بملاحظة استعماله فيه في الموارد المتكثرة أولى فالقول بعدم قضاء غلبة الاستعمال في المعنى المجازي مع القرينة بالتوقف في فهم المراد مع انتفائها غير متجه نعم غاية الأمر أن يختلف الحال في الغلبة الباعثة على الوقف في اعتبار درجة الشيوع والكثرة فإنه إن كان ذلك بانضمام القرينة المقارنة افتقر مقاومة المجاز للحقيقة حال الإطلاق إلى شيوع زائد وغلبة شديدة بخلاف ما لو شاع استعماله فيه من دون ضم قرينة مقارنة وكان الشيوع الحاصل فيه بانضمام القرينة تارة وعدمه أخرى فإنه لا يتوقف الوقف بين المعنيين حينئذ مع الإطلاق إلى اعتبار تلك الدّرجة من الغلبة والشهرة المدعاة في كلام المصنف دائرة بين الوجوه الثلاثة وأيا ما كان يمكن بلوغها إلى الحد المذكور وإن اختلف درجات الشهرة بحسب اختلاف الوجوه المذكورة فظهر بذلك اندفاع الإيراد المذكور وأبين منه في الاندفاع ما في كلام الفاضل المدقق من إلحاق الدليل المنفصل القاضي بإرادة الندب بالقرينة المتصلة حيث جعل دلالة أحد الحديثين المتعارضين في الظاهر على كون المراد من الآخر معناه المجازي من قبيل القرائن المتصلة القائمة على ذلك في عدم البعث على صرف اللفظ إليه أو الوقف بينه وبين الحقيقة مع حصول الشيوع والغلبة وأنت خبير بأنه مع البناء على ذلك يلزم امتناع حصول المجاز المشهور بل النقل الحاصل من الغلبة ضرورة أن استعمال اللفظ في المعنى المجازي إنما يكون مع القرينة المتصلة أو المنفصلة إذ بدونها لا يحمل اللفظ إلا على معناه الحقيقي والمفروض أن الغلبة الحاصلة بأي من الوجهين المذكورين لا يقضي بمساواة المجاز للحقيقة أو ترجيحه عليها ولو بملاحظة تلك الشهرة فكيف يحصل المجاز المشهور أو النقل على الوجه المذكور هذا وأما البناء على الاستحباب من جهة ضعف الرواية وقصورها عن إثبات الوجوب للتسامح في أدلة السنن فمما لا ربط له بالمقام وكذا حمل الرواية على الندب عند التعارض بمجرد ترجيح إعمال الدليلين على طرح أحدهما من غير أن يحصل هناك فهم عرفي يقضي بذلك كما ذهب إليه البعض فذكر ذلك في المقام ليس على ما ينبغي لوضوح خروجه عن محل الكلام إذ ليس شيء من ذلك قرينة متصلة ولا منفصلة على إرادة الندب من اللفظ والمفروض في كلام المصنف شيوع استعمال الأوامر في الندب وأين ذلك مما ذكر ثم إنه قد وافق المصنف رحمه الله في الدعوى المذكورة جماعة من أجلة المتأخرين كصاحب المدارك وذخيرة والمشارق لكن لا يخفى أن الدعوى لا بينة ولا مبيّنة ومجرد حصول الغلبة في الجملة على فرض تحققها لا يقضي بذلك وتوضيح الكلام أنّ المعتبر من الغلبة الباعثة على الوقف أو الصرف هو ما إذا كانت قاضية بفهم المعنى المجازي مع الإطلاق وكونه في درجة الظهور مكافئة للمعنى الحقيقي حتى يردد الذهن بينهما أو تكون راجحا على معناه الحقيقي وحصول ذلك في أخبارهم غير ظاهر بل من الظاهر خلافه إذ الظاهر أن الأوامر الواردة عنهم عليهم السلام على نحو سائر الأوامر الواقعة في العرف والعادة والمفهوم منها في كلامهم هو المفهوم منها في العرف ويشهد له ملاحظة الإجماع المذكور في كلام السيد وغيره فإنه يشمل كلام الأئمة عليهم السلام أيضا وملاحظة طريقة العلماء في حمل الأوامر على الوجوب كافية في ذلك ولم نجد الدعوى المذكورة في كلام أحد من متقدمي الأصحاب مع قرب عهدهم ووفور اطلاعهم بل لم نجد ذلك في كلام أحد ممن تقدم على المصنف ولو تحققت الغلبة المذكورة لكان أولئك أولى بمعرفتها فاتفاقهم في حملها على الوجوب كاشف عن فساد تلك المعنى الدعوى بل في بعض الأخبار الواردة عنهم عليهم السلام دلالة على خلاف ذلك حسبما مرت الإشارة إليه ومع الغض عن ذلك فالشهرة المدعاة إما بالنسبة إلى أعصارهم ليكون اللفظ مجازا مشهورا في الندب عند أهل العرف في تلك الأزمنة أو بالنسبة إلى خصوص الأوامر الواردة عنهم عليهم السلام فيكون مجازا مشهورا في خصوص ألسنتهم عليهم السلام دون غيرهم وعلى الثاني فإما أن يكون الشهرة حاصلة بملاحظة مجموع أخبارهم المأثورة عنهم عليهم السلام أو بملاحظة الأخبار المروية عن بعضهم أو بالنسبة إلى كلام كل واحد منهم ليكون الاشتهار حاصلا في كلام كل منهم استقلالا فإن تم الوجه الأول وظهر حصول الاشتهار على ذلك الوجه في عهد أيّ منهم تفرع عليه الثمرة المذكورة في الأخبار الواردة بعد تحقق تلك الشهرة إلا أن دعوى الشهرة المذكورة بعيدة جدّا ولم يدعه المصنف أيضا ومع ذلك فليس التاريخ فيه معلوما وعلى الوجه الثاني فالشهرة المدعاة لا تثمر شيئا بالنسبة إلى أخبارهم إذ من البين أن ذلك لو أثر فإنما يؤثر بالنسبة إلى ما بعد حصول الاشتهار وأما بالنسبة إلى تلك الأخبار الباعثة على حصول الاشتهار فلا وعلى الوجه الثالث لا إشكال في الأوامر الواردة عمن تقدم على من حصل الاشتهار في كلامه بل وكذا بالنسبة إلى ما تأخر عنه إذ المفروض عدم تحقق الشهرة العرفية وإنما الشهرة المفروضة شهرة خاصّة بمتكلم مخصوص ومن البين أن الشهرة الحاصلة في كلام شخص خاص لا يقضي بجري حكمها في كلام غيره مع عدم تحققها بالنسبة إليه وكونهم عليهم السلام بمنزلة شخص واحد وأن كلام آخرهم بمنزلة كلام أولهم مما لا ربط له بالمقام فإن ذلك إنما هو في بيان الشرائع والأحكام دون مباحث الألفاظ